الأسواق الإلكترونية في إدلب ما بين الرفاهية والحاجة

زيتون – أسامة شهاب

لم يكن يتخيل السوريون يوماً أن يكون لهم أسواقاً افتراضية في عالم “فيس بوك” تغنيهم عن الذهاب للأسواق العامة بكثير من الاحتياجات، إلا أن هذا الأمر الغير متوقع سابقاً بات حقيقة اليوم في ظل الظروف الحالية التي هيأت الأرضية له، حيث أن الاستهداف المتكرر للأسواق من طائرات النظام وروسيا، ووقوع العديد من المجازر فيها جعلت من الأسواق العامة مكاناً خطيراً على الناس، لاسيما وأنها أماكن للتجمعات التي تبحث عنها طائرات القتل.

وبالبحث عن بديل سهل توفر معطيات انتشار خدمات الإنترنت بأسعارها الجيدة وما رافقها من انتشار لثقافة التواصل الاجتماعي، تم توفير عشرات الأسواق الإلكترونية في محافظة إدلب.

كل ما يخطر ببالك، من سيارات ودراجات نارية، إلى المضخات والمحاصيل الزراعية، والموبيليا، إلى العقارات والبيوت والأراضي الزراعية، تجدها معروضة بتفاصيلها وبإمكانية الإطلاع عليها بشكل واف، دون وجود أية مخاطر في عمليات نقل الملكية والغش، هذه المزايا ساهمت في ازدهار هذه المواقع وزخمها وارتيادها من قبل الأهالي.

“علاء الدين الأحمد” تاجر غرف النوم في سهل الروج، لم يعد يحتاج حتى لمحل يعرض فيه بضاعته، حيث يقول لجريدة زيتون: “أنا مشترك بعدة أسواق على الفيس بوك، وأعرض بضاعتي عليها فغرفة النوم التي لا تباع بأول منشور تباع بمنشور غيره، كامل بضاعتي تباع بهذا الشكل”.

كما أن هذا النوع من التسوق يوفر على التجار جهداً ومالاً إضافة للأمان، كما يروي “الأحمد” حيث يقول: “أعرض غرفة النوم بسعر أرخص بثلاثين ألف ليرة سورية عن مثيلتها بالمحلات، فليس لدي تكاليف محل، وأقوم بإيصالها للزبون الذي يشتريها، وهكذا أحصل على أجور النقل أيضاً، ومن جانب آخر تصل للزبون دون عناء أو مخاطرة وبسعر أرخص وهذا المطلوب لدى جميع الناس اليوم”.

مؤسس ومدير سوق كفرنبل التجاري الإلكترونية “أحمد اسعد الشبلي” تحدث لزيتون عن تجربته قائلاً: “أنشأت هذا السوق في بدايات عام 2016، أسوة بالأسواق المنتشرة في المناطق الأخرى، وكان هدفي تسهيل عمليات البيع والشراء على الأهالي، وكنت أدير السوق بمفردي، أما الآن فقد وصل عدد المشتركين بالسوق إلى أكثر من سبعة وعشرون ألف عضو، وأصبح معي 3 مشرفين على السوق”.

وأضاف “الشبلي”: “أكثر البضائع التي يتم تداولها في الأسواق الإلكترونية هي الدراجات النارية والهواتف النقّالة والسيارات، تليها غرف النوم والعقارات، ونسبة الاستفادة منه عالية، حيث أتابع الكثير من عملية بيع تتم عبره، بالإضافة إلى نتيجة استبيان قمت بإعداده حول فائدة السوق، وصوّت خمسون بالمئة من الأعضاء إيجاباً

آلية العرض والشراء

يفترض بالبائع أن يقوم بتصوير بضاعته بطريقة شاملة، بشكل يسمح للمتسوق أن يعاينها بشكل واضح، مرفقاً الصور بشرح نصي عن مزاياها وعيوبها وسعرها في منشور على السوق الإلكتروني، تبدأ بعدها عملية التفاوض بالتعليقات عليه حتى تتم عملية البيع.

يقول المدرس “محمد الخالد” الذي باع سيارته بسوق “سرمدا الإلكتروني لتجارة السيارات”: “قمت بتصوير السيارة عشرة صور، بحيث أظهرت كل جوانبها وفرشها ومحركها، وبعد الاتفاق مع المشتري عبر دردشة خاصة تم الاتفاق على التفاصيل ليحضر بعدها ويشتريها”.

وهناك طريقة أحياناً للشراء تعتمد أسلوب عكسي، حيث ينشر شخص عالسوق أحتاج لسلعة كذا مثلاً بمواصفات معينة، ومن يملك مثل هذه السلعة يقوم بعرضها عليه.

“سامي الحسين” أحد أبناء مدينة سلقين من الأشخاص الذين استفادوا من الأسواق عدة مرات، قال لنا: “اشتريت دراجة نارية عبر سوق سرمدا التجاري على أسلوب العرض بالصور والمنشور، واشتريت جوال من سوق جوالات بأسلوب الطلب من السوق، حيث نشرت حاجتي لجوال سامسونغ من طراز جالكسي جي5 جيد، فقام عدة أشخاص بالتعليق وكان لديهم طلبي واتفقت بالنهاية مع أحدهم”.

تصنيفات الأسواق الإلكترونية

تصنف هذه الأسواق إلى نوعين، تبعاً للمنطقة أو نوع البضاعة، إذ تُسمى الأسواق بأسماء مناطقها مثل “سوق أريحا التجاري، سوق سرمدا، سوق حارم” وغيرها الكثير من الأسواق الأخرى.

أما الأسواق النوعية فهي التي تنشأ وتختص بنوع محدد من البضائع كسوق السيارات، أو سوق الطيور، أو سوق الجوالات وغيرها من الأنواع الأُخرى.

ولهذه الأسواق إيجابيات وسلبيات، ويعتبر عامل الأمان والحماية من التعرض للخطر في الأسواق الشعبية من أهم إيجابيات هذه الأسواق، كما أنها تشكل صلة وصل تجارية بين مدن وبلدات المحافظة، ودون سماسرة وأجور تنقلات وغيرها، فهي توفر على الأهالي الجهد والمال بالبحث عن احتياجاتهم، ويجعلهم على إطلاع دائم بالبضائع المعروضة للبيع وأسعارها ومواصفاتها وأماكن تواجدها، بالإضافة إلى أنها تحد من عمليات السرقة، إذ لا يمكن عرض المسروقات في هذه الأسواق، لأنها المكان الأول الذي يتم البحث فيه عنها، ولكنها مع ذلك تحدث في بعض الأحيان، ولكن في حالات نادرة، بحسب أحد مشرفي سوق ادلب للمستعمل “محمود اليمان”.

كما أن لهذا النوع من الأسواق ميزة إضافية، في عرض السلع والبضائع على عدد هائل من المتسوقين، وهو ما يحقق عرضاً جيداً قد لا تحصل عليه في الأسواق الواقعية، ما يمنحها نسبة أكبر بالرواج والتسويق، كما يمكن أن يجذب أناس لتسوق سلع لم تكن تنوي شرائها بحكم الحاجة، إنما جذبهم حب التجارة والربح.

وعن السلبيات والمخاطر يقول “اليمان”: تَبدر بعض الإساءات من حسابات عابثة، كون السوق إلكتروني، نقوم نحن الإدارة بإزالتها، كما أن أسلوب التصوير لا ينقل كل مواصفات السلعة بدقة، فقد يظلمها أو يخفي عيوبها، لكن بكل الأحوال إيجابيات الأسواق تطغى على سلبياتها القليلة.

تستمر الحياة ولو تغيرت مسالكها، هذا حال السوريين الذين يبدعون في تلائمهم مع الظروف، فإن منعتهم الطائرات من الالتقاء بالأسواق العامة، يلتقون بأسواق إلكترونية، يتحدون قاتلهم ومدمر أسواقهم ومحلاتهم بأسلوب حضاري، لم يصلوا إليه رفاهية، بل بسبب الحاجة والإبداع.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*