آثر الموت على شكر صورة المجرم

زيتون – محمد المحمود
شيء ما دفع بالصغير نور ذو الخمسة أعوام إلى التعلق بأبيه محمود في ذلك الصباح من شهر تشرين الثاني عام 2012، وعلى غير عادته رجاه أن لا يذهب إلى عمله، لم يكن من الأب إلا أن عانق صغيره مع وعدٍ صغير بالرجوع مساء، محذرا إياه من المشاغبة أثناء غيابه.
رغم تخرجه من كلية الآداب إلا أن بنية النظام وهيمنتها على مؤسسات الدولة، وربط ولاء المواطن للنظام بحصوله على حقوقه الطبيعية، أبقت محمود دحنون دون حصوله على عمل ضمن اختصاصه، ما دفعه إلى امتهانه صيانة السيارات، مؤثراً كرامته على ذل التنازل لنظام كان من أشد معارضيه.


أبو محمد كما يلقبه معارفه وأصدقائه، انطلق كمعظم أهل مدينته في المظاهرات السلمية التي شهدتها مدينة إدلب، ولأنه كان يدرك طبيعة النظام وإجرامه فقد طالب مبكراً بإسقاط النظام، وصرخات الحرية تلك غطت عليها أصوات الرصاص الذي قابلهم به الشبيحة.
لا يزال ابنه محمد وبعد سنوات يذكر ذلك الصباح، يذكر ذلك الهدوء والوقار في تناول أبيه لإفطاره، كما يذكر ذلك الحب وهو يوزع على أطفاله مصروفهم، يذكر ويتمنى لو أنه ساعد أخيه نور بمنع والدهما من الخروج يومها.
ومحمد حين يذكر والده في ذكرى الثورة السابعة، لا ينسى صلابة أبيه، ورساخة معارضته لنظام الأسد، كما يذكر صلابته الجسدية وجسده القوي، وانتصاره للحق بعفوية، وهو ما دفعه ربما إلى معارضته للنظام من قبل الثورة.
بشخصيته القوية، وسعة اطلاعه، بذائقته الرفيعة للأدب العربي، باستقامته وعصاميته، بإدمانه الكبير على القراءة قبل النوم وشغفه بالمعرفة والعلم والتاريخ، تنادى أبو محمد مع مجموعة من شباب المدينة لحمل السلاح وحماية المظاهرات، بعد أن أوقع عناصر الأمن والشبيحة العديد من الشهداء فيها، وساء الوضع الأمني في المدينة، إلى أن اقتحم جيش النظام وميليشياته مدينة إدلب بالأسلحة الثقيلة والدبابات بتاريخ 11 آذار 2012، لم تستطع بنادق صيد أبو محمد ومجموعته أن تصمد كثيرا، ما أجبرهم على الانسحاب من المدينة باستثناء أبو محمد الذي رفض الخروج من مدينته.


اعتقل أبو محمد بعد دخول الجيش للمدينة، استمر تعذيبه لأكثر من أحد عشر يوما في فرع الأمن العسكري في المدينة، ليخرج بعدها أشد تمسكاً بفكرة الثورة وأحقيتها، وفي صباح 18 تشرين الثاني من عام 2012، قامت مجموعات من الشبيحة باقتحام محله في المنطقة الصناعية واقتياده إلى فرع أمن الدولة، ليعرف عن كثب إجرام النظام في فروع مخابراته، ، ولتبدأ رحلة عذابه الطويل.
ونتيجة لما كان يكيله لرأس النظام أثناء تعذيبه في السجن من سباب وشتائم، نقل أبو محمد ثلاث مرات إلى مشفى إدلب الوطني بعد أن انهيار جسمه تحت ضربات السياط، قبل أن يمن النظام على عائلات المعتقلين بالزيارة.
فرح الصغير نور ككل أفراد عائلته بامكانية رؤية والده بعد خمس شهور من الاعتقال، لكنه حين وقف أمامه في قبو فرع الأمن لم يعرفه، وحين عجز أبو محمد عن رفع صغيره إليه لضمه نتيجة لتساقط لحم يديه عن ساعده بسبب الشبح الطويل، جثى ليوازي صغيره ويحتضنه.
كانت صدمة لأسرته حين رأته بذلك الجسد الغريب النحيل الذي بالكاد يقوى على الوقوف، بعدما حفرت عليه آثار التعذيب علامات لم يستطع الجلادون إخفائها.
كان لقاءً عجز الجميع فيه عن الكلام، فقط البكاء هو سيد مكان الزيارة، لا شيء يمكن أن يقال، توقف الوقت في مدة الزيارة القصير الذي لم يتجاوز 7 دقائق وعناصر الأمن محيطة بالسجين وعائلته، ونور الذي لم يتعرف على هذا الرجل الباكي هرع إلى أمه ووقف وراءها خائفا متسائلا عمن يكون هذا الرجل.
بعد ثلاث زيارات تم تحويل أبو محمد إلى سجون دمشق، حيث الموت ودهاليز المخابرات المركزية، ولم يتمكن جلادو النظام من انتزاع اعتراف أبو محمد بالتهم المنسوبة له كممول للمسلحين وقائد خلية إرهابية أو أنه قدم مزرعته كمأوى للثوار، فقد كانت الجناية أكبر من ذلك، إذ بعد ثمانية أشهر من اعتقاله صدر عفو من رأس النظام ولكن عناصر الأمن الذين تمرسوا على ذل المعتقلين، فرضوا على أبو محمد أن يقدم الشكر لصورة رئيسهم على العفو.

يقول أحد أصدقائه الذي كان مسجونا برفقته، أن أبو محمد لم يتمالك نفسه، وبصق عليها وشتمه مع نظامه، وأبقي في السجن بتهمة إهانة الرئيس.

بعد عام ونصف، وحين كانت مدينة إدلب تغرق تحت سيطرة قوات النظام، أوصل أحد عناصر الأمن رسالة إلى بيت أبو محمد، تطلب من ذويه أن يتوجهوا إلى فرع القابون بدمشق لاستلام حاجياته، لتتأكد العائلة بعد دفع رشوة لأحد الضباط، بأن أبو محمد استشهد تحت التعذيب بعد أن تم شبحه وتعليقه لأكثر من ثلاثة أيام متواصلة وتعذيبه بشتى أنواع العذاب وتم دفنه في مقبرة جماعية بالقرب من حاجز القطيفة مع عدد آخر من المعتقلين.
كم من كريم قضى تحت سياط الجبناء في غياهب السجون، كم من كبرياء تمنت الموت على الذل، كم تكابر الرجال على آلامهم، وكم ما يزالون حتى اليوم يعانون، الحي فيهم يحسد الميت، مدركين أنهم مشاريع شهادة مؤجلة.
يمر اليوم على غياب أبو محمد عن عائلته أكثر من خمسة أعوام، عبرتها الكثير من الصباحات، وفي كل فطور ينظرون لمكانه الفارغ بحزن، ومن ثم لصورته التي توسطت غرفتهم، والتي دأب الصغير نور على وضع شهادات التقدير التي ينالها من مدرسته على صورة أبيه، وبعد أن أصبح عمره اليوم 11 عاماً، ما زال يتمنى لو أن أباه أطاعه ولم يذهب إلى عمله في ذلك الصباح.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*