باريس.. جنّتي الثانية بعد دمشق

زيتون – وعد البلخي

مَنْ منّا لم يحلم أو يخطر في باله مرة أن يزور باريس، عاصمة الموضة والأناقة والثقافة، ويصعد إلى أعلى برج إيفل، الذي جمع ما بين جمال التصميم، وتاريخية المعلم، وبقي لأكثر من 40 عاماً البرج الأعلى في العالم.

من إحدى الضواحي الباريسية، حيث الأبنية المعاصرة، إلى جانب الحجارة السوداء القديمة، التي رُصفت بها الأزقة، والتي تشبه تماماً أزقة دمشق القديمة، ما يزيد من جمالها جمالا في عيني.

وحيث اللون الأخضر، الذي يعطي النفس راحة وسكوناً وسلاماً لا مثيل لها، يطغى على معظم المساحات، لا أستطيع إلا أن أرى الجمال، لا سيما أن أرواح الأشخاص هنا جميلة، وتمكنت بجمالها أن تتغلب على صعوبة الغربة، والبيئة الجديدة، والوحدة، بالإضافة إلى معضلة اللغة التي لا أتقنها.

فأينما سرت تجد من يبتسم في وجهك، ويُلقي عليك التحية، سواء باللغة العربية أو الفرنسية، ولا سيما من أهالي إقليم المغرب العربي، الذين يتمتعون بالنخوة والشهامة العربية، ويحافظون على الكثير من عاداتهم وتقاليدهم، وعلى زيارة بلدانهم كل صيف، وعلى بساطتهم ولهجتهم العربية، إلا أنهم يحتاجون لمترجم من لهجتهم إلى اللغة العربية، ولكنهم يشعرونك بأن لديك أهل وعائلة.

وبسبب سعة المساحات الخضراء والحدائق هائلة الحجم يخيل إليك أنك في الريف لا في إحدى ضواحي باريس، إذ تطل شرفتي على مدرسة ابتدائية تحيط بها حديقة قديمة، تتكدس فيها أوراق الشجر اليابس في طرقاتها الطويلة الهادئة، ورق بألوان مختلفة تميل باتجاه الأصفر والبرتقالي، أصوات الطيور توقظك فجرا لتبدأ معك علاقة يومية نتيجة لتكرار الحركات ذاتها.

ومن على شرفة منزلي أتمعن في طلاب المدرسة، وكيف يلعبون ويتلقون الدروس والنشاطات، وكيف يتم الإشراف عليهم في أوقات الفرصة في أيام الدوام، وفي الصباح والمساء أتأمل بالسماء الصافية وزرقتها، وبالهدوء الذي يعم المكان على الرغم من كثرة الناس في الحديقة، وأشعر لوهلة أنني على شواطئ طرطوس واللاذقية، لا أعلم لماذا توحي لي الأجواء المحيطة بي بهذا الشعور، الذي يُدخل السعادة والحزن معاً إلى قلبي.

وعلى مسافة ليست بالبعيدة يجري نهر السين، أحد أطول أنهار أوروبا، لتجاوره حديقة ثانية وثالثة، ولكأن باريس مجموعة من الحدائق المتصلة، التي قلّما تخلو إحداها من المياه وألعاب الأطفال المقسّمة بحسب العمر، بالإضافة إلى الألعاب والأجهزة الرياضية للكبار، فالغالبية العظمى من السكان تمارس الرياضة، كلّ وفق الوقت المناسب له وطبيعة حياته وعمله.

غير أنك تعيش الفصول الأربعة كاملةً في يوم واحد، والمعطف صديقك في تنقلاتك طيلة العام، ولا سيما البعيدة منها، فدونما سابق إنذار تنهمر عليك الأمطار من السماء سيولاً مع زوابع من الرياح الباردة، ولا فرق إن كان الفصل أساساً صيفاً أما شتاء، أما الشمس فإن سطعت أحرقت من شدة لهيبها وقربها من الأرض، وإن احتجبت جمّدت ما على الأرض طيلة النهار، طقس لم نعتده في سوريا أبداً، إلا أننا بدأنا نتأقلم معه.

في سوريا والبلدان العربية، كنا نسمع بمصطلح عصر السرعة والتكنولوجيا، وكنا نظن أننا متأخرين عن هذا العصر، إلا أن ما اتضح هو أننا نحن فقط من كان يعيشه ويهذي به، ونحن من يؤرقه ويضج مضجعه البطء، نعم التقنية موجودة في الدوائر الرسمية، ولكنها للتوثيق فقط، ولا تغني إطلاقاً في أي حال عن الملفات الورقية، والرسائل النصية، على الرغم من وجود كافة البيانات لدى كافة الدوائر، إلا أنك مضطر لتعبئة الأوراق كل أسبوع، وأحياناً تكون ذات المعلومات المطلوبة فيها، أما النتيجة فعليك أن تنتظر شهوراً لا يعلم بها إلا الله، والقليل من الفرنسيين من يستخدم الفيس بوك ووسائل التواصل الاجتماعي، باستثناء الواتس آب.

كما أن الكسل لا يجد مكاناً له في فرنسا، فمن عمل إلى رياضة إلى تسيير أوراق وإجراءات، إلى حضور نشاطات، ينتهي اليوم، وأما وسيلة النقل لديهم فهي أقدامهم بالدرجة الأولى، تليها الدراجات الهوائية، ثم الحافلات أو “الميترو” للأماكن البعيدة داخل المدن، والقطارات لخارجها، أما بالنسبة لسيارات الأجرة فهي للرفاهية فقط، وأظن أن السيّاح هم فقط من يستقلّونها، وبالنسبة لرخصة القيادة فكما يُقال “لا يحصل عليها إلا كل طويل عمر”، وبعد عناءٍ كبير، وامتحانات عديدة.

وفي شهري تموز وآب تكون الحياة في فرنسا شبه متوقفة، الدوائر الرسمية والمشافي والعيادات، لا تجد فيها سوى بضعة موظفين، وكافة النشاطات التعليمية والرياضية وغيرها متوقفة، عدا الترفيهية، فهذه الفترة هي فتر الإجازة السنوية، التي لا يُفوّتها فرنسي أو أجنبي، دون أن يستغلها، فمنهم من يذهب للسياحة، ومنهم من يفضل زيارة عائلته وبلده الأصلي.

وتحوي باريس الكثير الكثير من الجنسيات والأعراق والديانات، ويسود الاحترام والبساطة بين الجميع، ومن الممكن في أي لحظة أن يحادثك أحدهم في الطريق أو في مكان عام حول أمر ما، وغالباً ما يكون فرنسي الأصل إن لم يكن عربياً، فهم الأكثر طيبةً وتعاوناً، كما أنك لا تغادر حافلةً أو مكاناً أو تترك أحداً دون أن يتمنى لك الموجودون يوماً سعيداً، أو ليلةً سعيدة، أو يتمنى لك التوفيق، وللسوريين حسب ما فهمت وضع خاص من حيث الخدمات الاجتماعية والتسهيلات وما إلى ذلك، ولكن بالتأكيد يبقى وضع كل عائلة هو ما يحدد بشكل أكبر طبيعة التسهيلات وأنواعها، فالأولوية للأطفال والعجزة والمرضى من كل الجنسيات.

ما زلت أجهل الكثير الكثير من القوانين الفرنسية، لكنني سعيدة بالحياة في فرنسا، وأشعر بالرضا التام والقناعة المطلقة عن اختياري لها، وقبولها لطلبي.

فالجمال هو ما تشعر به نفسك، وليس بالضرورة ما تراه عيناك، فعندما ترتاح النفس لأمر أو مكان ما، تراه جميلاً حتى ولو لم يكن كذلك، والعكس عندما تنفره، وكما نتجاهل أو نتغاضى عن سلبيات من نحبهم، نتجاهلها في الأماكن التي نرتاح فيها، وننظر فقط إلى إيجابياتها وجمالها.

ولكن كيف يكون الحال عندما يجمع هذا المكان ما بين الراحة النفسية تجاهه، وبين الجمال الذي يفرض نفسه على أعيننا!، وتكون إيجابياته أكثر من سلبياته.

لا بد أن أشعر حينها أنني فيما يشبه الجنة، جنتي الثانية، لأن الأولى دون منازع، ستبقى دمشق!.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*