إدلب على بوابة العام الجديد وأبواب لجبهات جديدة

زيتون 
ربما شهد العام الماضي فترات من الهدوء لم تشهدها باقي سنوات الثورة، بعد هدن أبرمت برعاية دولية، كشفت حجم ارتهان الأطراف المتصارعة للدول المتحكمة في الحرب السورية، ورغم هذا الهدوء المؤقت إلا أن المحافظة التي باتت شبه وحيدة في المناطق المحررة، وقعت بين سندان هيئة تحرير الشام ومطرقة النظام، في معادلة حيرت الأهالي.


هيئة تحرير الشام أنجزت خلال العام الماضي تصفية أكبر الفصائل المناوئة لها، وتمكنت من دحر حركة أحرار الشام وإقصائها إن لم يكن تفكيكها عملياً، لتنزوي الحركة في مناطق ضيقة في ريف حماة الغربي.
وجاءت انتكاسة الحركة مفاجئة للجميع، ولا سيما بعد سنوات طويلة من التنظيم والتمويل الجيد، لتنحل بأقل من أيام قليلة على يد من وقفت الحركة متفرجة عليهم وهم يعتدون على باقي فصائل المعارضة دون أن تتدخل.
يُرجع الكثير من المراقبين أسباب هزيمة حركة أحرار الشام لأسباب عدة، منها ترهل الحركة والفراغ الحاصل في أيديولوجية الحركة بعد تغييرات أجرتها قيادتها، كاعتماد القانون العربي الموحد، ورفع علم الثورة بعد محاربته، وابتعادها بشكل ما عن الصبغة الإسلامية التي بنيت عليها، ما أبقى معظم عناصرها ميالين لفكر هيئة تحرير الشام، والذي ساهمت الحركة في نشره على مدى سنوات.
من جهة أخرى فرضت هيئة تحرير الشام سيطرتها الإدارية على كافة المؤسسات الخدمية في إدلب، ولم تستبعد استعمال القوة في الكثير من الحالات، مع ما كسبته من مجرد التلويح بالوعيد، بعدما كانت تستتر بوجود فصائل أكثر اعتدالاً وأكثر إمكانية للحياة، كحركة أحرار الشام التي شكلت غطاءً حقيقياً لها خلال السنوات الماضية، سواء في اعتدائها على فصائل الجيش الحر أو في الانتهاكات الجسيمة ضد الأهالي والثوار، كما ساعدت حركة أحرار الشام على تشويش الصورة لدى الجميع نتيجة لتفاوت واضطراب تشددها، المتذبذب والغير مستقر، وتحولها في فترات طويلة الى مفرخة عناصر للفصائل المتشددة كالنصرة وداعش.

الوقفة الاحتجاجية في إدلب.. تمايز استراتيجي أم تحد عبثي
ولعل إحدى الوقفات الاحتجاجية التي نفذها أهالي مدينة إدلب بتاريخ 31 آب الماضي، هي أبرز ما يمثل الحالة الشعبية في المحافظة، إذ رغم ما شهدته من جرأة وشجاعة من قبل المحتجين على سياسة هيئة تحرير الشام، إلا أن الوقفة لم تتجاوز وقتها، لتنسى في مسلسل اعتداءات الهيئة المتتالية.
قلة المشاركين في الوقفة يذكّر بقلة الأعداد في المظاهرات الأولى للثورة السورية، حين كان الخوف من أجهزة الأمن يدفع ببعض السوريين للابتعاد عن أي حراك سياسي، وهو ما دفع بأهالي إدلب إلى الإحجام عن المشاركة في تلك الوقفة، ترافق ذلك مع خوف من قبل المراسلين الإعلاميين، الذين راقبوا المشهد من بعيد خوفاً من الاعتقال الذي كان قد طال الكثيرين منهم، بالإضافة لجملة من القرارات التي صدرت في هذا الشأن.

ويأتي الموقف اللافت لمجلس مدينة إدلب في تحدي قرارات هيئة تحرير الشام، والمؤثر في معنويات الأهالي ونظرة المجتمع الدولي لهذه المدينة، التي كان من الممكن لها أن تحدد مستقبل ما تبقى من مناطق محررة في الشمال السوري، نظراً لأهميتها الإدارية والبشرية، ولما تضمه من كوادر وثقافة كانت قبل الثورة. 
وجاء هذا الموقف الشجاع الذي تبناه المجلس من شعوره بأحقيته وشرعيته في إدارة مدينته، فضلاً عن إحساسه بالمسؤولية أمام منتخبيه، الذين بلا شك أرضاهم هذا الموقف الجريء، رغم تخوفهم على مصير هذا المجلس وأعضائه من الاعتقال أو الاغتيال.
وتشير سلوكيات هيئة تحرير الشام وجرأتها على المؤسسات والمجالس المنتخبة في إدلب إلى الاستخفاف بشكل فاضح بإرادة الأهالي ورغبتهم في حياة مدنية وديمقراطية، كما تؤكد على احتقارهم للمدنيين العزل، مؤمنة أن السلطة للقوة وللسلاح، وهي بهذا المعنى صاحبة الحق في الإدارة، وهو ما تجلى باقتحام قواتها لمؤسسات خدمية بأسلحتها ورشاشاتها الثقيلة.
ومن المهم في طريق الخلاص من الأفكار المتطرفة والمجموعات التي تعتمد في بنائها على القمع والتخويف، أن تتسلم تلك المجموعات السلطة بشكل وحيد، لتتكشف أفكارها عملياً، ولتثبت جدارتها الإدارية، وهو ما بدأت الهيئة بالوقوع فيه، وبإنهاء حركة أحرار الشام اقترب الخلاص من جبهة النصرة أكثر، مع سؤال وجيه واحد، كيف سيتم ذلك الخلاص، وهو ما يحمل تخوِّفاً كبيراً على مصير المدنيين في إدلب، وقلق حقيقي في تحويلها إلى رقة أخرى، ولا سيما في ظل استهتار المجتمع الدولي بحياة المدنيين في المناطق المستهدفة من طيران التحالف الدولي.
إلى ذلك يمكن لموقف المدنيين من نشطاء وثوريين أن يساعد في تقليص فاتورة الدم، من خلال نبذ هيئة تحرير الشام وأشباهها، وعدم السماح لها بالتغلغل في مدنهم، ومهما يكن ثمن هذا الحل، إلا أنه يبقى أٌقل تكلفة مما يمكن أن يكون في حال اتفاق القوى الدولية على استهداف إدلب.
كما لا بد من كشف الهيئات والتجمعات التي تحولت إلى وسيلة بيد النصرة لتمرير مبادرات وسياسات يمكن أن تزيد في تعقيد الحل، ومقاطعتها، والتمسك بشرعية المجالس المنتخبة، وحماية أعضائها، وتحصين الصوت المستقل والشجاع، والعودة إلى الشارع لإظهار الوجه الحقيقي للأهالي وتمايزهم عن النصرة وسواها.

روسيا الضامنة 
لم يمنع اتفاق أستانا أو اتفاق خفض التصعيد، الذي كانت روسيا أحد الضامنين الثلاث له، وشمل محافظة إدلب من مشاركة الطيران الروسي بمعارك ريف إدلب الجنوبي والشرقي، كما لم تمنعها في تشرين الثاني من العام الماضي من ارتكاب واحدة من أكبر المجازر في مدينة الأتارب بريف حلب الغربي، حين استهدفت سوقاً شعبياً بالصواريخ الفراغية الروسية، راح ضحيتها 65 شهيداً موثقين بالاسم، بينهم نحو 20 طفلاً، و 13 عنصراً من الشرطة الحرة، وأكثر من 100 جريح.
وتم الاتفاق في مؤتمر أستانا 6 الذي بدأ أعماله في 14 أيلول 2017، على رسم حدود مناطق خفض التوتر، وخاصة في محافظة إدلب التي كانت محط خلاف في المؤتمرات السابقة في أستانا، وفيه دخلت إدلب حيز تنفيذ الهدنة، وانعقد قبل عدة أيام مؤتمر أستانا 8 الذي انتهت أعماله في 21 كانون الأول، دون أن يناقش المعارك الحالية الدائرة على أطراف محافظة إدلب.
ما فعلته هيئة تحرير الشام سلبها مع مرور الأيام حاضنتها، وبعد أن أضعفت البنية العسكرية للفصائل المتبقية، ومع ما مارسته روسيا من أساليب سياسية، كانت تدعي فيها بأنها طرف ضامن للنظام، وتقوم بذات الوقت بقصف المناطق المدنية، دفع النظام بقواته إلى الجبهات في إدلب، مع تسهيل لدخول داعش إلى بعض المناطق فيها، وهو ما شكل ضغطاً عسكرياً لم تستطع هيئة تحرير الشام تحمله، اضطرها لاستنصار باقي الفصائل، ومنها حركة أحرار الشام، في اتفاقات لم تكتمل أو تعلن، لكنها كشفت هشاشة هيئة تحرير الشام وعدم قدرتها على الدفاع عن جبهات المحافظة.
وما تزال تخوم إدلب الجنوبية والشرقية تشهد معارك كر وفر، تحرز فيها قوات النظام تقدماً واضحاً في بعض القرى كـ “أبو دالي ومحطة القطار وقرية الحمدانية وتل مرق وأبو عمر ومزرعة العفسان” في ريف إدلب الجنوبي.
هذا التقدم الحاصل تحت غطاء جوي كثيف، من الطيران الحربي والمروحي السوري والروسي، طال المدن قبل الجبهات وأسقط العشرات من المدنيين جلهم من الأطفال والنساء.
باتت إدلب اليوم العين التي تقاوم مخرزين، عين على عدو يدعي نصرتها، وعدو استجلب إحدى أكبر القوى في العالم ليقتل شعبه، إدلب الطفل عبد القادر الذي لم يطلق صافرة النهاية للعبته، حين عاجله الطيران بإنهاء حياته قبل أن تنتهي لعبته، حاله حال الكثيرين من أطفال المحافظة.

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*