ليس مجرد غطاء للرأس.. “الإيشاب السراقبي” هوية

زيتون – أحمد فرج

على تخوم منطقتين متمايزتين، ما بين الريف الشرقي الذي يميل إلى الحياة البدوية، والريف الغربي ذو الصبغة القروية، في منطقة سهلية وزراعية خصبة، مكنت ساكنيها من الاستقرار وتطوير حياتهم بخطوات سريعة، نشأت مدينة سراقب على تقاطع طرق تجارية مهمة ما بين دمشق وحلب، وما بينهما وبين الساحل السوري.
ولخصوصية موقعها كان لنسائها لباس مميز عن سائر المناطق التي حولها، تجلت فيما يضعنه من غطاء على الرأس بشكل أساسي، وما يلبسنه من زي لافت يسمى “القندورة”، وهما علامتين فارقتين لنسائها دون نساء سوريا. 
“الإيشارب السراقبي”
بطريقة مميزة تضع النساء في منطقة سراقب الإيشارب على رؤوسهن، إذ لا يستعملن الدبوس في إحكامه أسفل الذقن، بل يلففنه بشكل يضمن راحتهن وتتدلى أطرافه على صدورهن، كما لا يتشددن بتغطية الشعر بشكل كبير، بل يتركنه ليبدو بعضا منه في أعلى الرأس.
يسمونه باللهجة المحلية “إيشاب” مع اختصار حرف الراء لسهولة اللفظ، له نوع مفضل لدى نساء المنطقة، هو النوع الياباني “التيوبو”، يتسابقن لاقتنائه وقد يصل بهن الأمر لتسجيل دور لدى البائع الوحيد في المنطقة.
يهتممن بألوانه الهادئة لكن الأهم هو نوعيته اليابانية، ذات الملمس الشمعي والخفيف لدرجة الشفافية، والمريح على الرأس، لا سيما عند عقدة الرقبة، حيث لا يعيق حركة الرأس.
تعرض هذا الغطاء لانقطاعات عدة بدأت منذ عشرين عاماً، عانت خلالها النساء من ندرته وعدم توفره، حتى أصبح توفره في مكان ما إلى خبر سريع الانتشار تتناقله النساء المقربات من بعضهن.
“عمار جرود” الوكيل الحصري للإيشارب السراقبي من النوع الياباني تحدث لزيتون عن بداية انتشار تجارة هذا الإيشارب وميزاته وأنواعه قائلاً: 
“ورثت المصلحة عن والدي الحاج مصطفى الجرود، وتابعت بها منذ عام 1986، ومنذ ثلاثين عاماً وأنا أعمل بهذا الصنف من التجارة، وتطورنا في تلبية حاجات السوق، وما ترغب به النساء في المدينة، من خفيف ومتوسط، وبالألوان المرغوبة “.
وأضاف “جرود”: “وصل هذا الإيشارب إلى مدينة سراقب في عام 1970، من عمان وبيروت، وكانت نساء سراقب يلبسن في ذلك الوقت (الحطاطة)، هي قطعة من الحرير الأسود مطرزة بخيط القصب أو الذهب وتلف على الرأس كعمارة، فتم استعماله من الفتيات الشابات، ليبدأ رواجه في صفوف نساء المدينة تدريجياً، حتى تم ارتداؤه من قبلهن جميعا، ثم لينتشر في ريف المدينة بعدها، وتم التخلي عن ارتداء الحطاطة بشكل كامل، نتيجة لميزات الإيشارب من خفة وراحة”. 
ولتوفير الوسطاء التجاريين تمكن “الجرود” من التواصل مع الشركة اليابانية المصنعة “تاتركس” بشكل مباشر، وتم الاتفاق على استيراده لهذا الصنف وبألوان محددة، ورغم اقتراحهم عليه أصنافاً جديدة، إلا أنه تمسك بالصنف القديم وألوانه، ومنذ ذلك الحين ما يزال الجرود يستورد الإيشارب السراقبي من اليابان.
ويتابع “جرود”: “مكنني هذا الصنف من الإيشاربات من النجاح والانتشار، واستطعت خدمة أهلي ومنطقتي حين وفرته في المدينة بدلا من جلبه من بيروت وعمان والسعودية”.
وعن فترات ندرة الإيشاربات يوضح الجرود: “يمر الإيشارب بفترات انقطاع بسبب استيراده من اليابان، والذي يستغرق الكثير من الوقت حتى يتم تصنيع خيوطه وإعداد الألوان وتحضيرها فضلاً عن شحنه ما يؤدي الى انقطاعه لبضعة أشهر ريثما يصل”.
ويتميز الإيشارب الياباني عن باقي الصناعات بملمسه وبريقه، وجودة صناعته التي تسمح باستعماله لسنوات طويلة تصل حتى 15 سنة، بالإضافة لشكله المربع، بمقاسه الشهير 115 سنتيمتراً، ولا يمكن أن يزيد أو أن ينقص عن ذلك، وهناك ثلاث أنواع للإيشارب الياباني، وهي الخفيف والوسط والثقيل، بحسب الجرود، والذي أضاف: 
“أينما حلّت المرأة السراقبية تتميز عن بقية النساء نتيجةً لارتدائها هذا الإيشارب، والذي بات هوية ورمزاً لها، دوناً عن بقية نساء المحافظة، فهو حكر على نساء سراقب وريفها، في حين لا ترتديه نساء المدن والبلدات القريبة منها كإدلب المدينة ومعرة النعمان وسرمين وبنش”.

النساء السراقبيات لا يتنازلن عن ألوانهن المفضلة لغطاء رأسهن، وهي ألوان قليلة ذوات تدرجات كثيرة كالسماوي والبيج والكبابي وهو لون محبب بشدة ذا درجة لونية ما بين البيج والزهري، واللون السمني، وهي تسميات أطلقتها النساء للتدليل على بعض التدرجات التي لا يمكن أن تسمى، ولكن أسماء الألوان تختلف ما بين مدينة سراقب وريفها، فاللون الفضي في فيها يسمى لون بلوري في بلدة كفر عميم مثلا، وتلاقي هذه التسميات انتشارا وتبنياً لها بين أوساط النساء، بحسب “جرود”.
وفي تطور طبيعي اختلفت الألوان المطلوبة ما بين الماضي والحاضر، ففي السابق كان اللون العفني وهو أقرب إلى اللون الأخضر، والبيج الغامق، والجبسي والمشمشي والكموني والليلكي هما الألوان المحببة، أما اليوم وفي السنوات الأخير تغير مزاج النساء بألوانهن، إذ اتجهن للألوان الأكثر فتاحة كالبيج والرمادي والزهري ومشتقاتهما.
وعلى الرغم من انتشار “الشال” الواسع، ذو الحجم الكبير في أوساط الفتيات، اللواتي رأين في الشال أكثر تناسباً مع الحياة الجامعية، ومع التوجه للمدارس الإعدادية والثانوية، إلا أن الإيشارب السراقبي لم يتراجع استعماله أمام الشال أو أي نوع آخر من أغطية الرأس التي انتشرت على مدى السنوات الطويلة السابقة، وما يزال حتى اليوم هوية نساء سراقب وعلامتهن المميزة.
قد يراه البعض أنه مجرد غطاء للرأس، لكنه لدى النساء في تلك المنطقة رفيق دائم، وحاجة أساسية لا يمكن الاستغناء عنها، هو من أولى ما تشتريه قبيل عرسها، وما توضبه قبيل سفرها، وأول ما ترتديه في صباحها، وآخر ما تنزعه قبيل نومها.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*