سأبيع وطني وأستبدل جنسيتي وأصبح ثرية

زيتون- ياسمين محمد
حين وصلت إلى فرنسا، كما كنت أحلم، شعرت بسعادة بالغة فقد وصلت إلى أوروبا، كمن وصل إلى الجنة والراحة والسعادة، تخلصت من أعباء الحرب وتبعاتها، وسأصبح فرنسيةً، أتكلم العربية والإنكليزية والفرنسية، وسأصبح ثريةً دون أن أتكلف عناء العمل أو البحث عنه.
لن أتواصل مع أصدقائي القدامى، سأبيع وطني، وأستبدل جنسيتي، وأتخلى عن عاداتي وتقاليدي، وربما أتحول عن ديني.


بينما ينظر أصدقائي لحياتي الجديدة في فرنسا على هذا النحو، أعاني أنا في الواقع من الوحدة، وألم الغربة، وصعوبة اللغة الفرنسية لا سيما بالنسبة لمن يُجيد الإنكليزية، وبدل أن أتعلم لغة البلد الجديد، أصبحت أتقن اللهجات الجزائرية والمغربية، اللتان مكنتاني من تجاوز صعوبة اللغة الفرنسية، وذلك بعد عقد صداقات مع جاراتي المغاربيات.
لقد نقص وزني بعد وصولي إلى فرنسا، وأصبحت رياضية، لا بل ربما بطلةً بالجري ستظنون أنني أمارس الرياضة أو الريجيم، ليس الأمر كذلك بل هي من كثرة ملاحقتي للمواعيد، وحملي لأثقال على مستوىً عالٍ، من الأوراق الرسمية التي أخرج بها من كل موعد، لأحملها بعد ذلك كلها إلى الموعد التالي، فللفرنسيين حبّ شديد للأوراق والبيروقراطية، يخصصون حاوية للأوراق في كل منزل، وغرفة للقمامة في كل بناء، وطابعةً في كل زاوية، رغم غلاء الأوراق والقرطاسية.

ملاحقة المواعيد المكثفة، أبعدني عن عائلتي وأصدقائي كثيراً، وبات عائقاً أمام تواصلي معهم بذات الوتيرة التي كنت عليها قبل سفري إلى فرنسا، فما أن أعود من قضاء شؤوني في الخارج منهكةً، حتى يتوجب عليّ دراسة اللغة ولو لمدة ساعة يومياً، بالإضافة إلى تنسيق مواعيدي والتحضير لها. 
وقبل نومي أعود لما استيقظت عليه، ألا وهو متابعة أخبار سوريا، وهو أول وآخر ما أقوم به في أيامي الجديدة، محذرة نفسي من التهاون بذاك المكان ومؤكدة على تمسكي ببلدي، ذلك الحب والحرص الذي لم يتغير أبداً، لا كما يظن أصدقائي من أنني سلخت جلدي، بل إن وجعي على ما يحصل فيها، وخوفي على كل من يعيش على أراضيها أكبر بكثير حتى ممن يعيشون فيها. 

ماراتون المدرسة 
طفلاي تم تسجيلهما في مدرسة تبعد عن المنزل واحد كيلومتر، أي لمدة ربع ساعة تقريباً، هذه المسافة يتوجب علي قطعها 8 مرات يومياً، في جو مضطرب لا يمكنك التنبؤ به، لكن يمكنك التأكد من عدم صلاحيته للمشي، أوصلهما صباحا ثم أعود لصطحابهما ظهرا للغداء ثم أعيدهما ثم أعود مرة أخرى لإرجاعهما إلى المنزل، في رحلة مكوكية يومية.
ساعتان على الأقل أقضيهما في الذهاب والإياب من المدرسة، بالإضافة إلى المدة التي أقضيها أمام باب المدرسة أنتظر فيها دخول أو خروج طفليّ.
خوفي من تأخري عليهما دفع منبهي إلى الرنين بشكل دائم إذ لا ألبث أن أكتمه حتى يعاود الرنين، ليذكرني باقتراب موعدهما، وهذا ما يجعلني مرتدية ثياب الخروج، مهيئةً نفسي من الساعة السابعة صباحاً وحتى الخامسة مساءً.
ولا تخلو الفترات ما بين مشاوير المدرسة من التوجه إلى الأسواق لجلب حاجيات المنزل، وإعداد الطعام، والغسيل وترتيب المنزل من شقاوة الصغار، إضافة إلى البحث في الخرائط عن المحلات العربية التي تبيع الخبز السوري، والمتة، حالي كحال الكثيرات من النساء واللاجئين في فرنسا.
على باب المدرسة نجتمع بانتظار أطفالنا، نساء من كل البلدان العربية نتبادل الأحاديث والخبرات في قضاء أمورنا وكيفية الحصول على الخدمات واجتياز مصاعب اللغة والحياة، يساعدنا في ذلك ما يشيعه المارة من إلقاء التحية دون معرفة مسبقة بيننا، والمترافقة مع ابتسامة هادئة لطيفة على القلب، ما يبعث الأمان في النفس، والإلفة في المحيط.

تأخر وصولي إلى فرنسا قرابة العام، ريثما تم تأمين السكن لي، إلا أن الانتظار كان في صالحي، فقد اكتشفت لاحقا ما تعانيه الكثير من العوائل القادمة عن طريق السفارة الفرنسية في تأمين السكن، بعكس ما تقدمه المفوضية من تأمين سكن للقادمين عن طريقها، وفروقات ذلك بالحالة الاجتماعية إن كان أعزبا أم برفقة عائلته، وتفاصيل السكن المشترك ومشاكله، لكن يتفق الجميع على أن أزمة السكن هي المشكلة الكبرى التي تواجه جميع اللاجئين، ليس فقط في فرنسا، وإنما في معظم الدول الأوروبية، إن لم تكن جميعها.
الحياة النشطة والمتعبة التي أعيشها لا تخلو من الإيجابيات، أنا على وشك دخول الجامعة وقد أتمكن من تعديل شهادتي الجامعية، كما أن فرص العمل متوفرة، وإمكانية المرء للدراسة في تخصصه أو اختيار تخصص جديد أمر متاح كما قيل لي ممن التقيتهم هنا، كذلك المنح الدراسية لا سيما للسوريين كثيرة، ويتم الإعلان عنها على مدار العام، والحكومة متعاونة بشكل جيد معنا، بما تمنحه من ميزات عديدة لا يحصل عليها أخوتنا من دول المغرب العربي.
عندما أرى الاهتمام بأطفالي في المدرسة، ومتابعتهم بدقة وخطوة بخطوة من قبل المعلمين والإدارة وطبيب المدرسة، وحتى الأخصائي النفسي في المدرسة، والهيئات المسؤولة عن التعليم في منطقتي، والاجتماعات التي يعقدونها معي باستمرار لمناقشة أوضاع أطفالي من كافة النواحي “التعليمية والصحية والنفسية”، والتوصل معي إلى الطريقة الأفضل لتلافي السلبيات، وتطوير الإيجابيات، والوصول إلى المستوى الدراسي المقبول، أشعر بالسعادة الحقيقية.

في المدارس لا يطالبون الأطفال بما يفوق طاقاتهم وقدراتهم، أو ما لا يتناسب مع أوضاعهم وظروفهم، فهم يراقبون الطلاب منذ دخولهم إلى المدرسة في حركات أجسادهم، ونبرة أصواتهم، وطريقة كتابتهم وتعاملهم وردود أفعالهم، وأحياناً يلفتون انتباهي وانتباه العائلات الأخرى إلى أمور تخص أطفالنا كانت غائبة عنا، وهو ما آثرت أنا والكثير من السوريين الرحيل عن بلدنا من أجله، وهو حياة أطفالنا ومستقبلهم.

الطب والتأمين الصحي من أفضل المزايا التي يحصل عليها اللاجئ السوري بعد وصوله، فلا خوف من تكاليف العلاج أو غيره أن تمنعه من التوجه إلى طبيب العائلة العام، ولكن بعد أخذ الموعد، وغالباً يكون في اليوم التالي لطلبه أو خلال الأسبوع، ويراعى الوضع الصحي في تحديد الموعد، ولكن المشكلة أنه لا يستطيع التوجه إلى طبيب أخصائي دون برقية تحويل من الطبيب العام، وهو ما يتعارض مع ثقافتنا الطبية كسوريين، في التوجه بشكل مباشر إلى الأخصائي المطلوب.
وتكون المواعيد مختلفة بالنسبة للأطباء الأخصائيين، فلا يوجد مدة زمنية محددة تحكم الموعد، هناك بعض العيادات كعيادة الأسنان قد تمتد مواعيدها لأشهر، ولكن بالمقابل توجد عيادات في كافة المراكز الصحية المنتشرة في الأحياء، بالإضافة إلى أقسام في المشافي، يتم فيها استقبال الحالات الطارئة.
ويخول التأمين الصحي اللاجئ الحصول على الوصفات الطبية مجاناً، مع خصم بنسبة 75% على بطاقات المواصلات.
“كاف” هي منظمة يعرفها كل اللاجئين السوريين، فهي تساعد اللاجئ بعد حصوله على الإقامة في كثير من الأمور التي ينوي القيام بها، بمجرد أن يرسل لها طلباً للمساعدة، كما تبادر في تقديم مساعدة مالية للاجئ في النشاطات التي يجريها للمرة الثانية، فبعد تسجيله أطفاله في النشاطات المدرسية لأول مرة، تقوم المنظمة تلقائياً بصرف مبلغ مالي لكل طفل يتم تسجيله في الأعوام التالية، وهو أمر لا أظن أنه متوفر في باقي الدول. 
نحو 3250 مواطن سوري تقدم بطلب لجوء إلى فرنسا خلال عام 2017، بالإضافة إلى 3 آلاف لاجئ سوري التزمت فرنسا باستقبالهم فقط خلال عامي 2016 و 2017 عبر برنامج إعادة التوطين، فضلاً عن اللاجئين وطالبي اللجوء الذين وصلوا قبل هذه الفترة إلى الأراضي الفرنسية، وفقاً لإحصائيات المكتب الفرنسي لحماية اللاجئين وعديمي الجنسية.
ومع مجانية التعليم والطبابة، والتخفيض على أجور النقل، وغيرها من الإيجابيات التي لا أستطيع ذكرها كاملة، ولا أعرفها كلها، أشعر بالرضا عن حياتي في فرنسا، ولكن “ليت الغضا ماشى الركاب لياليا”.
في ساحات باريس وبرد شتائها، يقف بعض السوريين، ممن قضت مضاجعهم مشاهد أطفال سوريين تنتشر كالإبر في العيون، لا يملكون سوى لوحات كتب عليها بعض الكلمات، يدفعون أبناءهم للإمساك بها، وكأنهم يوصونهم بحمل الرسالة مستقبلا، محاولين الإبقاء على ذلك الخيط.
أفضل ما قدمته لي فرنسا أنها أبقتني على قيد الحياة، في حركة دائمة، في سباق مع الوقت ومعرفة قيمته، مع ذلك البحث على بناء الذات، والسعي لتطوير ما يمكن في شخصك، بما توفره من إمكانيات لمن يرغب بالتقدم في الحياة، فلا مكان للكسل هنا والجدّ مطلوب لتحسين شروط حياتك الشخصية، تلك الصعوبات التي قابلتني أتقبلها الأن برحابة صدر، بل وصارت إحدى التحديات التي استمتع بتجاوزها، يساعدني بذلك ما أحصل عليه من خبرات تراكمية كل يوم، لست الوحيدة في تلك الدروب، بل كثيرا ما نترافق نحن السوريون، ونتعاون حتى على العالم الافتراضي في تسهيل إملاءات اللجوء الذي ما زلنا نأمل أن يكون مؤقتاً.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*