أنس الأزرق وتلفزيون سوريا

زيتون – رائد رزوق 
حين تبهت الثورة، وتراوح في الهزائم، يتحول مؤيدوها إلى رماديين، ومن كان واضحاً في معارضته يغدو أكثر ضبابية، لتبدأ مرحلة جديدة في التلون والاقتراب من الضفة الأخرى بمسميات أقلها “لكل السوريين معارضون وموالون إلا القتلة”، والقتلة هنا قد تكون موجهة للثورة أكثر مما هي للنظام، في توطئة للقفز من مراكب قد تكون خاسرة لهم بحساباتهم.


انتشر شعور بالصدمة بين الأوساط الصحفية والمتابعون للقطاع الإعلامي، بعد الإعلان عن الرئيس التنفيذي لتلفزيون سوريا الذي انطلق في الثالث من آذار الجاري، ما أثار موجة من الانتقادات للتلفزيون في بداية عمله، يمكن أن تضع تساؤلات حول هدفه والغاية منه.
ويرجع سبب الصدمة من تسمية أنس أزرق كمديرٍ تنفيذيٍّ لتلفزيون سوريا إلى أسباب أهمها أن إدارة التلفزيون والتي تمتلك مجموعة هائلة من وسائل الإعلام، محسوبة بشكل أو بآخر على الثورة السورية، كقناة العربي وصحيفة العربي الجديد وموقع جيرون وغيرها، كما تطرح نفسها على أنها مؤسسات سورية حريصة على أهداف الثورة.
ويشكل تاريخ الرئيس التنفيذي معضلة أمام فهم السياسة التي يعتزمها تلفزيون سوريا، رغم كل ما نشر عن سياساته وبرامجه وتوجهاته، فكيف سيتمكن مَنْ عمل أكثر من عامين في تبرير جرائم النظام السوري وتبرئته، واعتداءات حزب الله في سوريا، وهو في موقع إعلامي مسؤول، أن يكون إعلامياً حيادياً على أقل تقدير.
وتذكر بعض المقالات التي تناولت تاريخ الأزرق وخروجه من سوريا وتركه العمل لدى حزب الله والنظام السوري بأنه “خروج عقب اندلاع الثورة السورية”، بطريقة تعطي انطباعاً مضللاً يفيد بأن خروجه كان بناء على موقف متضامن مع الثورة، لكن يظهر أن هذا “العقب” كان متأخراً، إذ لم يخرج الرجل إلا في منتصف عام 2013، وهو وقت بعيد لمن كان له قلب.
السؤال الأبرز الذي تطرحه الصدمة هو عن مالك التلفزيون، والرجل الذي تحول إلى ما يشبه “مردوخ” الإعلام العربي”عزمي بشارة”، بعد امتلاكه لشبكة واسعة من وسائل الإعلام، ليعود الجدل مرة أخرى حول مواقفه وعلاقاته بالنظام السوري، وتصريحاته حول الثورة السورية.
في الدقائق الأولى لانطلاق التلفزيون قال المدير التنفيذي “أنس أزرق” عن سبب تسمية التلفزيون باسم “سوريا” أنه عائد للشعور بأن الاسم بات مختطفاً، مع التأكيد على عدم التهاون في قيم الثورة والابتعاد عن الخطاب الطائفي بطريقة مهنية.
ومن هنا يدخل الأزرق إلى فضاء الإعلام البديل من بوابة المهنية، وهو المدخل ذاته لتبرير ما كان يقوم به أثناء تغطيته لعمليات الجيش السوري وعصابات حزب الله في سوريا، والحزب الذي شارك منذ انطلاق الثورة على قمعها، بداية بشكل سري ثم بشكل علني منذ بداية عام 2013.

مقال استباقي
وكان “الأزرق” قد كتب -بشكل استباقي- قبل أيام ليست ببعيدة، عن تجربته مع النظام السوري وعلاقته مع الأسد، في محاولة منه لتجنب ما قد تحمله تسميته كمدير تنفيذي من انتقادات، وحمل المقال الذي عنونه “بالانحياز الأخلاقي” صورة تتطابق مع حالته في القفز من مركب النظام المتهالك إذ يقول فيه: “توسّع المعارضة يأتيها غالباً بقطاعاتٍ واسعة من الناس، وغالبيتهم لم تكن أصلا مسيسةً أو عاشوا في ظل الخوف، وتصرّفوا على هذا الأساس. ومع حدوث الاستقطاب بين الشعب والنظام، تتدفق كوادر من النظام وضباطه ومسؤوليه”. 
ويصعب على القارئ لمقالة أنس أزق التمييز فيما إذا كان يفتخر بعلاقته مع بشار الأسد قبل وبعد توليه الرئاسة وبعلاقته مع حسن نصر الله، أم أنه يعترف بخطاياه تلك، إذ يعتبر تلك العلاقة ليست بالسر الذي يكشف وهو يتحدث من تلفزيون “لا يشارك القتلة” دون اتخاذ موقف واضح من الأشخاص الذين شاركوا القتلة: “كما عرفت بشار الأسد قبل أن يصير رئيساً، ورافقته بصفتي إعلامياً في عديد من زياراته الرئاسية في ما بعد، وكنت أول إعلامي سوري يقابل الأمين العام لحزب الله، حسن نصر الله، على شاشة التلفزيون السوري”.
ولكي يجبرنا على أن نفهم من مهامه تلك على أنها طبيعية، وينأى بنفسه عن صورة المتماهي مع مزاج النظام، يؤكد الأزرق أن من كان يلتقيهم بسبق صحفي كانوا أبطالاً في الوجدان العربي بحسب رأيه: “أتذكر، في هذا السياق، أنني أيضاً كنت أول من قابل على الهواء مباشرة، رئيس المكتب السياسي لحركة حماس (السابق)، خالد مشعل، والأمين العام لحركة الجهاد الإسلامي، رمضان شلح، وجميع هؤلاء كانوا أبطالاً وقادة مقاومةٍ في الوجدان العربي والسوري في تلك الفترة”. 
ويقدم أزرق حججه في معاكسة النظام بعد الإقرار بعلاقاته مع صناع القرار السياسي و”الأمني” في سوريا، مدللاً ببعض الحلقات والبرامج التي أوقفت نتيجة لقفزه عن الهامش المسموح به قائلاً: “نعم، كنتُ على علاقة جيدة بصنّاع القرار السياسي والأمني في سورية، ولا سيما قمة الهرم بشار الأسد، وكنت أتمتع بهوامش كثيرة، وقد استغللتها إلى أقصى حد، كما حصل عندما استضفت على الهواء مباشرة شخصيات مثقفة، معارضة أو مستقلة، كثيرة، لا يعجب النظام خطابها، وعندي عشرات الأمثلة”.
ورغم ظهوره في مشاهد مقتطعة من تقاريره التلفزيونية أثناء لقائه مع عناصر حزب الله المسلحين، وتغطيته لعمليات الجيش السوري ومرافقتهم في مواجهة “المسلحين”، إلا أن الأزرق يؤكد أنه قد اتخذ قراراً بعدم تحوله إلى شبّيح، أو متاجر بالدم السوري، حيث عمل بعض زملائه بالواسطات لإطلاق سراح مخطوفين أو معتقلين، وجنى بعضهم من هذا الأمر ثرواتٍ، ونال بعضهم مناصب، بينما كان نضاله الأخلاقي اليومي هو ألا ينساق إلى تأييد وجهة النظام وترويجها بشكل أعمى، وكأن عدم قيامه بذلك فضيلة تحسب له وفضلاً منه على السوريين الذين كانوا يقتلون بجيش نظامه.
الأمل الساذج الذي دفعه ليكتب مقالاً عن “الشعب يريد والرئيس يريد” كما يقول، واعتذاره المتأخر لثماني سنوات وشعوره بالخجل من المهام التي قام بها، وخوفه على حياته أثناء عمله في إعلام حزب الله ولا سيما أنه كان “يحضر ويرى”، ورفضه لاستعراض انشقاقه عن النظام تجنباً للبطولة والفائدة، تثير شكوكاً حول الرجل وإمكانية إلتزامه بأي موقف يرشحه ليكون في موقع يصنع فيه سياسات لتلفزيون سوريا.. “نعم، استفدت من النظام وعشت في بعض مزاياه، وقدّمت موادّاً لو أتيح لي الرجوع إلى الوراء لما قدّمتها، ويستحق بعضها الاعتذار عنها (وأنا حقاً أعتذر عنها) بسبب مساهمتها بتبييض صفحة نظامٍ كان يجب أن أدرك في وقت أبكر أنه غير قابل للإصلاح”.
ويحق للسوريين أن يتساءلوا عن عدم انحياز الأزرق الأخلاقي في فترة العامين الأكثر فرزاً في سوريا، كيف كان يتعامل مدير مكتب تلفزيون المنار مع الأحداث، بأي كلمات كان يصف النظام والثورة، وكيف يمارس مهنيته مع ضباط الأمن والجيش وحزب الله، وكيف يمكن أن نقبل قوله: “لم أصوّر أو أكتب أي شيء عما يسميه الآخرون انشقاقاً، وأفضّل أن أسميه انحيازاً أخلاقياً”، ومن حقهم أن يسألوا لمَ لمْ يقدم شهادته على الجرائم التي عايشها ورآها أثناء عمله، شأن كل الذين انشقوا عن النظام مقتاً من جرائمه.


الأزرق وتبرئة النظام 
وفي مقابلة سابقة للأزرق على صحيفة الفرات الموالية للنظام السوري في العدد 2028، أي قبل حوالي ثلاث سنوات يروي فيها عن حضوره لمنتدى الإعلام العربي في دبي، الذي رعته قناة العربية، وكيف استنكر في المنتدى تزوير الحقائق عبر وسائل الإعلام العربي متسائلاً بمداخلة له حول إن كانت الرواتب في آخر الشهر تعادل الدماء السورية التي تسببت الأشرطة المزورة التي تحمل مسؤولية الجرائم للنظام بإراقتها، هذه المداخلة تكشف ما كان يقوم به الأزرق من مهمة الدفاع وتبييض وجه النظام، ونفي أي صفة إجرامية عنه سواء في منتديات الإعلام أو في الحوارات التي كان يجريها مع وسائل الإعلام الرسمي، ولو كان مجبراً على الدفاع عنه لما تطوع في كل فرصة للمبادرة في حديث المؤامرة عن نظام الأسد.
تتضمن المقابلة ذاتها تبرئة الأزرق لنظام الأسد من جريمة قتل رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري، معاتباً نفسه على عجزه عن إثبات البراءة بقوله: “نحن قصرنا إعلامياً بحق أنفسنا، ولم نتعلم من درس عام 2005 عندما هزمتنا قنوات إعلامية بالتضليل والكذب وتجييش الغرائز بعد اغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري”.‏‏
وعن سقف الحريات في سوريا الأسد، يرى الأزرق أن المشكلة ليست في السياسة الأمنية المفروضة على سوريا منذ 40 عاماً، ولا بسيطرته ورقابته على كل كلمة منشور، بل بالطفيليات التي علقت بمهنة الصحافة الغير مهنية، وفي إجابته يقول: “سقف الحريات في الأساس ليس واسعاً، ولكنه ليس ضيقاً، وقد اتسع مع الأحداث الأخيرة، ولكن المشكلة تبقى بتطوير الكوادر والكفاءات الإعلامية وتطوير أدوات المهنة، والتخلص مما علق بهذه المهنة من طفيليات ومتسلقين، وهذا ليس سهلاً”.
تلفزيون سوريا بحسب مديره التنفيذي هو مؤسسة إعلامية سورية غير محايدة، إذ تلتزم بسورية موحدة تعدّدية وديمقراطية، ولكنها مؤسسة إعلامية مهنية، وليست حزباً أو تياراً سياسياً. ولا تتبع هذه المؤسسة لشخص ولا لمجموعة أشخاص، بل تحاول أن تكون للشعب السوري وقضيته العادلة، وهي لا تدّعي تمثيل الشعب السوري، ولكنها سوف تحاول أن تستنطقه، لكي يمثل نفسه على شاشتها، وعبر برامج إخبارية وفنية وثقافية منوعة.
كما عرف التلفزيون عن نفسه في موقعه الرسمي على فيس بوك بأنه “قناة فضائية لكل السوريين، تتبنّى خطاباً يهدف إلى تعميق الثقة مع الجمهور، وتنحاز إلى الجانب الأخلاقي من الحدث والتاريخ، منصتنا موجّهة لكل السوريين في الداخل وفي الشتات، تتمَثُّل في عملنا قيم الحرية والعدالة والمواطنة والتعددية واحترام القانون وحقوق الإنسان، نسعى للمساهمة في تكوين رأي عام إيجابي يعزز المصلحة الوطنية الجامعة، استناداً إلى الثراء والتنوع الثقافي للمجتمع السوري”.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*