عائشة وأمل وقصة مجزرة الأطفال في مغارة كفربطيخ

زيتون – أسامة الشهابي

بينما كانت عائشة تحاول إقناع أختها أمل بالهرب معها باتجاه منزلهما، كانت أمل هي الأخرى تحاول إقناعها باللجوء إلى أقرب مكان يمكن لهما الاحتماء فيه.

خرجت أمل وعائشة من مدرستهما مسرعتان، ترتعدان من الخوف، بعد أن طغى صوت الطائرة على صوت الأناشيد المنطلقة من مدرستهما احتفالا بعيد الأم، فوجدتا عائلة تهرع إلى مغارة بجانب منزلها المجاور للمدرسة، ولشدة خوفها فضلت أمل الالتحاق بالعائلة شأنها شأن الكثير من زميلاتها، بينما رفضت عائشة وآثرت الانطلاق عبر حقول الزيتون باتجاه منزلها.

افترقت الأختان بعد أن حاولت كل منهما أن تشد الأخرى للذهاب معها، ولكن دون جدوى، فلا مجال لكثير من المحاولات، ولا علم لأيٍّ منهما بالخيار الأفضل للنجاة، فلم تكن عائشة تعلم أنها لو نجحت بإقناع أختها ستنقذ حياتها، كما لم تكن أمل تعلم بأنها كانت ستأخذها معها إلى السماء.

قبل أن تصل عائشة إلى المنزل، كانت الغارات الروسية قد دمرت المغارة التي التجأت لها أختها من شبح الموت، إلا أنه طاردها ووصل إليها في مخبئها، فكانت أمل واحدةً من بين 16 شهيدة من طالبات مدرسة كفربطيخ للتعليم الأساسي للإناث، اللواتي قضين تحت ركام تلك المغارة، بينما كُتب لعائشة النجاة.

لم تكن “أمل وعائشة محمد حمندوش” الأختين الوحيدتين اللتين فرقت الطائرات الروسية بينهما في صباح يوم الأربعاء 21 آذار، فقد عبرت الطفلة “أسماء صالح أصلان” عن فقدها لأخواتها الثلاث بعبارة واحدة: “إخواتي راحوا عالجنة”، أما الطفلة “ملاك جمعة الخالد”
إحدى طالبات الصف الأول بالمدرسة، فتحدثت عن فقدها لصديقتيها في الصف قائلةً: “نعيمة ومرام كانو بصفي طلعنا سوى لما قصفت الطيارة، هن راحو عالمغارة وماتوا، وأنا رحت بعيد”.

كان صباحاً بدا للجميع أنه جميل، فقد بدأته طالبات المدرسة باحتفالية بسيطة، أنشدن فيها بضعة أناشيد للأم في ساحة مدرسة كفر بطيخ للتعليم الأساسي للإناث، قبل أن ينطلقن إلى صفوفهن، وما أن انتهت الحصة الثانية حتى سُمع صوت الغارة التي استهدفت مكاناً يبعد عن المدرسة 300 متر، هكذا وصف مدير مدرسة كفر بطيخ للتعليم الأساسي للإناث “محمود الياسين” صباح يوم المجزرة، مضيفاً:
“قمنا بصرف الطالبات على عجل خوفاً من استهداف المدرسة وحرصاً منا على حياتهن، وبعد خروجهن من المدرسة، وجدن عائلة في منزل قريب تلجأ إلى مغارة، وقام صاحب المنزل بالطلب منهن النزول مع عائلته، في محاولة منه لإنقاذهن من القصف المحتمل، والذي لم يتوقع أنه سيستهدف المغارة، وما أن مضت دقائق حتى كانت الغارة الثانية على المغارة ذاتها”.
أما “يوسف الياسين” صاحب أحد المنازل القريبة من المغارة، والذي كان يحمل كاميرته ليوثق الغارات بعدسته، فكانت الغارة أسرع من عدسته، وعندما وجد نفسه سليماً هرع مسرعا إلى المغارة، وإذا بها ركاما لم يبقى منها سوى بضع درجات، فنزل وبدأ بالصراخ علّه يلقى رداً، وحين لم يجد جوابا ظن أنهم خرجوا منها، لكن المفاجأة كانت عندما وصل ابن صاحب المنزل، والذي يسكن في حي آخر من البلدة، وأخبره أن الجميع في الداخ

وأضاف “يوسف: “ماذا نصنع وأمامنا أكوام من الركام لا نعلم كم عدد من تحتها، رحنا نحفر بأيدينا ريثما وصل الدفاع المدني وتولى المهمة”.


“أحمد صياح” أحد عناصر الدفاع المدني وصف لزيتون المشهد بقوله: “كنا نخرج الجثث من المغارة ثم نتعرف عليها من أسماء الطالبات على حقائبهن المدرسية، والأهالي حولنا وكل منهم يبحث عن ابنته، متأملا أن لا يجدها في هذا المكان”.

ويوضح “صياح”: “إحدى الأمهات ضمت حقيبة طفلتها قبل أن يجدوا الطفلة التي وصلتها جثة هامدة، في حين كانت طفلة أخرى ما تزال حقيبتها على ظهرها، تلقفها والدها ومضى باكياً”.

الناشط الإعلامي “حسن المختار” الذي كان يغطي تفاصيل المجزرة، قال لزيتون: “شاهدت أماً واباً لطفلة ينتظرون، وكل ما سمع الأب بذكر بيت اختبأت فيه طالبات يسرع إليه باحثاً عن ابنته، وكله أمل أن تكون من الناجين، لأنها لم تكن من الحي الذي وقعت به المجزرة، ولكن فاجعتهم كانت عندما استخرجت فرق الدفاع المدني ابنتهم، وكان استقبالهم لجثة طفلتهم موجعا حتى أني لم أعد أستطيع تحمل المشهد، تلك الطفلة التي كان لها أحلاماً في الحياة تأمل تحقيقها، فأسقطتها طائرات الروس شهيدة، وأسقطت أحلامها معها”.

“حسن القسوم” أحد أهالي بلدة كفر بطيخ وصف لزيتون:
“كان يوماً عصيباً علينا ومصاب عام لكل أهالي البلدة، بقيت فرق الدفاع تعمل من الساعة العاشرة والنصف صباحا حتى الثالثة والنصف عصرا حتى انتشلت كل الشهداء من المغارة، والذين بلغ عددهم عشرين شهيداً وشهيدة، بالإضافة إلى جنينين استشهدا في أرحام والدتيهما”.
وأضاف “القسوم”:

“22 شهيداً وشهيدة، بينهم 14 فرداً ينتمون إلى عائلة القسوم، منهم صاحب المنزل وزوجات أبنائه الثلاثة، وخمس حفيدات، وحفيدين له، وحفيدين آخرين لم يخرجا إلى الحياة ولن يخرجا، و 6 شهيدات من عائلة أصلان”.

كانت هدية الضامن الروسي لاتفاقية خفض التصعيد، والذي ما يزال يمثل المفاوض بدلاً عن نظام الإجرام، للأمهات السوريات في بلدة كفربطيخ في يوم عيدهن، كفناً أبيضاً يضم جثامين بناتهن وهن في زيّهن المدرسيّ، بعد أن كان حلمهن أن يحتفلهن ببناتهن بزيّ التخرج من إحدى أفرع الجامعات، ليُكرر مأساة أمهات بلدة حاس بعد عامين من وقوعها، لتكون الأولى على يد النظام المجرم، والثانية على يد الضامن القاتل، ولكن كلتاهما كانتا بعد نهاية الحصة الثانية.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*