بكل فخر.. إنه أبي

زيتون – ياسمين جاني
أبي..
ذلك الرجل الخمسيني، ذو البشرة الحنطية، والعينان الواسعتان، وملامح الوجه التي تختصر قصة حياة قضاها في سبيلنا، رجل يجمع بين القسوة واللين، لكنه يميل للمزاح أكثر من الجد، ويمتلك حساً فكاهياً يسخر به من ثقل الواقع الذي نعيشه، ليخفف عبئه عن الآخرين.


يوصف بالهدوء والصبر والمثابرة، إضافة إلى الهمة العالية والنشاط، مع الكثير من التدبر والتفكير قبل أن يقوم بأي عمل، شعاره “ما حك جلدك مثل ظفرك”، وهو ما يدفعه إلى قضاء حاجاته بنفسه دون أن يعتمد على الغير بها.
عمل منذ صغره على تعلم ثم ممارسة مهنة صيد الأسماك وبيعها، والتي ورثها عن والده، وعمل بها ما يقارب الخمسة والثلاثين عاماً، إذ اضطر بعد تحرير مدينته جسر الشغور لتغييرها نتيجة لصعوبة ممارستها، فافتتح محلا لصناعة الحلويات التي يتقن صناعتها كعمل بديل.
ثقته بنفسه تبعث بمن حوله الراحة والاطمئنان، كما يضفي على الجلسة الحب والحنان والعطف، مهتماً بالصغير قبل الكبير، موزعاً عاطفته عليهم حتى يشعر كل منهم أنه الأقرب إليه، دأبه مساعدة من حوله ومد يد العون لهم.
ليس من أصحاب الشهادة ولم يتخرج من كلية أو جامعة، لكنه يمتلك خبرة الحياة التي تعلمها بصبره وبتجاربه، من رحلات صيده مع والده حين كان صغيراً إلى ملازمته لمن هم أكبر منه سناً.
يعتبر موسوعة في الأمثال الشعبية، فما يميز حديثه هو كثرة الأمثال التي يحفظها ويرددها مراراً، إلى درجة دفعت ابنه العشريني لاقتناء دفتر خاص لتدوين كل مثلٍ جديد يسمعه من والده.
محبوب من قبل الجميع، يمازحهم حيناً ويوجعهم حيناً آخر، يستمع إليهم ويتفاعل مع مشاكلهم، يتفهم ظروفهم، يتعاطف مع آلامهم، لا يضيق صدره بأسرارهم، ولا يمل من تكرار قصصهم وشكواهم، طريقة تعامله مع من حوله تشرح مدى رقيه واتقانه لمعاملة كافة النماذج والاطياف الانسانية وتفهمه للجميع، ابتداءً من والدته وانتهاءً بحفيدته ذات التسعة أشهر.
يتميز بسياسة فريدة بالتعامل مع كل فرد من العائلة أو من أصدقائه وأقاربه، أولاده السبعة والذين يبلغ أكبرهم سبعة وعشرون عاماً مازالوا أطفالاً في عينيه، ينصحهم، ويسايرهم أحياناً، ويناقشهم في قضايا حياتهم كأنداد أحياناً أخرى، هو مستشار العائلة من صغيرها إلى كبيرها، يقصده الجميع لحل مشاكلهم، وأخذ نصائحه فيها.
جداله الطويل مع ابنائه الشباب، نوع من التدريب على استعمال العقل في المناقشات، ولتعويدهم على استعمال فكرهم في تقديم الحجج والبراهين حول وجهات نظرهم، عبر اسئلته يقدم الحكمة والتحريض لهم، كي يدركوا أن لكل نتيجة سبباً، ولكي يبتعدوا عن التواكل في المنطق والاعتماد على الغيب، يهتم بأن يمنحهم شخصياتهم المستقلة، المتمايزة، ويصقل هوياتهم المتفردة، مبتعداً عن طرق القمع والترهيب، مؤمنا أن العائلة هي المنصة الأولى لينطلق منها الطفل إلى العالم بثقة.
لا يوفر جهداً في تأمين متطلباتهم مهما كانت وبأي طريقة كانت، ولا يتجاهل مستلزماتهم، كما يحتمل عصبية زوجته، مخففاً ضيقها ممازحا لها للترويح عنها، مجبراً إياها على الابتسام لبساطته وجمال أسلوبه.
أكثر التجارب قسوة بالنسبة له، هي ما عاشته المدينة من نزوح قسري بعد تحريرها، انصب همه على تأمين عائلته وأولاده وإيجاد مأوى لهم في الريف المحرر، ومن ثم عودته بهم إلى المدينة أثناء قصفها، ونجاته عدة مرات من موت محتم كان يتربص به، وهي فترة أكلت من سنين عمره عمراً.
لكل منا سند في هذه الحياة نعتمد عليه.. وأنا اخترت سندي، وبكل فخر إنه أبي.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*