مواقف الهيئة السياسية في العقد المفصلية بإدلب

خاص زيتون

يرى الكثيرون أن نشاط الهيئة المقتصر على إصدار البيانات السياسية نشاطاً غير كافٍ لتحقق الهيئة أهدافها المطروحة في تمثيل الثورة، أو استقطاب الشارع السياسي، مرجعين السبب في عدم أخذ دورها إلى عدة عوامل منها داخلية تتعلق بسياسة الهيئة، وأخرى خارجة عن إرادة قيادتها.

الرئيس السابق للهيئة السياسية رضوان الأطرش قال لزيتون: “تتجلى وسائل تنفيذ أهداف الهيئة السياسية بإصدار البيانات السياسية التي تترافق مع كل حدث سياسي، والتي يعتمد عليها العمل السياسي بشكل رئيسي، بالإضافة لنقل صورة ما يجري في الداخل إلى الخارج، وما يجري في الخارج إلى الداخل، وبلورة الأحداث السياسية بكل شفافية ومصداقية، ومن أهم إنجازات الهيئة السياسية إطلاق سراح 400 معتقل من سجون فصائل عفرين عبر عملية سياسية إنسانية قامت بها الهيئة، بالإضافة لخطاب وجهته الهيئة السياسية إلى فصائل الداخل لإطلاق سراح المعتقلين في سجونها، ومتابعتها لتشكيل جميع النقابات في محافظة إدلب، كما قامت الهيئة بمساعدة لجنة التحقيق الدولية حول موضوع مجزرة الكيماوي في مدينة خان شيخون، وكان للهيئة السياسية في محافظة إدلب حضور مميز في جميع الفعاليات في المحافظة”.
تركز الهيئة السياسية على فكرة تواجدها في الداخل، وتعطي هذه النقطة مصداقية لمواقفها، وذلك باحتكاكها ومعايشتها للشارع والناس، لكن بالمقابل تدفع الهيئة ثمن هذا التواجد سياسيا، لا سيما في القضايا المتعلقة بسلوكيات الفصائل المسيطرة على الأرض ما يعيد السؤال حول قدرتها على التعبير.

نائب رئيس الهيئة السياسية للشؤون السياسية “محمد الخالد” يرى أن الغاية من وجود الهيئة هو إيجاد البديل الحقيقي لغياب صوت الداخل في الخارج وتمثيله، والذي يصفه بأنه متروك للسلاح والموت فقط، مع استئثار مؤسسات المعارضة في الخارج بتمثيل مطالب الشارع دون معرفتها بها، إضافة إلى أن وجود هيئات سياسية في الداخل، وممارسة العمل المدني تحت راية الثورة، ينفي السواد عن الداخل بشكل عام وإدلب بشكل خاص، ويظهر للعالم أن هناك ثورة وثوار وليس فكر إرهابي أو متطرف.

محاولات التواصل الدولي

من بين أبرز النقاط التي قدمتها الهيئة مشروع متكامل تحت عنوان مبادرة الحل السياسي في سوريا، تم صياغتها في الشهر السادس من عام 2017 وتم نشرها في الشهر العاشر من نفس العام باللغتين العربية والإنكليزية.

وتمكنت الهيئة كذلك من الوصول عبر وسطاء لخارجيات دول أوروبية وإقليمية، مع استمرار المحاولات للتواصل مع الخارجية التركية وقيادات حزب العدالة والتنمية.

وبحسب الخالد فإن “كل الدول الإقليمية والعظمى تعاملت مع الداخل السوري في موضوعين اثنين فقط، هما الموضوع العسكري حيث لكل دولة فصيل تدعمه وتوجهه، والموضوع الإنساني الذي يتم عن طريق المنظمات والمجالس المحلية، وأغفلت جميعها التعامل مع المكونات السياسية الثورية في الداخل بحكم أنها تتعامل وفق مصالحها مع الائتلاف السوري المعارض في الخارج وبعده الهيئة العليا للمفاوضات بنسختيها 1 و2”.

وبشأن العلاقة والتواصل مع روسيا يرى الخالد أن الهيئة السياسية تعتبر روسيا دولة معادية، ولا وجود لأي نية للتواصل معها.

كما أسفَ الخالد على امتناع الدول العربية عن تقديم أي مساعدة لهم، بخصوص التواصل مع خارجياتهم، مبيناً أن كل ما تم إنشاؤه من قنوات تواصل مع وزارات الخارجية الأوروبية، ومع مكتب ديمستورا ومكتب الأمين العام للأمم المتحدة، وتمكنهم مؤخرا من التواصل مع وزارة الخارجية لدولة الكويت، كونها عضو غير دائم في مجلس الأمن، كان بهدف تقديم المساعدة في ضوء ما يحصل في الغوطة الشرقية.

وكان للهيئة السياسية موقفاً رافضاً لاتفاقية المدن الأربعة، معتبرة أنه اعتداء على حق الحياة في الملكية الخاصة لأي مواطن، إضافة إلى تساوقه مع مشاريع التغيير الديموغرافي الذي جرى سابقاً في كل من القصير وحمص ثم داريا والزبداني.

ودعت الهيئة إلى وقف تنفيذ هذه الاتفاقية العدائية للشعب السوري كونها تخالف أهداف ثورته وحقوقه المشروعة وتلبي أجندات خارجية مفروضة بقوة السلاح والمال السياسي وبالنسبة لمجزرة السارين في خان شيخون كنا أول من تجاوب مع أحداثها وقدم مداخلات إعلامية تسلط الضوء عليها، كما كنا الفريق المعتمد لمرافقة لجنة التحقيق المختصة في هذه الجريمة، بحسب “الخالد”.

انتقادات حول هيئة تحرير الشام

أثار حضور الهيئة السياسية في محافظة إدلب للمؤتمر التأسيسي لمبادرة حكومة الإنقاذ التي أطلقها “مجموعة من الأكاديميين” والتابعة لهيئة تحرير الشام انتقادات واسعة لدى المهتمين بالشأن العام، وذلك بسبب التناقض في تقديم الهيئة لنفسها وأهدافها، وبين هدف المؤتمر وتسخيره من قبل هيئة تحرير الشام لأجندتها.

وفي رده عن موقف الهيئة السياسية من حركة تحرير الشام وسيطرتها على كامل المحافظة قال نائب رئيس الهيئة السياسية محمد الخالد:

نحن كهيئة سياسية مدنية تضم قادة المجتمع المدني في محافظة إدلب، ليس لنا أي علاقة بالفصائل، ولا يوجد تعامل أو تنسيق أو تمثيل لأي فصيل معنا، سواء أكانت فصائل متطرفة أو معتدلة أو حتى فصائل جيش حر، نحن كيان مدني والهيئة السياسية هي حامل لأهداف الثورة المتمثلة بالحرية والعدالة والمساواة والمواطنة، في حال وجود هيكلية حقيقية لمؤسسة جيش حر قادرة على حمل أهداف ومبادئ الثورة وتطبيقها على الأرض وحمايتها فنحن معها”.

وأضاف الخالد:

“موقفنا من أية سيطرة أخرى هو وجوب توجهها لتحرير المناطق والدفاع عنها، والابتعاد عن الحياة المدنية، وأن تكون البندقية في خدمة الثورة السياسية”.

وعن سؤال حول عدم وضوح موقف الهيئة السياسية من هيئة تحرير الشام وهي أكبر فصيل مسيطر بشكل كامل على محافظة إدلب، وغياب أي بيان لها في هذا الشأن، أوضح الخالد أنه من غير الضروري في كل بيان، أن يتم ذكر معاداة الهيئة لسيطرة أي فصيل على الحياة المدنية، معتبرا أن عملهم على الأرض ونهجهم المشروع وهويتهم تعبر عن ذلك، مؤكدا تعرض زملاء لهم في الهيئة للخطف والاعتقال والتضييق من قبل هيئة تحرير الشام.

من جانبه ينتقد الناشط السياسي “حسين أمارة” موقف الهيئة السياسية بعد حضورها لمؤتمر حكومة الإنقاذ بقوله: “الهيئة السياسية في محافظة إدلب دمرت نفسها بنفسها، وذلك لمشاركتها بالإجتماع التأسيسي لحكومة الإنقاذ، وهذا أشعر الناس بأنهم بدون موقف من هيئة تحرير الشام (جبهة النصرة) التي أضرت بالثورة السورية وأفقدتهم المصداقية، وليس لديهم الآن أي رصيد جماهيري، لهم اسمهم فقط”.
وفي رده على الانتقادات قال رئيس الهيئة السياسية “عاطف زريق” لزيتون: “تم تمرير قرار حضور الاجتماع التأسيسي لحكومة الإنقاذ في ولاية الرئيس السابق رضوان الأطرش، رغم اعتراض غالبية أعضاء الأمانة العامة في الهيئة، لكن رئيس الهيئة الأطرش، تمكن من الحصول على أكثرية أصوات المكتب التنفيذي صاحب الصلاحية بإصدار القرارات بحسب النظام الداخلي، وتم حضور المؤتمر، بعد تلقيه وعوداً بأن حكومة الإنقاذ لا تمثل أي فصيل، ووعودا أخرى بحق الهيئة السياسية بوضع شروط العمل السياسي في محافظة إدلب، وقد اكتشفنا لاحقا خداعنا بهذا الأمر”.

ويضيف رئيس الهيئة: “قمنا مؤخراً بإصدار مبادرة لإيقاف الاقتتال بين الفصائل في الشمال السوري، ودعينا بشكل صريح في أحد بنودها إلى حل حكومة الإنقاذ كونها شكلت من فصيل واحد، وأرى أن حضور الهيئة للمؤتمر التأسيسي لحكومة الإنقاذ شكل نقطة انتقاد لها”.

وفي بيان لها حول الإنذار الذي وجهته حكومة الإنقاذ لإغلاق مكاتب الحكومة المؤقتة في الشمال السوري بتاريخ 12 كانون الأول من العام الماضي، أدان البيان واستنكر تصريحات أحد موظفي الحكومة المؤقتة، كما طالب باتخاذ إجراءات قانونية من قبل الحكومة المؤقتة بحقه.

ولا تعترف الهيئة السياسية بأي حكومة، وهي ضد أي حكومة تتشكل في الداخل المحرر، وذلك تجنبا لتقسيم البلد بحسب الخالد الذي أردف: “هناك حكومة مؤقتة، وحكومة إنقاذ، وحكومة pyd، عدا عن حكومة النظام، هذا يعني أربع حكومات لسوريا وهذا مصدر خوف لنا كهيئة سياسية لأنه يعبر عن واقع تقسيمي”.

وتساهم الهيئة حاليا بالعمل على تجميع الهيئات السياسية المشكلة في المحافظات الأخرى في جسم واحد هو الهيئة السياسية السورية في الداخل، يكون هو الممثل الحقيقي الثوري، وصوت الداخل المعبر عن أهداف وتطلعات السوريين، وهو ما يعطي وزنا سياسيا أكبر، إذ يوجد فرق كبير عندما تتحدث باسم هيئة سياسية لمحافظة إدلب، وبين أن تتحدث باسم تسع هيئات سياسية، يتم الآن تشكيل لجنة تحضيرية لاندماج هذه الهيئات في جسم واحد، بحسب الخالد.

من جانبه يفترض الناشط السياسي يسار باريش عدم وجود ترتيب للمهام، ما يعطي انطباعا بوجود قنوات تواصل من قبل بعض أفراد الهيئة ببعض الفصائل، وقد يخضعون لبعض الضغوط، وبالتالي تتراجع قدرتهم على امتلاك القرار السياسي المستقل، لكنه يؤيد وجود الهيئة على أمل تحقيق جهد تراكمي يصل إلى هيئة سياسية على مستوى سوريا، لأن ارتهان الأجسام السياسية في الخارج أسوأ بكثير من الارتهان النسبي للهيئة السياسية في إدلب من خلال بعض الأشخاص وعبر بعض قنوات التواصل مع الفصائل وعلى رأسهم ما يسمى بحكومة الإنقاذ.
ويصف الناشط مروان دغيم تجربة الهيئة السياسية بالجيدة، لكنها دون المستوى المطلوب، شأنها شأن كل الأجسام السياسية سواء داخل أو خارج البلد، مؤكداً: “الكل يعلم أننا خارجين من رحم الاستبداد ولدينا تصحر على كافة المستويات، لا أعتقد حاليا وحسب الواقع الذي تعيشه الهيئة السياسية في ظل سيطرة القوى المناوئة للثورة أنها قادرة على بلورة رأي سياسي يمثل الناس، لأن تمثيل الناس يحتاج إلى جو من الحرية وهذا الجو حاليا مفقود”.

ويرى دغيم أن من أحد أخطاء الهيئة السياسية أنها حصرت عضويتها على الأفراد داخل البلد، علما أن الأجسام السياسية عادة تستقطب أكبر عدد من الناس وتستفيد من خبراتهم وتجاربهم بشكل عام، مشيراً إلى أن دورها كان إعلامياً أكثر مما هو سياسي، لافتاً إلى اقتصار عملها على الاجتماعات والبيانات لأحداث كانت تمر على الساحة السورية، ببيانات خجولة غير قادرة على قول كلمة الحق وممارسة دور سياسي حقيقي وواضح، وهذا ما يحتاجه الشعب السوري بحسب الدغيم.

لا شك أن العمل السياسي في المناطق التي تشهد معارك واقتتال فصائلي وصراع سلطوي هو عمل في حقل ألغام محفوف بالمخاطر، لكن من يتقدم لتمثيل صوت الثورة وأهدافها يتعيّن عليه تحمل مسؤولية كبيرة أقلها مواجهة السلاح وانحراف البوصلة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*