تجارة الكمون.. خطورة وفرص ربح متاحة

زيتون – محمد المحمود

رغم مرارته البسيطة، إلا أنه ذو خصائص طبية وصناعية عالية، دفعت به إلى أن يكون محصولاً تجارياً له أسواق عالمية تتداول أسعاره بشكل يومي، كما له سوق محلي وصل في الكثير من المناطق السورية إلى التأثير في حياة الأهالي الذين شاركوا بجرأة في هذه التجارة.

زراعة الكمون في سوريا زراعة قديمة، لكنها اقتصرت قبل عام 1988 على مساحات وكميات صغيرة، بهدف الاستهلاك المحلي، لكنها بدأت بالتوسع بعد ذلك، وكانت بدايتها في مدن حمص وحماه وإدلب، لتشهد ازدهاراً وتوسعاً كبيراً عام 2000، ولا سيما بعد دخول منطقة الجزيرة السورية في زراعتها عام 2005.

وبدأت تجارته بشكل حقيقي في سوريا عام 1990، أي مع بداية انتشار زراعته وتوفره بكميات كبيرة في سوريا، ووجود مكاتب ونشاط أهلي ساعد على ترسيخ هذه التجارة، ساهم ذلك النشاط بجعل سوريا من الدول ذات المستوى المهم في زراعة وتجارة الكمون.

وترافقت تجارة الكمون بشكل طردي مع ازياد نسبة محصول الكمون المنتج، إذ تطور من تجارة بسيطة تباع للاستهلاك المنزلي، إلى تجارة كبرى انضمت لسوق الكمون العالمي، الذي تسيطر عليه الهند، نتيجة لإنتاجها لكميات كبيرة منه، وتفاوت إنتاجها هو ما يدفع بأسعار الكمون إلى ذلك التذبذب والتفاوت، فضلاً عن حاجة السوق العالمية من الطلب.

وتتحكم الظروف المناخية ونسبة هطول الأمطار والطقس بنجاح محاصيل الكمون في سوريا وفشلها، وهو سبب الوحيد لاختلاف المحاصيل من عام لآخر، لا سيما الزراعات البعلية المعتمدة على مياه الأمطار، في حين تخف الأضرار في الزراعات المروية.

طفرة في زراعته

بعد وصول زراعة الكمون إلى منطقة الجزيرة السورية، التي كانت تعتمد على زراعة الشعير والعدس، بشكل تقليدي بإنتاج بسيطة ومردود مالي ضعيف، شهدت زراعة الكمون تطوراً كبيراً نتيجة لنجاح تلك الزراعة في أرض خام لم تزرع به في السابق، وهو أحد شروط نجاح زراعته، ما عاد على المزارعين بفوائد ربحية كبيرة، وصلت إلى انتاج 2 طن من محصول الكمون لكل هكتار واحد من الأرض، وهو محصول وفير إذا ما أخذنا بالحسبان أن سعر الطن من الكمون حاليا يصل إلى (3000) دولار أمريكي.

هذه الطفرة في انتاج محصول الكمون انعكست بشكل إيجابي على حياة المزارعين وعلى تجارة الكمون أيضاً، ومكنت منطقة الجزيرة من انتاج عدة محاصيل ضخمة، بسبب تربتها البكر في زراعة الكمون، وهو ما كانت تعاني منه مناطق أخرى دأبت على زراعته بشكل دوري ما قلل إنتاجها ومحاصيلها.

ويُقَيم الكمون بحسب لونه وحجمه والزيوت العطرية الموجودة فيه، إذ تشتهر مدينة عين العرب في ريف حلب بجودة لون الكمون المنتج فيها، والمناسب للموائد والطعام، كما تشتهر بكبر حجم الحبة، أما منطقة حمص فيتميز كمونها بجودة الزيوت العطرية، ما أكسبه تسمية خاصة بـ “الكمون الحمصي”.

كما انتشرت زراعته في منطقة “المطخ” شرقي محافظة إدلب، حتى بلغت البادية السورية، والجزيرة السورية وحمص وحماه وحلب وإدلب، وذكر موقع “دليلك نيوز” في تقرير له، إن مدينة حلب تحوز على نسبة 54% من نسبة المساحات المزروعة بالكمون، تليها محافظة إدلب بـ 23% من المساحات على مستوى سوريا.

مكاتب التجارة

وتطلبت تجارة الكمون وجود مكاتب لتجارة الكمون، فيها يلتقي أصحاب المحاصيل مع التجار، والتجار المحليين مع التجار الأكبر، فيما يشبه ملتقى للتجارة اليومية، يتم فيها صفقات البيع والشراء التي تنشط خلال تقلبات سوق الكمون الغير مستقر، كما يراقب من خلالها أسعار الكمون العالمية لاقتناص فرص الربح.

“أبو العاس” صاحب مكتب لتجارة الكمون قال لزيتون: “هناك نوعين لتجار الكمون، التاجر المحترف والذي يقوم بالبيع والشراء بشكل يومي ممتهناً التجارة كعمل دائم، وهناك التاجر الذي يقوم بشراء الكمون في أوقات انخفاض سعره ليخزنه إلى أوقات غلائه وهو ما يسمونه “الخزين”، هذه الشريحة من التجار في معظمها هم من الأهالي والمزارعين الذين يقومون بصفقات تجارية صغيرة ومتوسطة كعمل رديف يعزز دخلهم المادي، دون أن يمتهنوا التجارة كعمل”.

ويرتاد التجار أثناء النهار أسواق الكمون ومكاتبه، ويقومون بعقد الصفقات في تلك المكاتب دون تدخل أو نسبة للمكتب، إلا في حال شارك في الصفقة، كما تتحول تلك المكاتب إلى مكان للسهر والتسلية والعمل في ذات الوقت أثناء الليل.

ويضيف أبو العباس أن تجارة الكمون أنشأت أوساطاً اجتماعية وعلاقات وثيقة بين التجار، ربطت بينهم خارج أوقات العمل والمصلحة، كالخروج في رحلات معاً وتمضية العطلات، الأمر الذي زاد من تماسك هذه الأسواق وعزز ثقة العاملين فيها.

تاجر الكمون في ريف إدلب “محمد القاسم” قال لزيتون: “تعتمد تجارة الكمون على وفرة الإنتاج الموسمي، وتشهد رواجاً في سنوات الخصب، وتتراجع في المواسم السيئة، وقد أصبحت في السنوات العشر الأخيرة مصدراً لكسب الرزق للكثير من الأهالي”.

وكغيرها من التجارات تتكأ تجارة الكمون بالدرجة الأولى على الثقة بين التجار، وقد شهدت هذه التجارة تطوراً كبيراً نتيجة لسرعة المعاملات التجارية المعتمدة على الثقة وتجاوز الشكليات التجارية، ساعدت تلك الحيوية على سرعة نمو السوق ودخول مبالغ ضخمة متداولة فيه.

ويضيف “القاسم”: “معظم التجار يقومون بالبيع والشراء عبر الهاتف، وكلمة التاجر هي عقد مبرم لا يمكن أن يتراجع عنها مهما كلفته من خسارة، كما يمكن لهذه الموثوقية أن تساعد التجار الصغار على تخطي الكثير من مشاكل التمويل وضعف السيولة لديهم”.

تجارة خطرة

وفي خضم هذه المضاربات، تطورت تجارة الكمون لتشهد نوعاً جديداً من التجارة، يعتمد على الفوائد الربوية المادية من البيع المؤجل، شأن المقرضين والبنوك، وهو ما يسمى بين التجار بيع “السلم” و”المؤجل”، وهي طريقة في القروض تحاول ضمان سلامة الفوائد الربوية شرعياً.

كما ساعدت هذه التجارة الكثير من التجار الصغار، والمزارعين، والمزارعين التجار، قوضت أوضاع الكثير منهم نتيجة لحدة تقلباتها، ويرى القاسم أن أغلب التجار الذين أفلسوا واضطروا إلى بيع أملاكهم وبيوتهم أحياناً كان نتيجة المقامرة التي قاموا بها في التجارة، وخصوصاً ما تم من تداولات اعتمدت على الربا والبيع المؤجل، في تفاؤل منهم حول مستقبل الأسعار التي لا يعلم بها أحد.

من جانب أخر لم يرحم السوق أصحاب الخبرة الضعيفة، ما عرضهم إلى صفقات تجارية غير عادلة، وأسقطهم من السوق، نتيجة لشطارة وخبرة الأخرين، إذ تتطلب هذه التجارة ذكاءً ومتابعة، وهي مهنة يصفها أغلب التجار بالخطرة، والمتعبة والقلقة، فتاجر الكمون لا ينام بحسب وصفهم، ولا سيما في فترات المواسم، حيث تتم الكثير من الصفقات بساعات متأخرة من الليل عبر الهاتف، بغاية استغلال فرصة الموسم بتحقيق أكبر قدر من الربح لهم.

النكسات التي تعرض لها سوق الكمون أودت بصحة الكثيرين من تجاره، يذكر القاسم كيف أن الكثير من التجار توجهوا في إحدى فترات هبوط الأسعار الحاد، لمراجعة أطباء القلبية الذين ألفوا مراجعة تجار الكمون لهم جراء القلق والضغط من عملهم.

الغرابيل

في بداية زراعة الكمون لجأ المزارعين والتجار إلى تصدير محاصيلهم دون غربلة إلى تركيا، التي كانت تقوم بمهمة غربلة المحصول، لكن ومع انتشار الزراعة بشكل كبير، قامت الكثير من الغرابيل في المراكز الزراعية، كانت منطقة معرة النعمان السباقة في إنشائها، كالغدفة، التي قلدت الغرابيل التركية بصناعة حلبية لتلبي حاجات المزارعين والتجار، والغربلة عملية تهدف بتخليص الكمون من الشوائب والأتربة منه، ولجعله ذو مواصفات دولية قابلا للتصدير أو للتداول التجاري، وانتشرت الكثير من الغرابيل في محافظات إدلب وحلب وحماه، ساعدت على رواج تلك التجارة وتوفير فرص عمل للكثير من الشباب.

وللغرابيل نوعين يقسمان حسب الجهة التي ترتادها فالغرابيل الزراعية تقتصر في عملها على المواسم والمزارعين، وينتهي عملها مع انتهاء الموسم، بينما تبقى الغرابيل التجارية التي غالباً ما يكون مالكها من التجار، إلى العمل طوال العام، وذلك لحاجة التجار إلى عملية الغربلة بشكل دائم وعقب كل عملية شراء يقومون بها.

وتقوم تلك الغرابيل بغربلة أغلب محاصيل المنطقة المختلفة من عدس وحبة البركة وغيرها، ولا تقتصر على الكمون فقط، لتوحد مواصفاتها وكمياتها المبأة في أكياس متفق على شروطها دوليةً.

ويتداول التجار مادة الكمون كنوع معروف يسمى “زيرو”، وهو خاضع لشروط النظافة من الشوائب بحيث لا تتعدى نسبة الشوائب فيه أكثر من 2% منه، ما يساعد على تبادله كنوع ذو مواصفات متفق عليها. كما يقوم الكثير من المزارعين ببيع محاصيلهم أحيانا كما هي، دون خضوعها للغربلة.

هزات وحوادث

ضربة موجة من الصقيع مناطق سوريا في 25 نيسان من عام 2008، أدت إلى عطب واحتراق معظم محاصيل الكمون فيها، سبق ذلك كثافة كبيرة في زراعة الكمون من جانب المزارعين لمساحات كبيرة، اضطروا خلالها لبيع جزء من المحصول بشكل مؤجل لتمويل زراعتهم، وكان التمويل عن طريق التجار المحليين، الذين اشتروا ذلك المحصول قبل حصاده، وبدورهم قاموا ببيعه إلى التجار المصدرين كذلك، ونتيجة للعملية كلها عقد التجار عقود تصدير مع الشركات الأوروبية لتصدير كميات كبيرة، وحين ضربت موجة الصقيع المحصول بشكل كبير، وقع الجميع في مشاكل كبرى، بقيت آثارها فترة طويلة.

وكباقي التجارات تتأثر تجارة الكمون بالتغيرات السياسية والأمنية في البلاد، فيذكر بعض التجار كيف انهار سعر الكمون بعد موت حافظ الأسد بنسبة كبيرة، كما تأثرت التجارة بشكل عام في سنوات الثورة الأولى جراء العمليات العسكرية والفوضى.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*