واقع ومستقبل وسائل الإعلام البديل

خاص زيتون
هل تطور الإعلام البديل بشكل كاف ليحتل موقعه الطبيعي في حياة السوريين بعد سبع سنوات؟، وكيف يرى السوريين إعلامهم الذي نشأ للتصدي لإعلام النظام، ما مدى ثقتهم فيه، وإلى أي مدى يعتمدون عليه؟، أم أن قطاع الإعلام كغيره من قطاعات الثورة التي نالت نصيبها من الفوضى والعمل الارتجالي؟.

العمل من الخارج والعمل في ظل ظروف القصف، ومشاكل التمويل وضعف الخبرات وعدم توفر الكوادر وغيرها، أسباب أخذها السوريون بعين الاعتبار في تقدير وسائل الإعلام البديل خلال السنوات السابقة، لكن ذلك التسامح لم يعد متوفراً اليوم، مع ما تمر به البلاد من تغيرات كبرى، وتغير في التوجه الدولي بشأن التعاطي مع الأزمة السورية، ما وضع الكثير من الوسائل الإعلامية على حافة الانهيار، فيما انهار قسم كبير منها بشكل فعلي.

ويرى الكثيرون أن سبب قصور الإعلام يكمن في ضعف وغياب العمل المؤسساتي، وتفويت فرص تحسين تلك الوسائل من خلال الفرص التي سنحت لها، وأن موت الكثير منها أمر طبيعي متوقع.

كما يعتبر أغلب المهتمين بالشأن الصحفي أن الإعلام البديل قد مر بمراحل مختلفة، ربما نشهد آخر مراحلها الآن، إذ أنها بدأت بمرحلة الفورة والفوضى الإعلامية وفيها انتشرت مئات الوسائل حتى وصل عددها في مرحلة ما إلى 1300 وسيلة، تبعتها مرحلة توقف الدعم عن الكثير من الوسائل، لتقتصر على ما يقارب 250 وسيلة من بينها صحف مطبوعة ومواقع إعلامية وإذاعات، لتصل اليوم بتعدادها إلى ما يقارب 50 وسيلة إعلامية، ومن المؤكد أن أكثر من نصفها سيتم إغلاقه في بداية العام الجديد.

مدير تحرير جريدة كلنا سوريون «حسين برو» رأى أن المرحلة الأولى هي مرحلة ضرورية لا بد منها، لتعريفنا بماهية الإعلام الذي لم نكن نعرفه من قبل، ووجود تلك الوسائل شكل أرضية لبناء مؤسسات إعلامية صلبة، مع ما أنتجته من صحفيين متمرسين وتجارب صحفية».

وأرجع «برو» أسباب ضعف الإعلام البديل إلى عدم وجود بيئة عمل مناسبة في سوريا، من قصف وملاحقة وضعف الخبرات، إضافة إلى سياسة المنظمات الممولة، التي سهلت شروط التمويل مما شجع على تضخم أعدادها، وهو ما انعكس سلباً على صورة هذا الإعلام لدى الجمهور السوري، الذي شكك قسم كبير بها وبالغاية من وجودها.

وعن مستقبل تلك الوسائل المتبقية قال «برو»: «إن الوسائل الإعلامية التي لها فرصة النجاة والاستمرار هي تلك الوسائل التي تمكنت من مأسسة نفسها، وتحولت إلى مؤسسات حقيقية متجاوزة مرحلة الملكية الفردية التي سادت في الماضي، وهو ما سيحملها مسؤولية التفكير بشكل جدي في موقعها المستقبلي، بعد التسويات السياسية المحتملة».

وفي الوقت الذي تعتمد فيه المؤسسات الإعلامية الكبرى على مردود الإعلانات التجارية التي تقوم بنشرها، تنعدم هذه الميزة لدى وسائل الإعلام السوري البديل، لعدم وجود سوق إعلاني في سوريا، ولا سيما في المناطق المحررة التي تنشط بها، في حين تعتمد بشكل أساسي على تمويل المنظمات المانحة ذو الصبغة المؤقتة والقصيرة، وهو ما يفقدها ميزة الاستقرار الإداري والمالي الذي تقوم عليه المؤسسات.

من جانبه رأى مؤسس صفحة انتهاكات جبهة النصرة «عاصم زيدان» أن الدعم الذي تم تقديمه للمجموعات الإعلامية لم يسمح لها ببناء مؤسساتها، بسبب قلة الدعم ومحدوديته، فضلاً عن عدم توفر الخبرات اللازمة لبناء تلك المؤسسات.
واعتبر «زيدان» أن الإعلام البديل شهد في سنوات نشوئه الأولى ازدهاراً واقبالاً كبيراً من قبل الأهالي، الذين اعتمدوا عليه كمصدر للمعلومات، ومنحوه الثقة الكاملة رغم الفوضى، نتيجة لحماسهم ورغبتهم بوجود وسائل قريبة منهم تعبر عنهم.

هذا الإقبال الذي تراجع بعد عام 2013 بسبب ما كشفته الممارسة من ضعف في المهنية أودت بجزء كبير من مصداقيته، بحسب زيدان الذي اعتبر أن توجهات وسائل الإعلام السياسية مع ضعف الخبرة المهنية عززت من هشاشة الإعلام البديل.

وعن مستقبل الإعلام البديل بشكل عام قال «زيدان»: «الكثير من الوسائل الموجودة اليوم ستتوقف في القريب، بعد توقف الدعم، وتخصيصه بشكل أكبر، وتراجع اهتمام المنظمات الدولية بالشأن السوري، وهو ما بدأ بالظهور الآن من خلال موت أسماء مؤسسات صحفية سورية معتبرة».

وقال مدير المركز الصحفي السوري «أكرم الأحمد» لزيتون: «كثرة هذه الوسائل، وغياب المنافسة الشريفة فيما بينها، وتوجهات بعضها أثر في مصداقيتها والاعتماد عليها»، مضيفاً: «أكبر المشاكل التي تهدد استمرارية العمل الصحفي في إدلب حالياً انقطاع الدعم عن الكثير من وسائل الإعلام البديل، وعلى الرغم من اعتماد بعض المؤسسات الإعلامية على نفسها في تمويل البرامج والتقارير البسيطة التي تنتجها، إلا أن الدعم بقي عائقاً أمام مشاريع أكثر أهمية وجدوى، كما يعد إحجام الجهات المختصة عن التصريح أحياناً، من مصاعب العمل الصحفي في المنطقة، فضلاً عن عمليات الاعتقال والخطف والقتل التي طالت عدداً من الإعلاميين».

وشدد مدير المركز الصحفي السوري على ضرورة تشكيل نقابة للصحفيين في المناطق المحررة، لحفظ حقوق النشر وحماية الناشطين من ضياع حقوقهم، ودعمهم بالشكل الممكن في حال تعرضهم للمخاطر.
بينما رأى الناشط الإعلامي «لورنس الأسعد» أن وسائل الإعلام البديل حققت في فترة من الفترات السابقة الأهداف المرجوة منها في إيصال معاناة الاهالي في الداخل السوري، إلا أنها فقدت مصداقيتها فيما بعد، وتراجعت نسبة اعتماد الأهالي عليها، وذلك بسبب عدم مهنيتها، وتقليد البعض منها لأساليب وسائل إعلام النظام، بتغطيتها للنواحي الإيجابية فقط، وتجنبها لتغطية الأخطاء التي تحدث في المنطقة، وضحالة مواضيعها، ما أدى إلى فقدان ثقة الأهالي فيها.
واعتبر «الأسعد» أن الخوف من الفصائل العسكرية، هو ما دفع بوسائل الإعلام البديل لتجنب تغطية العديد من الأحداث الهامة، ومحاولتها تجميل الواقع باستمرار، ورفضها التعايش معه، والتزام كل وسيلة بسياسة خاصة بها لا يمكن تطويرها أو الخروج عنها، ما أفقدها المصداقية، وجعلها بعيدة عن الأهالي واهتماماتهم وتطلعاتهم، وجعل من الإعلام مهنة يمتهنها العديد من النشطاء لكسب رزقهم فقط.

في حين قال «أيهم حوراني» من أهالي مدينة بنش أن هناك وسائل إعلام محلية تتمتع بالمهنية والمصداقية، ولكنه في الوقت ذاته يرى أن هذه الوسائل قليلة، وأن الحصول على الخبر الصحيح على وسائل الإعلام البديل بات اليوم، يتطلب جهداً كبيراً، وبحثاً مطوّلاً، فحتى الأخبار البسيطة والتعبير عنها، أصبحت تختلف باختلاف توجهات الوسيلة الإعلامية.

أما بالنسبة لوسائل الإعلام المطبوعة والمسموعة، فقد تراجعت بشكل شبه تام أمام المواقع الإعلامية الإلكترونية ومواقع التواصل الاجتماعي من وجهة نظر «الحوراني»، مشيراً إلى أن بإمكان أي شخص الآن، وفي أي مكان أن يطلع على الأعداد المطبوعة لهذه الوسائل عبر مواقعها الرسمية، أو الاستماع لأي راديو عبر موقعه الإلكتروني أيضاً.

من جانبه اعتبر الناشط الإعلامي «خالد الأحمد» أن نقل صورة ما يحدث في سوريا للعالم ولو بدقة ضعيفة، أو بأسلوب متواضع، أفضل من أن تبقى الثورة يتيمة، لا تدري إدلب ما يحدث في حلب أو درعا، غير أن وسائل الإعلام البديل أصبحت اليوم تتمتع بقدر من الخبرات والتجارب، إلى درجة أنه في بعض الحالات لم يعد التمييز بين الأكاديمي والناشط الإعلامي ممكناً، وأنه لولا وجود هذه الوسائل وما قدمته بالرغم من إمكانياتها البسيطة، لما كان العالم قد عرف بالمجازر والحصار وغيرها من جرائم النظام، مؤكداً أن وسائل الإعلام البديل حققت الغاية من وجودها، وقدمت الكثير من الشهداء في سبيل نشر الحقيقة والواقع، فضلاً عن حالات الخطف والاعتقال التعسفي للإعلاميين، وهو ما يجب تداركه، والعمل على تحييد الإعلامي عن صراع السلطات والقوى العسكرية على الأرض.

كذلك رأى الناشط الإعلامي المستقل «كرم الحاج» أن وسائل الإعلام البديل برغم افتقارها للدعم والمهنية العالية والخبرة في مجال العمل الصحفي لدى العاملين فيها، إلا أنها أفضل المتاح، وأنها أثرت بشكل كبير في المجتمع، ولبّت جزءاً من تطلعات الأهالي من خلال نقل ما يعيشونه وما يعانون منه.
ورأى المسؤول الإعلامي في معهد المجد بمدينة جسر الشغور «أحمد» أن وسائل الإعلام البديل بشكل عام ساهمت في خدمة المجتمع، وحققت نحو 90% من الغايات المرجوة منها، غير أن قلة الدعم المقدم لها، ومحاربتها من قبل البعض، واعتراض الفصائل العسكرية أحياناً لعمل هذه الوسائل والعاملين فيها، ومنع الإعلاميين من تغطية أحداث معينة، هو أبرز الصعوبات التي واجهت وما تزال تواجه وسائل الإعلام البديل في محافظة إدلب.
وبالتأكيد لعبت الأحداث الميدانية والوقائع على الأرض دوراً كبيراً في مدى اعتماد الأهالي على وسائل الإعلام البديل بأنواعها، بالإضافة للمؤتمرات الدولية والمواقف الرسمية، والتي أخذت حيزاً من اهتمام السوريين في السنوات الأولى للثورة. ولحجم الدعم المقدم لوسائل الإعلام البديل، وتوجهها ونظامها العام، وإدارتها ومدى قدرتها على المهنية والتطور، تأثيراً في مستوى ومحتوى موادها الإعلامية، وبالتالي في ثقة السوريين واعتمادهم عليها في الوقت الراهن، واستمراريتها في المستقبل.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*