في جسر الشغور نساء لم تمنعهن الحرب من العمل

زيتون – ياسمين جاني
غالباً ما تتخذ المرأة من أسرتها، الهدف الأول، والعمل الأهم في حياتها، والذي تليه الأعمال الأخرى، بالإضافة إلى كونها العامل الأبرز في نجاحها، والدليل الأكبر عليه، إلا أن الأسرة تكون في بعض الأحيان، عائقاً لا عاملاً مساعداً للمرأة، لا سيما في ظل تمسك بعض العائلات ببعض العادات الاجتماعية البالية، التي تجعل العمل والنجاح خارج المنزل حكراً على الرجل، كما هو الحال لدى “سهام”، من نساء مدينة جسر الشغور، والتي كانت تعمل قبل طلاقها مستخدمة في مركز صحي، ولكن والدها وإخوتها منعوها من متابعة عملها بعد طلاقها، واضطرت للرضوخ لقراراتهم الأحادية الجانب، على الرغم من أنها تخص حياتها هي.


ولم تقف معوقات عمل المرأة عند حدّ العادات الاجتماعية والتقاليد، ففي ظل الأوضاع التي تعيشها سوريا، والفلتان الأمني الذي تعيشه محافظة إدلب منذ عدة سنوات، كان الأطفال في كثير من الأحيان، عائقاً أمام عمل الأم، نتيجةً لخوفها عليهم من القصف أو الخطف أو ما إلى ذلك، وعدم قدرتها على تركهم، فأطفال “هيام” الستة، لم يتركوا لها متّسعاً من الوقت لممارسة عملها في مجال المحاسبة، على الرغم من تلقيها عدة عروض للعمل لدى منظمات ومؤسسات براتب مغري نظراً لكونها خريجة معهد العلوم المصرفية، وأعطت هيام الأولوية لحياتها العائلية على العمل، وآثرت تربية أطفالها، وعدم تركهم لاحتمالاتٍ قد تؤدي إلى نتائج لا تُحمد عُقباها، كما جرى مع ابنة مدينتها “عبير”، وهي سيدة من مدينة جسر الشغور، رفضت الخضوع للظروف والأوضاع السائدة في مدينتها، وواصلت عملها في أحد المعاهد الترفيهية للأطفال، إلا أنها فقدت بناتها الأربع في إحدى الغارات الجوية الروسية على مدينتها، والتي تسببت بدمار منزلها فوق رؤوس بناتها، وذلك أثناء تواجدها في عملها.
ما أحسّت به عبير في ذلك الوقت، لا يُمكن وصفه، ولا تُحسد عليه، فقد حمّلت عبير نفسها مسؤولية ما جرى لبناتها، ولامت نفسها على تركهن بمفردهن، وانطوت على نفسها، واعتزلت عملها لفترة، قبل أن توقن بأن الحياة لا بد أن تستمر بحلوها ومرّها، وربيعها وخريفها، وتعود للعمل بعد أن أدركت أهمية عملها، وما يترك في نفوس الأطفال من راحة وسعادة، معتبرةً أن عملها مع الأطفال واجب عليها، وأن كل طفل تستطيع إسعاده، وكل طفل تتمكن من رسم البسمة على شفاهه هو طفلها، على حدّ تعبيرها.
كما شهدت مدينة جسر الشغور ظهور الكثير من النماذج لنساء ناجحات في مجال عملهن، فهناك نساء تحدين الواقع الأمني والاجتماعي، ووقفن في وجه جميع الصعوبات لإثبات أنفسهن في المجتمع، وتأدية دورهن فيه، ومنهن “فائقة عبد العال”، وهي من أولى النساء العاملات والناشطات في مدينة جسر الشغور في ظل الثورة وقبلها. 

بدأت فائقة العمل في مجال رياض الأطفال قبل نحو عشر سنوات، ووجدت التعامل مع الأطفال شيئاً رائعاً، كونهم يمتلكون قلوباً بيضاء، وعقولاً نظيفة، واستطاعت أن تزرع فيهم حب العلم، وجعله هدفاً لهم ومتعة، لا واجباً مفروضاً عليهم، ومع بداية تحرير مدينتها، انتقلت فائقة لتعليم الأطفال القراءة والكتابة، وتحفيظهم القرآن في عدد من مساجد المدينة، وذلك نظراً لتوقف المدارس، وقلة عدد السكان آنذاك، وعدم وجود بيئة مناسبة للقيام بأي نشاط لهم داخل المدينة إلا المساجد، وحوصرت مع الأطفال في تلك المساجد مرات عديدة نتيجة الغارات التي كانت تستهدف المدينة بشكل شبه يومي، دون أن يثنيها ذلك عن متابعة عملها، والعمل لتحقيق هدفها.
بل على العكس من ذلك، فقد اشتركت فائقة في عدة مسابقات للعلوم الشرعية في جمعية الشباب المسلم، وحصلت على المرتبة الأولى أكثر من مرة، وتابعت دراستها في جامعة إدلب الحرة قسم اللغة العربية، وتخرجت منها قبل سنة تقريباً.
وعن التوفيق بين عملها ومنزلها وأهمية العمل بالنسبة لها، قالت فائقة لزيتون: “يجب على المرأة أن توازن بين عملها خارج المنزل وبين أسرتها، وذلك من خلال تنظيم الوقت، فالهدف الاول بالنسبة لي هو الأسرة وتنظيم أمور المنزل وتربية أولادي، والقيام بواجباتي تجاه زوجي، لأن نجاح المرأة في منزلها يعكس نجاحها خارجه”. 
وأضافت فائقة: “تكمن أهمية العمل للمرأة في كونها تستطيع أن تثبت من خلاله وجودها أمام نفسها أولاً، ومن ثم أمام أسرتها ومجتمعها، والناجح في الحياة سواءاً أكان رجلاً أم امرأة هو من كان لديه هدف واضح، وعمل من أجله”.

كما استغلت بعض نساء مدينة جسر الشغور، فترة الهدوء التي سادت المدينة خلال الشهرين الأخيرين، لتقوم بنشاطات لم تشهدها المدينة سابقاً، في محاولةٍ منهن للفت الانتباه لوجود المرأة، وقدرتها على التأثير في المجتمع، حيث أقامت الفنانتان التشكيليتان “ختام جاني” و “فاطمة زيدان”، معرضاً للفنون التشكيلية في مدينة جسر الشغور، حمل عنوان “تحية إلى العاصي”، تضمن لوحات فحم ولوحات زيتية وفسيفسائية، جسدت الواقع الذي تعيشه سوريا حالياً، بالإضافة إلى بعض المواقع الأثرية في سوريا. 

ولاقى المعرض إقبالا إعلاميا واجتماعيا واسعا، كما حظي بتأييدٍ من قبل أهالي المدينة، الذين رأوا فيه تحدٍّ من المرأة لأجواء الحرب والدمار، وأملًا بتحسن الواقع، وإثبات لجدارة المرأة بالمشاركة في بناء المجتمع والتأثير فيه.
الفنانة التشكيلية “ختام جاني” قالت لزيتون: “هذا المعرض هو بمثابة تحدي من قبل السوريين بشكل عام والمرأة بشكل خاص، للحرب والظروف، فبالرغم منها لا تزال هناك قدرة لديهم على الإبداع، وما يزالون قادرين على تصوير الحياة والجمال، وما يزال لديهم الأمل بأن تنهض سوريا من جديد”.
كذلك أصرت بعض نسوة المدينة على العمل للنهوض بواقع المرأة والطفل في جسر الشغور، ورفع المستوى الثقافي والاجتماعي لها، من خلال نشاطات متنوعة، توعوية وتنموية، وتشكيل تجمعات نسائية تطوعية لتشرف على هذه النشاطات، ومن أبرزها “معهد نماء التطوعي” الخاص بالدعم النفسي والاجتماعي والتعليمي للأطفال، و “تجمع معاً نحو القمة” الخاص بالنساء والأطفال، والذي تشكل بجهود نسائية فردية بحتة، ودون أي دعم سوى الاشتراكات الشهرية للمتطوعات فيه، ومع ذلك يُقيم التجمع نشاطات تثقيفية وتعليمية وأشغال يدوية، ودورات للنساء في الخياطة والتمريض وغيرها، من أجل النهوض بالمرأة وزيادة وعيها.
ولا شك أن مثل هذه النشاطات والمحاولات، تتطلب تحدياً كبيراً، وجرأة في مواجهة العواقب التي من الممكن حدوثها، ولا سيما القصف، فرغم الهدنة والهدوء إلا أن من الممكن في أية لحظة أن تتعرض المدينة لقصف من الطيران أو من المعسكرات التابعة للنظام القريبة من المدينة، وهو ما يبعد المنظمات المختصة بشؤون المرأة، ويجعلها مترددة في الاقدام على أي مشاريع أو نشاطات، على العكس من سيدات جسر الشغور، اللواتي تمتعن بالجرأة والشجاعة والقدرة على مجابهة الصعوبات والعقبات.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*