حكومة الإنقاذ بعيون أهالي إدلب

خاص زيتون

تم الإعلان عن تشكيل حكومة الإنقاذ برعاية هيئة تحرير الشام يوم الخميس 2 تشرين الأول الماضي، برئاسة “محمد الشيخ” رئيس جامعة إدلب سابقاً، ضمن مؤتمر عُقد في معبر باب الهوى الحدودي، وتم خلاله الإعلان عن حكومة الإنقاذ، بعد اجتماعات مفتوحة ومغلقة جرت بين رئيس الحكومة والهيئة التأسيسية.


وحدد المؤتمر 13 وزارة في الحكومة، وتم تسمية 11 وزيراً فيها، بينهم 9 من أبناء ريف محافظة إدلب واثنين من دمشق ووزيراً واحداً من حماة، مع غياب لأبناء مدينة إدلب وهم “أحمد ديب وزيراً للداخلية، إبراهيم شاشو وزيراً للعدل، جمعة العمر وزيراً للتعليم العالي، محمد جمال شحود وزيراً للتربية والتعليم، أحمد جرك وزيراً للصحة، فايز الخليف وزيراً للزراعة، عبد السلام الخلف وزيراً للاقتصاد، محمد عامر وزيراً للشؤون الاجتماعية والمهجرين، ياسر نجار وزيراً للإسكان والإعمار، فاضل طالب وزيراً للإدارة المحلية، أنس بشير الموسى وزيراً للأوقاف”. 
وجاء التشكيل عقب مبادرة أطلقها مجموعة من الأكاديميين في إدلب على رأسهم محمد الشيخ لتشكيل إدارة مدنية في آب الماضي، وتم إعلان المبادرة في جامعة إدلب، تبعها عقد “المؤتمر السوري العام” في أيلول الماضي بإدلب وانبثق عنها تشكيل “هيئة تأسيسية” مؤلفة من 36 عضواً، انتخبت محمد الشيخ رئيساً لحكومة الإنقاذ.
وواجهت الحكومة المشكلة منذ اليوم الأول من إعلانها انتقادات واسعة أهمها تبعيتها لفصيل عسكري مسيطر على محافظة إدلب وهو هيئة تحرير الشام، التي أنهت وجود باقي الفصائل بالقوة، كما قامت بعد وقت قصير بالاستيلاء على المؤسسات الخدمية وسلبها من المجالس المحلية في المحافظة، ما أدى إلى تحجيم وإنهاء دور هذه المجالس، بالإضافة إلى تساؤلات حول مصير حكومة الإنقاذ، في ظل استمرار عمل الحكومة السورية المؤقتة، والأوضاع التي تعيشها المنطقة.
ولوحظت أسماء في حكومة الإنقاذ انتقلت إليها من الحكومة المؤقتة كجمال شحود الذي كان يشغل منصب معاون وزير التربية في الحكومة المؤقتة، ووزير الصحة أحمد الجرك رئيس المجلس العلمي للجراحة العامة التابع للحكومة المؤقتة.

خطوات قبل التشكيل 
هيئة تحرير الشام كانت قد سبقت المبادرة المدنية التي قام بها الأكاديميون في دعوتهم لحكومة الإنقاذ ببعض الخطوات التي حاولت التمهيد لتشكيل الحكومة، كتشكيل مجلس مدينة بنش المدني في 4 أيلول الماضي، الذي شكل بهدف تمثيل مدينة بنش في المؤتمر التأسيسي للحكومة، كما عقد أعضاء المبادرة عدة اجتماعات في المدن والبلدات للترويج لفكرة الحكومة المؤقتة منها اجتماعهم في مدينة سراقب مع مجلس الأعيان والشورى، صدر بعده بيان من المجلس المحلي في سراقب برفض الانضمام إلى حكومة الإنقاذ وتأكيده على تبعيته للحكومة السورية المؤقتة.
كما قامت هيئة تحرير الشام بعد سيطرتها على كامل محافظة إدلب في 23 تموز الماضي، بتشكيل الإدارة المدنية للخدمات، والتي بدأت عملها بالسيطرة على المؤسسات الخدمية في المحافظة، وإنهاء المجالس المحلية والهيئات السياسية والمدنية، بقرارات اقصائية لتلك المجالس، ما تبعه تخوف كبير من قبل تلك الهيئات من انقطاع الدعم المقدم لها من الجهات المانحة التي ترفض التعامل مع هيئة تحرير الشام.

مواقف رسمية 
بعد إماطة اللثام عن حكومة الإنقاذ، قوبلت بصمت الجهات الرسمية المعنية كالائتلاف الذي لم يصدر عنه أي بيان رسمي، سوى بعض التصريحات الرافضة لحكومة الإنقاذ من قبل بعض أعضائه، كما قال عضو الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية “محمد يحيى مكتبي” في تصريح له للقدس العربي “أن تشكيل حكومة ثانية، تدير المناطق المحررة في ظل وجود حكومة مؤقتة ما هو إلا بسبب “ضحالة في التفكير وقصر في النظر”، كما لم يصدر عن الحكومة المؤقتة أي بيان غير تصريح لنائب رئيس الحكومة المؤقتة “أكرم طعمة” أن تكون “حكومة الإنقاذ” حكومة محلية بامتياز متواجدة ضمن منطقة واحدة، في إدلب وبعض الأرياف التي يسيطر عليها فصيل عسكري محدد، ولن تستطيع الحصول على الشرعية، وستكون مقيدة غير قابلة للتوسع بسبب هيمنة تحرير الشام عليها.
كما أصدرت الهيئة السياسية في حلب، بياناً عقبت فيه على تسمية رئيس الحكومة، وقالت فيه: “إن حكومة الإنقاذ التي أعلنت عنها اللجنة التأسيسية للمؤتمر السوري العام، جاءت خلافاً لمخرجات ورشات العمل المنبثقة عن المؤتمر نفسه، وهي لا تحظى بقبول شعبي أو اعتراف دولي”، واصفةً إياها بحكومة مغالبة ستزيد معاناة الشعب السوري وتشتته بين الحكومتين.

حكومة الإنقاذ في إدلب تنذر الحكومة السورية المؤقتة
أنذرت حكومة الإنقاذ في الشمال السوري، المشكلة من قبل هيئة تحرير الشام في إدلب، يوم الثلاثاء 12 كانون الأول الحالي، الحكومة السورية المؤقتة بإغلاق كافة مكاتبها في المناطق المحررة، وإخلاء جميع المقتنيات الشخصية لها، تحت طائلة المسؤولية.
وحدد الإنذار الذي وقعه رئيس مجلس الوزراء في حكومة الإنقاذ محمد الشيخ، مهلة 72 ساعة من تاريخ التبليغ لتنفيذ الإغلاق والإخلاء تحت طائلة المسؤولية.
وكانت حكومة الإنقاذ قد أصدرت بياناً يوم التاسع من كانون الأول الجاري، قالت فيه أنها ستتخذ الإجراءات المناسبة بحق الحكومة المؤقتة، على خلفية تصريح لمدير مكتب العلاقات العامة في الحكومة المؤقتة “ياسر الحجي”، من أن الحكومة المؤقتة ترفض التعاون مع أي حكومة لها علاقة بالإرهاب.
وأكد بيان حكومة الإنقاذ أن كل الفصائل التي تقاتل على الثغور هي صاحبة حق ولا تُعتبر إرهابية، منوها إلى الفارق بين مكان الحكومة المؤقتة في الخارج وبين الفصائل المقاتلة على الأرض.
كما أصدرت حكومة الإنقاذ قراراً في العاشر من كانون الأول، يقضي برفع دعوى قضائية ضد المدعو “ياسر الحجي” مدير مكتب العلاقات العامة في الحكومة السورية المؤقتة لمقاضاته بجرم التحريض وشرعنة قصف المدنيين.

من جهته أكد الائتلاف الوطني لقوى الثـورة والمعارضة السورية في تصريح صحفي صدر عنه في 12 كانون الأول الجاري، أن الحكومة السورية المؤقتة هي الجهة التنفيذية الشرعية الوحيدة المعترف بها، والتي تتمتع بالشرعية للعمل على الأرض السورية، وأنها تقوم بعملها خدمة للسوريين في جميع المناطق المحررة والمحاصرة، وتقدم الخدمات والتسهيلات لآلاف الطلاب في المدارس والجامعات، بالإضافة للخدمات الصحية والزراعية وغيرها، من خلال مديرياتها وهيئاتها ومسؤوليها الموجودين داخل سورية.

ورفض الائتلاف الإنذار “المزعوم” الصادر عما يسمى حكومة الإنقاذ، واعتبره تصرف غير شرعي كحال الجهة التي أصدرته، ويُعد مخالفة قانونية وسابقة خطيرة يتحمل الأشخاص والأطراف المشاركون فيها، إضافة إلى هيئة تحرير الشام، المسؤولية الكاملة عنها، وعن أي ضرر يلحق بمكاتب الحكومة المؤقتة نتيجة ذلك، بحسب وصف البيان.

وأوضح الائتلاف أن مؤسسات الحكومة السورية المؤقتة ستتولى متابعة مهامها، وملاحقة المسؤولين عن المساس بأي من مؤسساتها بالوسائل القانونية. 
وكانت الحكومة السورية المؤقتة قد أصدرت بياناً يوم الاثنين 11 كانون الأول الجاري، وضحت فيه أن البيانات ذات الصفة الرسمية تصدر حصرياً عن مكتب رئيس الحكومة المؤقتة، وأن ما يقارب نصف الحكومة المؤقتة من وزراء ومعاونين ومدراء وعاملين متواجدين في المناطق المحررة المحاصرة، ومن بينهم نائب رئيس الحكومة المؤقتة، ووزراء الزراعة والإدارة المحلية، بالإضافة إلى وزارتي الصحة والتعليم المتواجدتين في محافظة إدلب، ومقر رئاسة الحكومة السورية المؤقتة، ووزارتي التربية والتعليم والخدمات المتواجدة في محافظة حلب، مؤكدةً أنها ستستمر في عملها مهما كانت التهديدات.

حكومة الإنقاذ.. لا تستطيع إنقاذ نفسها لتنقذ المحرر
مع الإعلان عن تشكيل حكومة الإنقاذ سادت حالة من الترقب في الشارع الإدلبي بانتظار معرفة ما هي إمكانيات هذه الحكومة وما الأعمال التي ستقوم بها والغاية من تشكيلها، وقد أبدى الكثير من أهالي إدلب استغرابهم من تشكيلها، متسائلين عن منطقية أن تقوم في بقعة جغرافية صغيرة مثل محافظة إدلب حكومة خاصة بها، وماذا عن الحكومة السورية المؤقتة؟.
كما شهدت وسائل التواصل الاجتماعي موجة من الاستنكار والسخرية حول تشكيلها، معتبرة أنها محاولة من قبل فصيل عسكري لكسب غطائي مدني، وللسيطرة على مؤسسات المحافظة، ومشككة بقدرتها على الاستمرار والإدارة.

“محمد علي باشا” من أهالي مدينة بنش قال لزيتون: “أولاً تسميتها باسم حكومة ليس صحيحاً، لغياب الشرعية المشكلة لها، كما أنها لم تقدم أي شيء ملموس يجعلنا نعترف بها كحكومة، ومن الأكيد أنها ستفشل لأنها مبنية على باطل، وعلى حب السلطة والاستحواذ من قبل القوة العسكرية التي تقف خلف هذا الكيان”.

“مهاب حمدون” من أهالي بنش قال لزيتون: “أظن أن السبب الرئيسي لتشكيلها كان خوف هيئة تحرير الشام من التدخل البري التركي الذي كان من المحتمل أن يحدث، وتشكيل هذه الحكومة يعطي حجة لمن يريدون تقسيم سوريا، وذريعة لباقي المكونات السورية بتشكيل حكومات مصغرة في كل محافظة ومدينة وباستقلالية عن سوريا كدولة ووطن”.
مضيفاً: “منذ تاريخ إنشاء هذه الحكومة لم نلحظ لها أي نشاط، سوى قرارات ارتجالية، وأمامهم الحالة الأمنية المنفلتة فليوجدوا الحل لها، إذ تمت 16 عملية سرقة فقط في ليلة واحدة في مدينة بنش”.
كما نوه “محمود جدوع” إلى أن تشكيل أي حكومة مناطقية في الداخل السوري هي نقمة أكثر مما هي نعمة، أيّاً كان خلف تشكيلها، لأنها بداية لمشروع تقسيم سوريا.

حكومة على الورق
رغم التغيير الجذري في السلطات على محافظة إدلب واختلاف مصدر القرارات والغاية منها، إلا أن حال الأهالي لم يتغير، فتردي الوضع الأمني والمعيشي بقي على حاله، وهو ما دفع بالأهالي للتشكيك في أي خطوة هدفها التوسع بالسلطات من قبل أي جهة كانت، ولا سيما حكومة الإنقاذ.
“أبو عبدو الشيخ عيسى” من أهالي مدينة إدلب يرى أنها “حكومة على الورق وليس لها أي وجود فعلي على الأرض”، كما يعتبرها محمد مطر أنها “جزء من مشروع كبير يحاك لإدلب والمشروع تشرف عليه هيئة تحرير الشام وطالب بالوقوف ضدها”، كما أكد علي الجاسم أن “حكومة الإنقاذ سوف تزول في حال زوال تحرير الشام”.
“أحمد الجمل” من أهالي مدينة إدلب لا يرى أن لحكومة الإنقاذ أي دور سوى إعطاء الصبغة الشرعية لهيئة تحرير الشام، وإزالة صفة الإرهاب عنها، من خلال حكومة مدنية، طارحاً عدة تساؤلات حول دعم المدارس، وضبط الأسواق، وأمن الأهالي والتخفيف من معاناتهم المعيشية”.
ويقول “محمد الأحمد” أحد أبناء وناشطي مدينة إدلب لزيتون: “قبل تشكيل حكومة الإنقاذ كان يجب التنسيق مع الحكومة المؤقتة ودمج الحكومتين معاً، كي لا يتشتت صوت المعارضة السورية بين الحكومات”.
بينما “ياسر المحسن” من مدينة إدلب يشيد بحكومة الإنقاذ ويرى أن الهدف منها هو تشكيل حكومة على الأرض لا في الخارج، ويرى أنها ستستمر بشرط تمكنها من حل المشاكل والتخفيف عن الأهالي.

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*