طريف السيد عيسى 35 عاما من الانتظار انتهت بعبوة

زيتون – ياسر السيد عيسى

حط جسد أبو الفدا والذي أنهكته السنون أخيرا في تراب بلده مسجى بعلم ثورته، تنتظر فوقه أول براعم الربيع القادم لكي تتفتح.

طريف السيد عيسى، من مواليد مدينة إدلب، خرج من وطنه هربا من بطش نظام الأسد الأب، وتنقّل في عدد من البلدان، جاب بقاع الدنيا عله يجد أرضا تؤويه وعائلته، من العراق إلى الأردن واليمن وحتى الهيمالايا إلى جنوب أفريقيا، بجوازات سفر مزورة بعد أن أغلق وطنه عليه بابه، حتى استقر به المطاف في السويد.

كان حلمه بعد أن خرج هارباً من سيارة اعتقاله، طريداً بين وديان وصحارى بلده، ليدخل حدود الأردن بأعجوبة من ملاحقيه، ثم يجلس مدة طويلة مختبئاً ممنوعاً من الظهور العلني في شوارع عمان، كان حلمه الذي خبئه بين أضلعه أن يعود إلى مدينته، ويكحل عينيه برؤية بيت العائلة الذي تربى فيه، رغماً عن جيشِِ وأجهزة مخابرات أخرجته منه منذ كان فتيا.

أربعون عاماً وهو يدفع ثمن عناده، وأعوان الأسد يلاحقونه من بلد إلى بلد، حاولوا اغتياله في الأردن، لتنقذه مشيئة الله، وحين منحته السويد جنسيتها وجواز سفرها، وكبرت عائلته، ركب الطائرة عقب أول صرخة حرية في وطنه، وهي ما كان ينتظرها منذ أربعين عاماً، كاتباً لها المقالات محرضاً عليها، لتحط رحاله في أقرب نقطة لحدود وطنه في الريحانية.

شارك بأول مجلس وطني للسوريين بالدوحة، ثم اعتزل تلك المجالس حين علم كيف تتشكل وما المراد منها، فتح مع ابنه الشاب صفحة الثورة السورية التي أشعلت جمع المظاهرات وقتها وأعطتها أسماء، واضطر ابنه أن يتخفى متستراً خلف اسم فداء السيد حتى لا يحمِّل الوزر لعائلته، استقبل الثوار خفية في تركيا ونسق معهم ودعمهم فكرياً وإعلامياً ثم عسكرياً حين دعت الحاجة لحماية المتظاهرين.

تحقق حلمه بعد أن اقتحم مع ثوار إدلب مدينتهم في آذار 2015، ليحرروها من عصابات الأسد، وقف طريف أمام مبنى المحافظة فخوراً برشاشه، وتخطى عتبة بيته وجلس على درجاته قائلاً للأسد وأعوانه: “ها قد جئت منتصراً أخيراً”، لكنه لم يجد في منزله من يرحب به أو يزغرد لعودته، كان المنزل فارغاً موحشاً من أهله، فقد بعثرتهم الأعوام الأربعون بين تراب تدمر أو مقبرة مدينته أو في بلاد التشرد.

وعندما اغتصبت الفصائل المستوردة الثورة، حولوه لمرتد ولاهث خلف سراب الاسلام المدني وشعارات المواطنة الزائفة، لم يجد له في زمن قطعان الجراد التي تغطي سماء مناطق الثورة أحداً يقبل بسماع صوت العقل والحكمة، كانت حفلة الجنون تكبر وتستعصي على الجميع، اكتفى وهو يحمل ذلك البركان الداخلي بالمشاركة في المجالس المحلية بأي نشاط مدني في مدينته، وبالعمل الخدمي في مجلس المدينة الذي تم حله بقوة السلاح، وبنشاطِِ إغاثيِِ ودعويِِ لا يهدأ.
ظل أبو الفدا وحيداً بعد تحرير مدينته كمشرد، فقد استشرت تنظيمات القاعدة في المناطق المحررة، وأعادت أجواء ما قبل التحرير، قهراً وسجناً وإرهاباً للصوت المخالف، تحمّل كل ذلك القهر الداخلي ولم يقبل بالعودة لعائلته في المغترب، ارتضى العيش وحيداً صامتاً عسى الغمامة السوداء أن تنجلي، بيد أن كل من يعرفه يكتشف عنفوان الرجولة فيه، مترافقاً بسلام داخلي، كان يتحداهم بهدوء نفسه وطمأنينة يقينه، وكانوا يشعرون بالذعر من تفجر بركانه، فاجتمعوا على قتله، وهو الذي يحمل بين أضلاعه تفاصيل وخبايا تحولات ثورة الحرية.

أوصى أولاده بالتبرع بأملاكه لله ورافقها بعدة وصايا منها: “أوصي أهلي وذريتي بالاستمرار بالدعاء لي بالرحمة والمغفرة والعفو، وأطلب من الجميع وكل من اسأت له أن يسامحني”.

الشيء الوحيد الذي يكسر ظهرك، فقدك لعزيزك الذي تعتبر وجوده مهما لك ولغيرك، في هذه الأوقات بالذات، تشعر في داخلك أن ثورتك التي آمنت بها، تخسر جزءاً منها، وهي التي كانت تجري مع كل شهيق له منذ خطت لحيته قبل أربعين عاماً. بركانٌ لم تهدأ ثورته إلا بمفخخة جبناء متربصين ينتظرونه خلف الجدران كفئران في شوارع مدينته، سبقها تعرضه لعدة محاولات اغتيال على يد أعوان الاستخبارات السورية في شوارع عمان ولكن قدر الله كان يحميه، ليقضي أبو الفداء نحبه في يوم الجمعة 2 آذار الجاري، متأثراً بجراحه التي أصيب بها منذ شهر ونصف جراء انفجار عبوة ناسفة في سيارته.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*