حين عبرنا الجسر

اليوم، ذكرى الثورة السورية، هو وقت مناسب للإشادة بشجاعة الشعب السوري الذي دعا إلى الحرية والكرامة في عام 2011 وتحمل العنف الذي لا يوصف منذ ذلك الحين. 
ربما ما يحدث في الغوطة الشرقية من أحداث مأساوية لم يحدث سابقا في أي مكان في العالم، وهي المنطقة التي كانت من أولى المناطق التي نهضت بالاحتجاجات، والتي صمدت أمام أطول حصار في التاريخ الحديث، مع ما يرافقه من قصف وحشي.


لتكريم هذه الرحلة التي دامت سبع سنوات من الاحتجاج إلى الحرب إلى النزوح القسري، نستعرض عدد قليل من الأصوات من شعب الغوطة الشجاع.

ثورة
طبيب من الغوطة:
عُقدت مظاهرة “الجمعة العظيمة” تضامناً مع عيد الفصح. أردنا تشجيع المسيحيين السوريين على الخروج والمشاركة، وجاء الناس من جميع أنحاء ضواحي دمشق، من دوما، حرستا، زملكا، كفر بطنا، أتذكر أننا عبرنا جسراً واهتز تحت أقدامنا بسبب عددنا الكبير.
السيارات المليئة بالشرطة والشبيحة جاءت من كل اتجاه، وهاجمتنا بكل شيء يمكن أن يجدوه، صارع الناس الغاز المسيل للدموع وسكبنا الكولا على وجوههم، الأمر الذي يخفف من تأثير الغاز لكن وجوههم كانت لزجة ومتلألئة.
كنا نردد “الحرية، الحرية، الحرية!” ثم صرخ أحدهم: “الشعب يريد إسقاط النظام!”
نظر الجميع إلى بعضهم البعض وفكروا، “هذا الشخص قال للتو ما كنا نرغب في قوله منذ سنوات” بعد كل ذلك الصمت.

الحرب الحية
عامل إغاثة من دوما:
عشت من خلال المباني التي تسقط أمام عيني. عشت من خلال الجثث، عشت من خلال الصواريخ التي من شأنها أن تحول الأطفال إلى مليون قطعة، في بعض الأحيان كنا نجمع الأشلاء بأيدينا، فلم يكن هناك جسم كامل لدفنه، كل ما هناك يد أو ساق أو رأس.
لم يكن من المفترض أن يعترض جيش النظام الهلال الأحمر، لكن في بعض الأيام كانوا يهددونا بأسلحتهم، في بعض الأيام كانوا يأخذون المصاب مباشرة من سيارة الإسعاف الخاصة بنا، ذات مرة احتجز الجنود زملائنا في فريق الإسعاف، وضعوهم مقابل الجدار وأطلقوا النار على صديقي في الرأس، عندما جاء شخص وأخبرنا، شعرت بالدوار وأغمي عليّ على الفور، استشهد صديق آخر وأصيب ثالث، كما استشهد اثنان منهم في وقت لاحق، لقد قتل كل زملائي في العمل.
في آب، كان الهجوم الكيماوي، في الشوارع رأيت الناس مجمدين في سياراتهم، اختنقوا حتى الموت، أخبرني زملائي أن هذه هي المرة الأولى التي يحملون فيها الجثث بدون دماء.
كل الذين رأيناهم في الطريق كانوا موتى، نتحقق من الأخبار كل ثانية، هذا الشخص لا يزال على قيد الحياة، قتل هذا الشخص، صدقوني لو ساعدنا العالم منذ البداية، لما وصلنا إلى هذه النقطة.
أنا مشمئز من الإنسانية، نحن في الأساس موتى أحياء، في بعض الأحيان أمزح بالقول أن على أحدهم أن يجمع السوريين في مكان واحد ويقتلنا دفعة واحدة ونترك بشار يحكم دولة فارغة.

طيران
إيمان مهندسة من حرستا: 
بعد شهر من وصولنا إلى تركيا، سجلنا مع الأمم المتحدة للنظر في الهجرة إلى مكان آخر، استمر إجراء المقابلات والتحقق الأمني مدة عامين، سألونا عن كل ما حدث لنا، وحصلوا على كل تفاصيل حياتنا بدقة تامة، كانوا يقابلون زوجي ويقابلوني في غرفتين منفصلتين، الكثير من الضغوط النفسية، كنا نخشى فعلا أن ننسى ونقول أشياء مختلفة، وخاصة عندما يتعلق الأمر بالتواريخ، قال زوجي إننا هربنا من منزلنا في بداية شهر تموز، لكني تذكرته بنهاية شهر تموز، حين أصبح القصف يوميا.
لمدة عامين، كنا نعيش على الأمل، ثم في أحد الأيام اتصلوا، ما زلت أحلم بالعودة إلى سوريا، عشنا شهرين فقط في منزلنا الجديد قبل أن نتخلى عنه، لقد اخترت كل شيء في المنزل بكل حرص وعناية: الأثاث، والستائر، وألوان الجدران. أحلم أن أعود إليها مرة أخرى في يوم من الأيام، زوجي لا يريد العودة، له الحق في التفكير بهذه الطريقة، بعد ما عانى في السجن، بالنسبة لأولئك الذين عانوا من هذا القبيل، إن نسيانها نعمة كبيرة.

الحياة تحت قنابل الأسد
محمد مصور من دوما: 
أنا رجل يشعر بالقلق ويشعر بالخوف كثيراً، أعتقد أن هذا الخوف هو غريزة عظيمة نمتلكها كبشر، والتي تحمينا أحيانا وتبقينا أحياء، أخشى أن أكون تحت الأنقاض، هذا هو السبب في أنني دائماً أترك منزلي، إذا أمكن، أثناء الانفجارات لأذهب إلى المستشفى حاملا كميرتي.
في 6 شباط، في الأيام التي تلت وفاة بعض أقاربي بسبب القصف، استيقظت على أخبار عن أشخاص عالقين تحت الأنقاض، لقد قررت عدم التقاط الصور في الأيام التي تلت مقتل أفراد عائلتي، أخبرني صديقي أن عائلة أحد أصدقائنا كانت تحت الأنقاض، ذهبت إلى حيث كانت الخوذ البيضاء تبحث عن مدنيين، مع كاميرتي، كان صديقي يبكي منهارا. بدأ القصف في الساعة 11 صباحا، وكانت أولى الجثث التي عثر عليها لابن صديقي في السادسة مساء.
في كثير من الأحيان أسأل نفسي السؤال الأكثر إيلاما: “لماذا أصيب هذا الرجل، وليس أنا” عندما أرى الصور، أشرد بأفكاري، ربما في عالم آخر، ربما كنت قد غادرت هذا المكان قبل الحصار، وواصلت دراستي وأصبحت مهندسًا معماريًا، إنها فكرة رائعة، ولكن بعد بضع دقائق أستيقظ من هذه الأفكار وأقول، “أحتاج إلى أن أكون واقعيًا، حتى في أحلامي.” ربما، إذا وصلت على متن قارب إلى أوروبا، فقد أغرق في الطريق”.
عندما أحاول النوم، يصيبني الأرق، أضع رأسي على الوسادة، وأتساءل عما إذا كانوا قد وجدوا بقية الأشخاص المفقودين، أقلب وجهي نحو السقف ثم أفكر “ماذا لو كان سقف غرفتي آخر صورة أراها في حياتي؟”.
كنت مستلقيا على سريري، أفكر في كل الأخبار التي سمعتها عندما استيقظت، كانت أطول ليلة في حياتي، قبل أن تغلق عيني، سمعت صوت انفجار ضخم، ذهبت إلى المستشفى، حيث قالوا إن أغلب الجرحى هم من الأطفال، ذهبت إلى هناك لأنني كنت بحاجة إلى سبب لترك منزلي، والابتعاد عن السقف الذي شعرت به يحدق بي، كل سقف فوق رأسي هو أداة قتل.
من كتاب لبنى مرعي “حين عبرنا الجسر”
مجلة التايم الأسبوعية

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*