حلب في عيون صديقين.. الشاعر عبد السلام حلوم والخطاط محمد عماد محوك

لحلب.. ما يزال الصديقان عبد السلام حلوم ومحمد عماد محوك يكتبان من منفى لجوئهما شعرا وخطا حبا وحنينا لها، كل بطريقته، الأول الذي أرغمنا بشعره أن نعشق التفاصيل الصغيرة في حلب، والثاني الذي أبكتنا الحروف في لوحاته حزنا عليها، صداقتهما جزء من الحنين، كتب حلوم قصيدة مهداة لمحوك، بينما رسم محوك غلاف ديوان حلوم، وحلب كلمة السر التي بينهما.

سلام حلوم: “حلب أول مدينة مأهولة بقلبيَ الغريب”
في النزوح لا تنقطع الأمكنة، في الشعر تخرج الأمكنة من الشاعر حتى الموت.
وُلد حلوم في مدينة سراقب عام 1963، وحصل على دبلوم دراسات عليا في اللغة العربية من جامعة حلب، وعمل مدرساً للغة العربية في سراقب وحلب، شارك بتأسيس ملتقى الأدباء الشباب في جامعة حلب عام 1981 وملتقى حلب لقصيدة النثر عام 2009 كما شارك في عدة مهرجانات شعرية دولية وله مجموعة من الدراسات الأدبية والنقدية، وخمس مجموعات شعرية هي: (مديح شاسع للقش – كانات الرجل – الحائط – يسمونه عندنا – كما غدا). يقيم حلوم حالياً في مدينة روتردام في هولندا.
يعيش حلّوم بعد حلب صراعات ملأى بالذكريات، التي يتحدّث عنها في كل ما يكتب، وكأنما لا شيء غير الذكريات هو ما تبقى..

الفنان الخطاط “محمد عماد محوك”: أجمل اللوحات تلك التي مزج حبرها بالدمع على حلب
أما الخطاط محمد محوك فقد حرضته رائحة البن فحكى على غير عادته، وغرق بالذكريات فتورط بالبوح بها، عن عشقه المفرط للخط الكوفي ولحلب وقلعتها، وأسواقها القديمة ورائحتها، إلى صمته الطويل، وبكائه أمام آية قرآنية انتهى تواً من كتابتها، عن حزنه الكبير للخراب الذي نحن فيه، بمقهى حلبي في إحدى أحياء إسطنبول، روى لزيتون حكاية الخط في حياته.
بلا معلم، وبصبر الاقتداء بكل ما وقعت عليه عيناه من خطوط من سبقوه، أتقن القواعد لينطلق منها إلى سمائه الخاصة في الإبداع، ويبدو أن عدم اتباعه لأستاذ معين أعطاه الحرية لشق طريقه الخاص، وخلصه من سلطة المعلم، ذلك ما يورده الكاتب صخر الحاج حسين في مقالة له في صحيفة السفير على لسان أستاذ الخط العربي في اسطنبول “نهاد جتين” حين اطلع على أعمال محمد عماد قائلاً له: «لقد اخترت أن تتعلم بالطريقة الأصعب، أنت كعشب بري ينمو من صخرة في بيئة قاسية”.
درس محمد عماد الرياضيات التي ساعدته كثيراً في صنع هويته الفنية، ففضاءها وصدقها انعكس على حروفه وخياله، فهي أيضاً كالفن تحتاج إلى الحرية، ولا يمكن للإنسان أن يكون فناناً في الأسر، فهو يحتاج إلى فضائه وجوِّه الخاص ليضيف شيئاً.


مشهور بالغربة وغريب في الوطن
محمد عماد محوك الذي غادر حلب لعامين في رحلة عمل إلى السعودية لكتابة نسخة من القرآن، سرعان ما عاد إلى حلب وحجارة قلعتها وجوامعها وأسواقها ورائحة الصابون والزعتر الحلبي، مؤثراً إياها على رفاهية الغربة.
يقيم اليوم في اسطنبول، وتحتفل به وبأعماله الأوساط الفنّيّة في عواصم الفنّ العالميّة، وقد واكب الثورة السوريّة منذ لحظاتها الأولى، وأبدع لوحات خطّية عن الحريّة وعن الشعب وضدّ الظلم، وما زال يبدع كغيره من الفنّانين المؤمنين بالثورة وانتصارها على الاستبداد.

محمد عماد الدين محوك، من مواليد مدينة حلب 1959، خريج جامعة حلب كلية العلوم قسم الفيزياء، حائز على دبلوم بترميم المخطوطات من مكتبة السليمانية في اسطنبول 1990، عمل بمدينة حلب في جامع السلطانية، ومكتبة الملك عبد العزيز العامة بالرياض، ويعمل حالياً في منزله بإسطنبول، قام بترميم العديد من المخطوطات والمصاحف القديمة، حصل على جائزة في الخط الجلي فارسي بمسابقة الخط العربي من اسطنبول.

للفن والأصدقاء أولوية
في حمى إخلاصه لعشقه يروي محمد عماد محوك كيف أنه حين نصحه صديقه “بشار فستق” بقراءة رواية “الإخوة كارامازوف”، وكان حينها بفترة امتحانات، خسر عاماً دراسياً وهو مستغرق في قراءتها، كما حدث أن فضَّل في حادثة أخرى حضور معرض فني في مقهى الجامعة على حضور امتحانه، في حالة ينتفي فيها المنطق لتحل مكانه أولويات الشغف.

ويعتبر محمد عماد أن الخط مثل اللون ومثل الشعر ومثل الموسيقا يجب أن يكتب بصدق مع المعنى، تسمع الكثير من الشعراء لكن قلة منهم من يبكيك، الفارق بينهم هو الصدق الذي كتبت به تلك الكلمات، حين طلب إليه صديقه الشاعر “عبد السلام حلوم” أن يصمم له غلاف ديوانه “أما قبل” أرسل له بعضاً من القصائد، كان مطلع إحداها “لا أعرف لماذا الآن أرثيك يا أبي”، بكى في تلك الليلة، وما زال يعجز حتى اليوم عن إكمالها كما يقول.

ويرجع محمد عماد سبب ذلك كونه الصبي الوحيد في الأسرة، ما اضطره لكي يفرد مساحة واسعة في حياته للأصدقاء مع أقرانه في الحي والدراسة.
يقضي محمد عماد ساعات طويلة ماشياً في شوارع اسطنبول باحثاً عن أصدقائه الذين لهم في حياته دور كبير، وحين لا يجدهم يذكر أمه وهي توصيه بقراءة سورة الضحى عندما يفقد شيء ما ، يقرأ محوك الضحى ولكنه لا يجد أحداً.

توافق في الأفكار.. واختلاف في التعبير

الطفولة عند حلوم تماثل القصيدة فهي مصدر غني من مصادر النّص لكنه يستثمرها جمالياً في الكهولة: “كشاعر، أرى بعينَيْ الطفل كلّ ما يعشق أمامي، لتصبح القصيدة تمريناً على المستقبل”.


لا أعرف لماذا الآن أرثيك يا أبي؟
أ لأنّي أناهز الآن عمرك حين أنجبتني
أم أنني لم أستطع قتل دمعك
فما زال ينزّ من خابية البيت
ولم أستطع أن أصدِّق بعد
أنَّ الموت يأخذ الجميلين باكراً
وينسى الذين لا يستحقون الأمل؟
أم كأنّي لن أتخلّص من نواح قديم
لأرى فداحة موتك؟
فالحزن في صغار الأبناء يظل نديّاً يا أبي.

في حين ترى محمد عماد محوك متأملا كراهب في طفولته: كان أبي موظفاً بسيطاً، لكنه صافٍ وجميل، لم يكن خطاطاً، لكنه كان ملكاً حين يكتب، وكنت تراني أقف مذهولاً وأنا أراقبه، فقد كان يتعامل مع الحرف بقدسية ومحبة، أورثني إياهما منذ الصغر، كما كان أستاذي في الصف الأول ذا خط جميل، وأذكر أنني في ذلك الحين وأنا أتعلم على ألف باء الكتابة، كتبت له حرف الواو فقال لي الأستاذ “واوك جميل جداً” رافقتني هذه الجملة خمسين عاماً.

 

العزلة والعزوف عن الشهرة
يقول حلوم: “لم أفتّش يوماً عن دار نشر، وكل ما طبعت هو بجهود الأصدقاء وبخاصة صديقي الناشر «حسين برو» فله الفضل في إصدار مجموعاتي عبر دار «كوبيا» وملتقى قصيدة النثر في حلب، لكننا الآن بعيدين في الجغرافيا، وننتظر معاً إصدار الجديد في دواوين.
ويضيف: “لتسويق الشاعر عتَلات آخرها النص، وأنا لا يهمّني في وجودي غير أن أكون شاعراً، والشللية الثقافية كما أَسميتها هي – ما لم تكن جهوداً جمعيةً لتيار شعري ما- عصابة يحكمها شرع الغاب ولكن بأثواب مختلفةٍ، دائماً كنتُ أصرّ على القارئ الحقيقي الذي يسأل لمن هذا النص؟ وليس هذا «الفلان» ماذا كتب؟.

من جانبه لم يسعى محمد عماد محوك لتسويق نفسه، لكنه ضاق من تهميش لوحاته في بلده، فهو معروف في الدوحة والرياض أكثر مما هو معروف في حلب، حلب التي سكنته، لم تعطه الفرصة والحرية، ومعرضه الوحيد الذي أقامه فيها عام 1997 ندم عليه، قائلاً عنه: “كان حجم الأمية محبطاً”.

التنويع ورفض القوالب 
المتابع لتجربة حلوم الشعرية يجد أن هناك تطوراً بين مجموعة شعرية وأخرى، فما بين مديح شاسع للقش الصادرة عام 1991 و”كما غداً” الصادرة في 2009 هناك اختلاف واضح في بنية القصيدة وفي خطابها، ولا يقف حلوم عند تغيير الشاعر لخطه في القصيدة الواحدة، ناهيك عن تغيير خطه في ديوان أو مجموعة دواوين، فالركود يُفسد حتى الماء.

كما يعتبر محمد عماد محوك بأن الجمال والإبداع لا يمكن أن يعلب أو يقونن، ما دفعه إلى تجاوز قواعد الخط الكلاسيكي رغم اتقانه لها، فللإبداع توازنات تخرج عن إمكانية ضبطها، ورغم بدئه من القواعد إلا أنه اتخذ فضاءه الخاص، فالألف في القاعدة سبع نقاط، لكنه في لحظة ما قد يجعلها اثنتا عشرة نقطة، ويرى أن القواعد والقوانين تأتي في محاولةٍ لأسر وإلقاء القبض على لحظة الإبداع، أيا يكن فالفن سابق للقواعد، كما سبق الشعر البحور، وكما سبقت النظرية البراهين في الرياضيات، إذ يأتي العمل أولاً ثم توضع القوانين.

لحلب يُنظم الشعر وتُخطُّ الحروف

المطارح لدى الشاعر لم تعدْ موغلة بالعنب، والشوارع التي يحبّ أن يعبرها وحيداً صارت أيضاً وحيدة، وأيلول المتلعثم في شفة الفستق الحلبي، وذكريات آثار تعذيب المشمش واضحة على جلد قمر الدين، حلب، عشقه الأبدي ولقاؤه المرتجى.
يصف حلوم علاقته بحلب بقوله: حلب هي السرّ نفسه، مسقط القلب، أول مدينةٍ مأهولةٍ بقلبيَ الغريب، أَحبّها التاجر والسائح والرحالة والضيف، فما بالك بمن عاش فيها زين شبابه.

في المدينة، وأنت تدخل من طرف السويقة
يدلّك إلى سوق العطّارين، نداء شجيّ كما كلّ أصوات العميان :”أبو فاس “
يقف في الزاوية كعمود آبد
يربط إلى عنقه رفّاً من خشب معتّق
يرتّب قنانيه الصغيرة منسّقة كما الخواتم في جام الصيّاغ
وبمهارة ساعاتيّ يناولك ماتريد
للّين في مفاصل المسنّين
للوجع الواخز في رسغ العاملات في قطب الخرز
وتعشيق الحرير بالقصب على مناديل العذارى
لتكبير النهد
لتغليظ الشفاه
لدرّ الحليب في صدور المرضعات الفقيرات 
لعودة الشيخ إلى صباه
للشقيقة في رؤوس المخطوبات غصباً إلى أبناء العمومة
وللخائبات النصيحة: أن لاعلاقة للعشب بإنجاب العاقر وتطويل القامات.

بالمقابل يتأمل الخطاط لوحة كتب عليها اسم حلب، لا توحي إلا بالبكاء، يشير إلى حبرها المدد بدموعه إثر دمار مدينته، ومن على ضفتي الألم والحرية، يرى أن هذا الدمار لا بد منه، بعد سنوات الخنوع الطويلة، اللوحة التي تستمد كلماتها من التراث الحلبي، تتداخل حروفها كتداخل الدمع والدم، وتنضح بالعويل والبكاء، وتجسد الدمار والخسارة التي لحقت بتلك المدينة.

ويحلم محمد عماد في تجسيد الخط العربي بأربعين لوحة تمثل حجارة قلعة حلب، تطوف العواصم العالمية، كسفيرات عن السوريين، في إشارة إلى أن السوري صاحب حضارة ورسالة، أضاف سابقاً وما زال قادراً على أن يضيف قيماً وفناً انسانياً محضاً، إذ ما يزال محمد عماد يجيب على من يسأله متى تعلمت الخط؟ بأنه تعلمه منذ أربعة ألاف سنة، وجَدُه هو من اخترع الكتابة.

للحرية كتبا

الحرية، اسم لواحدة من أكثر لوحاته زخماً وتكثيفاً لفكر محمد عماد محوك، فيها يقف الشعب السوري بكل مكوناته الملونة بلونه الأسود ما قبل الثورة، في تلميح لنظام القمع، وترتفع ألف ولام الحرية كقضبان سجن على هذه المكونات، لتحل بعدها الحرية الحمراء وتحررهم من سوادهم، ليأخذ كل مكون منهم لونه وفرادته، لوحة بألف مشهد وبألف كلمة.

بدوره يغني حلوم بقصيدته “أريد وطني” 
أريد وطني
ولو رمادا أريده
فلنا في الولادة منه تجارب وحكايات
ولو طينا أريده
فنحن أول من شواه ألواحا 
ومحونا أمية التراب
ولو حجراً على حجر أريده
فليس أسهل على السوري من العمران
أريده
ولو سبخات غمرت مطارح لعباتنا في السفح
ففيها كانت تخدش اللقالق بمناقيرها
كآبات سعد الذابح
وقبل أن ترحل تعلمنا بالنحيب
أن لاجذور على السطح
أريده
فهذه الصور الملصوقة عليها ملامح الأحباب
لن تشفي غليل المشتاق

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*