الوعي السياسي بعد سبع سنوات من الثورة.. الهيئة السياسية بإدلب نموذجا

خاص زيتون

نشوء التجمعات السياسية في إدلب.. الهيئة السياسية نموذجا

لم يكن واقع الحرب والعسكرة وسيطرتها على المشهد السوري خلال سنوات الثورة خياراً أراده السوريون، بل هو واقع فرضته الظروف، وكان لابد من محاولات للتخلص منه وتفعيل الدور السياسي، أو على الأقل خلق أجسام سياسية توازي خط العسكرة وتأخذ مكانها، انبثقت عن هذه الضرورات عدة تجارب كان منها الهيئة السياسية في محافظة إدلب، كجهة حاولت لعب دورٍ سياسيٍّ محليٍّ.

 
 

وتعرف الهيئة نفسها بأنها جسم سياسي مدني ولد في محافظة إدلب، تؤمن بضرورة العمل السياسي، وتتبنى مشروع الثورة وأهدافها بنيل الحرية، وتسعى لتكون الممثل السياسي لها.
بدأ الشروع في تشكيل الهيئة بعد اجتماع ما يقارب مئة ناشط ثوري، إيماناً منهم بضرورة تشكيل جسد سياسي داخلي بالمحافظة، لاسيما وأن معظمهم عمل بتنسيقيات الثورة السياسية في مختلف مناطق المحافظة سابقاً.

مخاض فكرتها وظروف نشأتها
من فكرة لناشط شاركها مع نشطاء آخرين بالتفكير والتخطيط والعمل، لتجميع نشطاء إدلب في جسد سياسي واحد، بدأت فكرة الهيئة التي تحدث صاحبها ورئيسها السابق “رضوان الأطرش” لزيتون عن فترة المخاض الأولى، وعن مرحلة تأسيس وولادة الهيئة قائلاً: “بدأت الهيئة السياسية بمحافظة إدلب، كفكرة بعد تحرير إدلب بما يقارب 10 أيام، من خلال اجتماع نسق له في قرية “عين لاروز” جنوب إدلب، في 6 إبريل لعام 2015، ضم ما يقارب السبعين ناشطاً، تم فيه نقاش أوضاع المحافظة بشكل عام، ثم تم طرح فكرة عمل سياسي على مستوى المحافظة، لتتطور المناقشات بعد هذا الاجتماع بين النشطاء وتزداد رقعتها على مستوى العدد والمناطق”.
وأضاف الأطرش: “نتج عن توسيع مشاوراتنا مع غالب نشطاء المحافظة، عقد اجتماع موسع في مدينة “بنش” في 13 كانون الأول 2015، ضم حوالي مئتي ناشط، ومن خلال هذا الاجتماع تم وضع خطة العمل للهيئة السياسية.

تبع اجتماع بنش أحد عشر ملتقى، أجرتها الهيئة بشتى مناطق محافظة إدلب على مدى عام 2016، ونتيجة لهذه اللقاءات تم عقد المؤتمر التأسيسي الأول في بلدة “كفر تخاريم” في 24 من تشرين الأول 2016، والذي ضم 106 أعضاء من المؤسسين، ممثلين لكافة دوائر إدلب، تم فيه انتخاب رئيسا للهيئة وتكليف مكتب تنفيذي لدورة مدتها عام.

الظروف المحيطة
كانت الفترة مناسبة لولادة أي جسد سياسي بحسب رؤية نشطاء المحافظة، ومع وجود عقبات بسيطة لا تذكر، إلا أن عقبة وحيدة احتاجت من الهيئة عملاً وجهداً وتخطيط لتجاوزها، أوضحها الأطرش لزيتون: “موضوع العسكرة والفصائلية كان التحدي الأكبر لنا، وبعد لقائنا بمعظم الفصائل العسكرية مثلهم مثل كل الجهات الثورية، طرحوا أن يكون لكل فصيل ممثل بالهيئة، وطبعاً تم رفض هذا الطلب، وكان ردنا أننا جهة مدنية سياسية لا يمكن للعسكرة أن تدخل بها”.

أهداف نشوء الهيئة وبنيتها التنظيمية:
كان الهدف الأساسي من نشوء الهيئة السياسية في محافظة إدلب هو إيجاد جسم سياسي حقيقي في الداخل، يمثل الثورة سياسياً، ويكون صوتها الحقيقي، ويقوم في أساسه على الركيزة الشعبية الثورية والمديريات ومجموع الناشطين في المحافظة، بحسب “الأطرش”.
وبالإضافة للهدف الأساسي هناك أهداف عامة بعيدة قامت عليها الهيئة، تحدث عنها مدير مكتب العلاقات العامة في الهيئة السياسية بإدلب “غانم خليل” لزيتون: “من أهم أهداف الهيئة إسقاط النظام المجرم بكافة رموزه وأشكاله، والعمل على تحقيق عدالة اجتماعية شاملة، وضمان الحريات العامة والحقوق الجماعية والفرعية، والمحافظة على مؤسسات الدولة وإعادة تفعيلها، والعمل على ربط التربية بالتنمية”.
وتعتمد الهيئة السياسية في بنيتها التنظيمية على سبع دوائر موزعة في مناطق محافظة إدلب، تسمى وفقاً لمناطق توزعها “دائرة أريحا، دائرة خان شيخون، دائرة معرة النعمان، دائرة إدلب، دائرة حارم، دائرة جسر الشغور”، بالإضافة إلى الدائرة الجديدة التي تم استحداثها في الدورة الجديدة وهي خاصة بمدينة إدلب، وذلك بعد طلب من أبناء منطقة إدلب، لتبقى دائرة إدلب القديمة مختصة بريف إدلب القريب من المدينة، وتطلّب استحداث الدائرة تعديل النظام الداخلي من قبل المكتب التنفيذي الجديد بما يتناسب مع ذلك، بحسب “الخليل”.
ويشرف على هذه الدوائر مكتب تنفيذي يتكون من رئيس الهيئة ونائبين اثنين وعشرة أعضاء، يترأسون المكاتب “السياسي، القانوني، التخطيط الاستراتيجي، الإعلامي، المالي، العلاقات العامة، التنظيم والإدارة، التنسيق والمتابعة، المنظمات والدعم الإنساني، الارتباط العسكري”، وفقاً لمدير مكتب العلاقات العامة في الهيئة السياسية بإدلب.

وتضم الهيئة أكثر من 500 عضواً، ويتم الأخذ بعين الاعتبار في الأمانة العامة للهيئة المعيار السكاني، بحيث يكون لكل منطقة في إدلب عدد من الأصوات يتناسب مع الحجم السكاني فيها، فعلى سبيل المثال مثّل مدينة خان شيخون عشرة أعضاء، بينما مثّل مدينة إدلب 30 عضواً من أعضاء الأمانة العامة للهيئة، بحسب “الأطرش”.

وأضاف الرئيس السابق للهيئة السياسية في محافظة إدلب: “للهيئة السياسية في محافظة إدلب، نظام داخلي ناظم لجميع أعمالها، يوضح أهداف الهيئة وبرنامجها، ومهام كل مكتب، ومهام الأمانة العامة، والمهام التنفيذية التنظيمية، والعقوبات الإدارية وغيرها، ومن خلال هذه الهيئة استطعنا أن ننقل التجربة إلى باقي المحافظات، والآن لدينا هيئات سياسية في سوريا، شكلت الهيئة السياسية في إدلب النواة لهذه الهيئات”.
وعن آلية الانتساب للهيئة السياسية ومحدودية قبولها للمتقدمين بطلبات الانتساب، يقول رئيس دائرة أريحا في الهيئة السياسية والناطق الرسمي باسمها “عبد العزيز عجينة” لزيتون: “إن عدد أعضاء الهيئة السياسية في تزايد مستمر، ومن الصعب قبول كل المتقدمين بطلبات، نظراً إلى مخاطر الاجتماعات بأعداد كبيرة في ظل الهجمات الجوية والقصف المستمر، والعدد الحالي يزيد عن 500 عضو”.
ويتابع “العجينة” قائلاً: “يتم التقدم بطلب انتساب للراغبين، ويتقدم للدائرة حسب المنطقة، وبتزكية من عضوين من الهيئة السياسية، وفي حال اقتراح الموافقة يُحال الطلب لمكتب التنظيم، ويتم الموافقة بناء على مطابقة طالب أو طالبة الانتساب للشروط المعتمدة في الهيئة السياسية، والتي من أهمها أن لا يكون المنتسب ممن تلطخت أيديهم بدم أو مال حرام خلال الثورة وغير مرتبط بجهة عسكرية”.

آراء نشطاء ومثقفين من المجتمع بالهيئة:
“أحمد صباح” ناشط مدني يرى في طريقة تأسيس الهيئة والانتخابات التي تم فيها انتقال رئاستها ديمقراطية واعدة، ورغم اقتصار عملها على إصدار البيانات بغض النظر عن مدى قدرتها على إيصال صوتها للجهات التي خاطبتها كالمنظمات الأممية، كانت ضرورية كرأي سياسي يقدم الخيار والموقف تجاه قضايا خطرة كمجزرة خان شيخون للسوريين والعالم.
ويرجع “الصباح” عدم ميله للعمل السياسي أو لأية تيارات سياسية إلى الحالة السلبية في الأربعين عاماً الماضية من المزاودة والمتاجرة بالشعارات، ودائماً تكون على حساب العمال والفلاحين، ما دفعه إلى الظن بأن كل سياسي كاذب، مؤكداً أن الواقع الآن بحاجة للعمل السياسي.
ويعتقد “محمد علي الطويل” بعدم وجود تيار سياسي ناجح الآن، مستدلا بما وصلت إليه الثورة من تراجع كبير، ويرى أن للسياسيين القدامى القدرة على قيادة الثورة، لما لهم من خبرة وعلاقات دولية لكن المؤسف اعتزالهم أو عزلهم عن العمل السياسي.
وانتقد “خالد القاطوف” الهيئة السياسية بسبب ضيق قاعدتها الشعبية، رغم أنها كفكرة جيدة وضرورية، ولا سيما أنها الأكثر نشاطا الآن، إلا أنها بهذه القاعدة البسيطة لا تستطيع التأثير على الشارع، كما أن انتقائيتها لأعضائها في المناطق ومحدودية قبولها للأعضاء يؤثر على انتشارها.
الناشط السياسي وعضو التجمع الثوري السوري “حسين أمارة” يرى أن كل التجمعات السياسية في الساحة السورية هزيلة بما فيها الهيئة السياسية، وهي عاجزة عن بلورة رأي سياسي يمثل الناس، كما أنها بعيدة كل الُبعد عن تطبيق أي قرار على أرض الواقع، ويحمل المسؤولية في ذلك للجميع، مدنيين وسياسيين، مرجعا السبب إلى غياب النضج السياسي.

مواقف الهيئة السياسية في العقد المفصلية بإدلب

يرى الكثيرون أن نشاط الهيئة المقتصر على إصدار البيانات السياسية نشاطاً غير كافٍ لتحقق الهيئة أهدافها المطروحة في تمثيل الثورة، أو استقطاب الشارع السياسي، مرجعين السبب في عدم أخذ دورها إلى عدة عوامل منها داخلية تتعلق بسياسة الهيئة، وأخرى خارجة عن إرادة قيادتها.

 
 

الرئيس السابق للهيئة السياسية رضوان الأطرش قال لزيتون: “تتجلى وسائل تنفيذ أهداف الهيئة السياسية بإصدار البيانات السياسية التي تترافق مع كل حدث سياسي، والتي يعتمد عليها العمل السياسي بشكل رئيسي، بالإضافة لنقل صورة ما يجري في الداخل إلى الخارج، وما يجري في الخارج إلى الداخل، وبلورة الأحداث السياسية بكل شفافية ومصداقية، ومن أهم إنجازات الهيئة السياسية إطلاق سراح 400 معتقل من سجون فصائل عفرين عبر عملية سياسية إنسانية قامت بها الهيئة، بالإضافة لخطاب وجهته الهيئة السياسية إلى فصائل الداخل لإطلاق سراح المعتقلين في سجونها، ومتابعتها لتشكيل جميع النقابات في محافظة إدلب، كما قامت الهيئة بمساعدة لجنة التحقيق الدولية حول موضوع مجزرة الكيماوي في مدينة خان شيخون، وكان للهيئة السياسية في محافظة إدلب حضور مميز في جميع الفعاليات في المحافظة”.
تركز الهيئة السياسية على فكرة تواجدها في الداخل، وتعطي هذه النقطة مصداقية لمواقفها، وذلك باحتكاكها ومعايشتها للشارع والناس، لكن بالمقابل تدفع الهيئة ثمن هذا التواجد سياسيا، لا سيما في القضايا المتعلقة بسلوكيات الفصائل المسيطرة على الأرض ما يعيد السؤال حول قدرتها على التعبير.

نائب رئيس الهيئة السياسية للشؤون السياسية “محمد الخالد” يرى أن الغاية من وجود الهيئة هو إيجاد البديل الحقيقي لغياب صوت الداخل في الخارج وتمثيله، والذي يصفه بأنه متروك للسلاح والموت فقط، مع استئثار مؤسسات المعارضة في الخارج بتمثيل مطالب الشارع دون معرفتها بها، إضافة إلى أن وجود هيئات سياسية في الداخل، وممارسة العمل المدني تحت راية الثورة، ينفي السواد عن الداخل بشكل عام وإدلب بشكل خاص، ويظهر للعالم أن هناك ثورة وثوار وليس فكر إرهابي أو متطرف.

محاولات التواصل الدولي

من بين أبرز النقاط التي قدمتها الهيئة مشروع متكامل تحت عنوان مبادرة الحل السياسي في سوريا، تم صياغتها في الشهر السادس من عام 2017 وتم نشرها في الشهر العاشر من نفس العام باللغتين العربية والإنكليزية.

وتمكنت الهيئة كذلك من الوصول عبر وسطاء لخارجيات دول أوروبية وإقليمية، مع استمرار المحاولات للتواصل مع الخارجية التركية وقيادات حزب العدالة والتنمية.

وبحسب الخالد فإن “كل الدول الإقليمية والعظمى تعاملت مع الداخل السوري في موضوعين اثنين فقط، هما الموضوع العسكري حيث لكل دولة فصيل تدعمه وتوجهه، والموضوع الإنساني الذي يتم عن طريق المنظمات والمجالس المحلية، وأغفلت جميعها التعامل مع المكونات السياسية الثورية في الداخل بحكم أنها تتعامل وفق مصالحها مع الائتلاف السوري المعارض في الخارج وبعده الهيئة العليا للمفاوضات بنسختيها 1 و2”.

وبشأن العلاقة والتواصل مع روسيا يرى الخالد أن الهيئة السياسية تعتبر روسيا دولة معادية، ولا وجود لأي نية للتواصل معها.

كما أسفَ الخالد على امتناع الدول العربية عن تقديم أي مساعدة لهم، بخصوص التواصل مع خارجياتهم، مبيناً أن كل ما تم إنشاؤه من قنوات تواصل مع وزارات الخارجية الأوروبية، ومع مكتب ديمستورا ومكتب الأمين العام للأمم المتحدة، وتمكنهم مؤخرا من التواصل مع وزارة الخارجية لدولة الكويت، كونها عضو غير دائم في مجلس الأمن، كان بهدف تقديم المساعدة في ضوء ما يحصل في الغوطة الشرقية.

وكان للهيئة السياسية موقفاً رافضاً لاتفاقية المدن الأربعة، معتبرة أنه اعتداء على حق الحياة في الملكية الخاصة لأي مواطن، إضافة إلى تساوقه مع مشاريع التغيير الديموغرافي الذي جرى سابقاً في كل من القصير وحمص ثم داريا والزبداني.

ودعت الهيئة إلى وقف تنفيذ هذه الاتفاقية العدائية للشعب السوري كونها تخالف أهداف ثورته وحقوقه المشروعة وتلبي أجندات خارجية مفروضة بقوة السلاح والمال السياسي وبالنسبة لمجزرة السارين في خان شيخون كنا أول من تجاوب مع أحداثها وقدم مداخلات إعلامية تسلط الضوء عليها، كما كنا الفريق المعتمد لمرافقة لجنة التحقيق المختصة في هذه الجريمة، بحسب “الخالد”.

انتقادات حول هيئة تحرير الشام

أثار حضور الهيئة السياسية في محافظة إدلب للمؤتمر التأسيسي لمبادرة حكومة الإنقاذ التي أطلقها “مجموعة من الأكاديميين” والتابعة لهيئة تحرير الشام انتقادات واسعة لدى المهتمين بالشأن العام، وذلك بسبب التناقض في تقديم الهيئة لنفسها وأهدافها، وبين هدف المؤتمر وتسخيره من قبل هيئة تحرير الشام لأجندتها.

وفي رده عن موقف الهيئة السياسية من حركة تحرير الشام وسيطرتها على كامل المحافظة قال نائب رئيس الهيئة السياسية محمد الخالد:

“نحن كهيئة سياسية مدنية تضم قادة المجتمع المدني في محافظة إدلب، ليس لنا أي علاقة بالفصائل، ولا يوجد تعامل أو تنسيق أو تمثيل لأي فصيل معنا، سواء أكانت فصائل متطرفة أو معتدلة أو حتى فصائل جيش حر، نحن كيان مدني والهيئة السياسية هي حامل لأهداف الثورة المتمثلة بالحرية والعدالة والمساواة والمواطنة، في حال وجود هيكلية حقيقية لمؤسسة جيش حر قادرة على حمل أهداف ومبادئ الثورة وتطبيقها على الأرض وحمايتها فنحن معها”.

وأضاف الخالد:

“موقفنا من أية سيطرة أخرى هو وجوب توجهها لتحرير المناطق والدفاع عنها، والابتعاد عن الحياة المدنية، وأن تكون البندقية في خدمة الثورة السياسية”.

وعن سؤال حول عدم وضوح موقف الهيئة السياسية من هيئة تحرير الشام وهي أكبر فصيل مسيطر بشكل كامل على محافظة إدلب، وغياب أي بيان لها في هذا الشأن، أوضح الخالد أنه من غير الضروري في كل بيان، أن يتم ذكر معاداة الهيئة لسيطرة أي فصيل على الحياة المدنية، معتبرا أن عملهم على الأرض ونهجهم المشروع وهويتهم تعبر عن ذلك، مؤكدا تعرض زملاء لهم في الهيئة للخطف والاعتقال والتضييق من قبل هيئة تحرير الشام.

من جانبه ينتقد الناشط السياسي “حسين أمارة” موقف الهيئة السياسية بعد حضورها لمؤتمر حكومة الإنقاذ بقوله: “الهيئة السياسية في محافظة إدلب دمرت نفسها بنفسها، وذلك لمشاركتها بالإجتماع التأسيسي لحكومة الإنقاذ، وهذا أشعر الناس بأنهم بدون موقف من هيئة تحرير الشام (جبهة النصرة) التي أضرت بالثورة السورية وأفقدتهم المصداقية، وليس لديهم الآن أي رصيد جماهيري، لهم اسمهم فقط”.
وفي رده على الانتقادات قال رئيس الهيئة السياسية “عاطف زريق” لزيتون: “تم تمرير قرار حضور الاجتماع التأسيسي لحكومة الإنقاذ في ولاية الرئيس السابق رضوان الأطرش، رغم اعتراض غالبية أعضاء الأمانة العامة في الهيئة، لكن رئيس الهيئة الأطرش، تمكن من الحصول على أكثرية أصوات المكتب التنفيذي صاحب الصلاحية بإصدار القرارات بحسب النظام الداخلي، وتم حضور المؤتمر، بعد تلقيه وعوداً بأن حكومة الإنقاذ لا تمثل أي فصيل، ووعودا أخرى بحق الهيئة السياسية بوضع شروط العمل السياسي في محافظة إدلب، وقد اكتشفنا لاحقا خداعنا بهذا الأمر”.

ويضيف رئيس الهيئة: “قمنا مؤخراً بإصدار مبادرة لإيقاف الاقتتال بين الفصائل في الشمال السوري، ودعينا بشكل صريح في أحد بنودها إلى حل حكومة الإنقاذ كونها شكلت من فصيل واحد، وأرى أن حضور الهيئة للمؤتمر التأسيسي لحكومة الإنقاذ شكل نقطة انتقاد لها”.

وفي بيان لها حول الإنذار الذي وجهته حكومة الإنقاذ لإغلاق مكاتب الحكومة المؤقتة في الشمال السوري بتاريخ 12 كانون الأول من العام الماضي، أدان البيان واستنكر تصريحات أحد موظفي الحكومة المؤقتة، كما طالب باتخاذ إجراءات قانونية من قبل الحكومة المؤقتة بحقه.

ولا تعترف الهيئة السياسية بأي حكومة، وهي ضد أي حكومة تتشكل في الداخل المحرر، وذلك تجنبا لتقسيم البلد بحسب الخالد الذي أردف: “هناك حكومة مؤقتة، وحكومة إنقاذ، وحكومة pyd، عدا عن حكومة النظام، هذا يعني أربع حكومات لسوريا وهذا مصدر خوف لنا كهيئة سياسية لأنه يعبر عن واقع تقسيمي”.

وتساهم الهيئة حاليا بالعمل على تجميع الهيئات السياسية المشكلة في المحافظات الأخرى في جسم واحد هو الهيئة السياسية السورية في الداخل، يكون هو الممثل الحقيقي الثوري، وصوت الداخل المعبر عن أهداف وتطلعات السوريين، وهو ما يعطي وزنا سياسيا أكبر، إذ يوجد فرق كبير عندما تتحدث باسم هيئة سياسية لمحافظة إدلب، وبين أن تتحدث باسم تسع هيئات سياسية، يتم الآن تشكيل لجنة تحضيرية لاندماج هذه الهيئات في جسم واحد، بحسب الخالد.

من جانبه يفترض الناشط السياسي يسار باريش عدم وجود ترتيب للمهام، ما يعطي انطباعا بوجود قنوات تواصل من قبل بعض أفراد الهيئة ببعض الفصائل، وقد يخضعون لبعض الضغوط، وبالتالي تتراجع قدرتهم على امتلاك القرار السياسي المستقل، لكنه يؤيد وجود الهيئة على أمل تحقيق جهد تراكمي يصل إلى هيئة سياسية على مستوى سوريا، لأن ارتهان الأجسام السياسية في الخارج أسوأ بكثير من الارتهان النسبي للهيئة السياسية في إدلب من خلال بعض الأشخاص وعبر بعض قنوات التواصل مع الفصائل وعلى رأسهم ما يسمى بحكومة الإنقاذ.

لا شك أن العمل السياسي في المناطق التي تشهد معارك واقتتال فصائلي وصراع سلطوي هو عمل في حقل ألغام محفوف بالمخاطر، لكن من يتقدم لتمثيل صوت الثورة وأهدافها يتعيّن عليه تحمل مسؤولية كبيرة أقلها مواجهة السلاح وانحراف البوصلة.

مشاركة المرأة في الهيئة السياسية بإدلب

خلت الحقبة التأسيسية الأولى للهيئة السياسية من أي تواجد للعنصر النسائي فيها، إلا أن توجه أعضاء الهيئة بمشاركة المرأة فيها، وإيمانهم بضرورة مشاركتها في العمل السياسي، وحقها الطبيعي في ذلك، جعلهم يستدركون الوضع، لتدخل المرأة في أول اجتماع نصف سنوي من الدورة الأولى للهيئة، وليتم بعد ذلك تخصيص مكتب للمرأة فيها، دون أن يقتصر تواجد المرأة على هذا المكتب فقط.

 
 

عن مشاركة المرأة في الهيئة السياسية قال رئيسها “عاطف زريق” لزيتون: “أُفرد للمرأة مكتب خاص في الهيئة السياسية، تقوم بالانتساب له عن طريق الدوائر، كما أن لها الحق بالترشح لرئاسة الهيئة، وقد تكون رئاسة الهيئة في الدورة القادمة من نصيب إحدى العضوات، ولدينا حالياً عضوتان في المكتب التنفيذي، هما مديرة المكتب المالي، ومديرة مكتب المرأة، ويشكل العنصر النسائي في الهيئة في الوقت الحالي أكثر من 25% من نسبة الأعضاء، والعدد في ازدياد”.

وعن بداية إشراك العنصر النسائي في الهيئة قال مدير مكتب العلاقات العامة في الهيئة السياسية “غانم خليل” لزيتون:  

“كنا متفقين على أهمية وجود المرأة بجسد الهيئة ومشاركتها معنا بالعمل السياسي، وقمنا بدعوة من وصلنا إليهن من النساء الفاعلات والناشطات بالمحافظة، وفي الملتقى النصف سنوي الأول دخلت المرأة المكتب التنفيذي، وكان هناك رأيين في ذلك الحين، الأول هو إحداث مكتب للمرأة في الهيئة يتابع كل شؤون المرأة، بينما كان الرأي الآخر هو عدم حصر دور المرأة بمكتب واحد”.

من جانبها تعتبر مديرة المكتب النسائي في الهيئة السياسية “حسناء تمرو” أن الحياة بأكملها تقوم على مبدأ السياسة، فالمرأة لها سياستها بالبيت، ولها سياستها بالعمل، وسياستها بالمجتمع، فالحياة والسياسة متلازمتان، إذا اعتبرنا أن السياسة هي إدارة أو فن الممكن، وأن وجود المرأة بالعمل السياسي ليس أمراً جديداً، فهي موجودة منذ القدم، ووجودها الآن طبيعي لأنها جزء من هذا المجتمع، وأي عمل أو قرار ستكون المرأة جزء من تنفيذه، لذلك يحب أن تكون جزءً من صنع القرار، فهي أولاً وأخيراً مع الرجل بكافة مجالات الحياة.
أما عن مشاركتها بالهيئة السياسية قالت “التمرو”: “في الدورة الأولى كان وجودنا كنساء ضمن الهيئة دون انتخابات، أما في الدورة الثانية فقد وصلت عبر الانتخابات لإدارة مكتب المرأة الذي أحدث في الاجتماع النصف السنوي الأول، والذي يضم حالياً نحو خمسون ناشطة، كما نجحت مديرة المكتب المالي بالانتخابات أيضاً”.
بينما ترى مديرة مكتب المرأة والطفل في جبل الزاوية “فاطمة الحجي” أنه يجب على الهيئة السياسية أن تعتمد في انتقائها لأعضائها على النوع وليس العدد، وأن تنتقي الأشخاص القادرين على العمل السياسي حتى تنجح وتفيد المجتمع، فالسياسة تحتاج لعمق وبعد استراتيجي، وثقافة عالية ودراية كافية ومتابعة دائمة، لأنها تحدد مصير بلد، مضيفةً: “لو كان هناك ممارسات سياسية جيدة، ووعي شعبي بأدوار السياسة، لما زلنا بعد سبع سنوات من الثورة في نفس المكان”.

وتشجع “الحجي” النساء على خوض التجربة السياسية بشرط أن تقرأ وتتثقف وتتسلح بكل المقومات السياسية أولاً، مؤكدةً أن الهيئة السياسية لم تغفل حق المرأة بالمشاركة بالعمل السياسي.

مديرة مركز المرأة ورعاية الطفل في إحسم “نجاح سرحان” عبرت لزيتون عن رأيها بالهيئة السياسية والعمل السياسي في محافظة إدلب بقولها: “جميع الهيئات والتجمعات السياسية التي ظهرت في المحافظة لم تكن على قدر كاف من الفاعلية، نحن نعلم أن السياسة كلام وتنظير، ولكن يجب أن تحدث تغيير على الأرض، وجميع هذه الهيئات ومن بينها الهيئة السياسية لم تغير شيء على أرض الواقع، وما زالت قيد الإنشاء والتطوير، ويجب أن تسعى لتطوير نفسها بما يتناسب مع الواقع”.

أما الناشطة في مجال حقوق المرأة “غادة باكير” من ريف إدلب، فترى أن الهيئة السياسية غير  قادرة على بلورة رأي سياسي في الداخل، وتكون ذات دور فعال في حال تمكنت من أداء عملها من دون التعرض لها من قبل الفصائل التي تمنع أي نشاط للمثقفين والسياسيين، وبقدر ما تكون مستقلة في عملها بقدر ما تحقق النجاح في عملها، مؤكدةً أن الهيئة لعبت دوراً واضحاً في بعض القضايا، وأن وجودها في الداخل أمر ضروري في ظل الأوضاع الحالية، على الرغم من عدم وصولها إلى مرحلة النضج بعد.

كذلك تعتبر الناشطة السياسية والاجتماعية “عريفة الموسى” أن الهيئة السياسية تضم عناصر على قدر كبير من الوعي السياسي، ولهم دور كبير في التوعية السياسية في الداخل السوري، ولذلك وفي ظل غياب أي تيار أو حزب سياسي، قد تكون الهيئة  قادرة على بلورة رأي سياسي يمثل الأهالي، والذين يحتاجون لمن يتقدم بمواقف سياسية واعية قد تكون مرشدا لهم لفهم الواقع السياسي المعقد، ولكن حتى تستطيع أي جهة تطبيق أي قرار على أرض الواقع يجب أن تتجرد من أي أجندة خارجية، وهو ما تراه “الموسى” أمراً صعباً في المرحلة الحالية.

الوعي السياسي بعد سبع سنوات من الثورة.. وعلاقة الهيئة السياسية بالمجتمع

بعد سبع سنوات من الثورة ما زال الوضع الميداني مسيطراً على الواقع في المناطق المحررة، ودافعاً بالعمل العسكري إلى المقدمة، بإيمان كبير بجدواه من قبل الشارع، والخوف من قمعه من جهة أخرى.

بالمقابل تراجع دور العمل المدني بشكل عام والعمل السياسي بشكل خاص، نتيجة لخضوعه لشروط العمل العسكري، وأخطائه التنظيمية، وعجزه عن قيادة أو مواكبة الحراك الثوري.

وما يتفق عليه الجميع في المناطق المحررة هو حاجة الأهالي إلى جهة سياسية على أرض الواقع، تتمتع بالشجاعة والجرأة والوعي، لتقدم مواقف سياسية مقنعة وتقود الشارع، وتعيد الثقة بالعمل السياسي لديهم.

ويرى رئيس دائرة أريحا في الهيئة السياسية بإدلب والناطق الرسمي باسمها “عبد العزيز عجينة” أن إعادة الثقة للأهالي بالعمل السياسي تتم عن طريق نشر الوعي السياسي، وبناء القدرات السياسية للنخب والفعاليات المهنية والنقابية والسياسية والمجتمعية، كما يمكن للندوات واللقاءات ووسائل الإعلام أن تستثمر لهذا الغرض، فضلاً عن أن ويلات الحرب بحد ذاتها يمكن أن تكون عاملاً مساعداً على إيمان الشارع بأهمية العمل السياسي الهادف للتغيير الديمقراطي، وبناء مجتمع سليم ينبذ العنف والكراهية والطائفية والاصطفافات الغير مبنية على أساس وطني.

ويبرر “عجينة” تضييق الهيئة السياسية على قبول طالبي الانتساب للهيئة بصعوبة قبول كل المتقدمين بطلبات الانضمام بسبب مخاطر الاجتماعات بأعداد كبيرة في ظل الهجمات الجوية والقصف المستمر، مبيناً أن شرعية الهيئة السياسية تأتي من كون أعضائها هم من الناشطين الثوريين المدنيين ممن بذلوا جهوداً جبارة في خدمة شعبهم، ولم تتلطخ أيديهم بدم أو مال حرام خلال الثورة، بالإضافة لكونهم غير مرتبطين مع أي جهة عسكرية، ولهم أيادِِ بيضاء في مناطقهم نظراً للخدمات التي قدموها وما يزالوا يقدمونها.

ويصف الناطق باسم الهيئة السياسية علاقتها بالمجتمع بالعلاقة الطيبة والممتازة، وهو ما يتجلى في مشاركة الهيئة السياسية في عموم الأنشطة المجتمعية والفعاليات الوطنية والتعليمية والإنسانية والمجالس المحلية، حيث قامت الهيئة السياسية بتكريم رؤساء الدوائر المدنية والنقابات والدفاع المدني، كما شاركت الهيئة في تكريم المتفوقين على مستوى المناطق، وفي عمليات إطلاق سراح معتقلين لدى الوحدات الكردية.

وهناك أسباب عديدة لابتعاد الناس عن الانخراط في العمل السياسي، منها أن الناس خلال 50 سنة من الاستبداد والديكتاتورية أصبحوا غير قادرين على فهم العمل السياسي ومتطلباته وأهميته، كما أن الفساد السياسي جعل الناس تنفر من السياسيين قبل وبعد الثورة، وبعض الناس ينظرون إلى ما يجري على أنه حرب ولن تنفع معها السياسة، وقسم آخر يرى أن القوى العسكرية المهيمنة على الساحة لن تسمح للناس بالعمل السياسي بحرية وبشكل فعال، وفقاً لرئيس دائرة أريحا في الهيئة والناطق باسمها.

ويوضح رئيس الهيئة السياسية بإدلب “عاطف زريق” أن إغفال الهيئة لنشر شروط العضوية وآلية قبول الأعضاء، لإيمان الهيئة بالعمل على الأرض، وضرورة توجه طالب الانتساب إلى مكاتب الهيئة المتواجدة في مدن محافظة إدلب، وإمكانية حصوله على كافة الأوراق والشروط من رؤساء مكاتب الهيئة مباشرة، مستبعداً أن تكون الشروط قاسية أو صعبة، ومقتصرة على تقديم طلب بسيط إلى رئاسة الدائرة التي ستقوم بتحويله إلى المكتب التنفيذي للهيئة السياسية التي تبت بطلبه.

ويضيف رئيس الهيئة: “قد نطرح فكرة قبول الأعضاء الراغبين بالانتساب عبر شبكات الانترنت على المكتب التنفيذي وقد يتم الموافقة على هذا الأمر”.

ويصف الناشط مروان دغيم تجربة الهيئة السياسية بالجيدة، لكنها دون المستوى المطلوب، شأنها شأن كل الأجسام السياسية سواء داخل أو خارج البلد، مؤكداً: “الكل يعلم أننا خارجين من رحم الاستبداد ولدينا تصحر على كافة المستويات، لا أعتقد حالياً وحسب الواقع الذي تعيشه الهيئة السياسية في ظل سيطرة القوى المناوئة للثورة أنها قادرة على بلورة رأي سياسي يمثل الناس، لأن تمثيل الناس يحتاج إلى جو من الحرية وهذا الجو حالياً مفقود”.

ويرى دغيم أن من أحد أخطاء الهيئة السياسية أنها حصرت عضويتها على الأفراد داخل البلد، علماً أن الأجسام السياسية عادة تستقطب أكبر عدد من الناس وتستفيد من خبراتهم وتجاربهم بشكل عام، مشيراً إلى أن دورها كان إعلامياً أكثر مما هو سياسي، لافتاً إلى اقتصار عملها على الاجتماعات والبيانات لأحداث كانت تمر على الساحة السورية، ببيانات خجولة غير قادرة على قول كلمة الحق وممارسة دور سياسي حقيقي وواضح، وهذا ما يحتاجه الشعب السوري بحسب الدغيم.

“قدمت الهيئة السياسية خدمات كثيرة للأهالي في منطقة الشمال السوري” وذلك برأي “مصطفى دحنون” أحد الناشطين الإعلاميين في مدينة إدلب، مضيفاً: “على رأس هذه الخدمات هي إخراج أسرى كانوا محتجزين عند البي كي كي، كما حاولت أن يكون لها دور في التوعية في النواحي السياسية للمؤسسات والمديريات وكان لها بصمة فعالة وأثر جيد وممتاز في إدلب”.

من جانبه يعتبر “مازن الأحمد” أحد أهالي مدينة إدلب أن: “الحل السياسي فقط لا يجدي نفعاً في الثورة السورية، وأن الهيئة السياسية تعمل على الحل السياسي وبعيداً عن العسكرة، وهذا الحل لن ينجح فأي جسم سياسي يحتاج لجناح عسكري يعمل بالموازاة معه، وهو الحل الوحيد لنصرة الثورة والشعب السوري”.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*