كيف يمكن للتجمعات السياسية في إدلب أن تتجاوز ضعف تأثيرها؟

خاص زيتون
لم يكن لظهور وانتشار التجمعات السياسية في محافظة إدلب ذلك التأثير المتوقع والمرتجى منها رغم تعددها وسرعة ظهورها بعد بداية الثورة السورية، وبغض النظر عن الأسباب المتعددة الخارجة عن إرادتها والتي أدت إلى ضعف تأثيرها بشكل واضح على الشارع الثائر، إلا أن هناك أسباباً داخل تلك التجمعات تجعلها تتحمل جزءاً من مسؤولية الشرخ الحاصل بينها وبين الشارع.


ويضاف إلى مسؤولية التجمعات السياسية فضلا عما قدمه أحد قيادي التجمعات عن حالة التشتت التي وقعت فيها التجمعات السياسية ومقارنتها بحالة الفصائل العسكرية في المناطق المحررة، مسؤولية تقديم نفسها كممثلة للثورة في تلك المناطق.
يفتقد السوريون في المناطق المحررة إلى قيادة سياسية جريئة وشجاعة يؤمنون بها، تكون قادرة على تمثيلهم أمام فوضى الفصائل العسكرية وتلاعب الدول المؤثرة فيها، إضافة إلى امتلاكها لوعي سياسي يحفظ الثورة من الضياع ويحقق أهدافها من متاهات السياسة الاقليمية والدولية.

تُرجع منسقة شبكة عدالة لنساء سوريا في إدلب وعضو مكتب الشبكة في مدينة معرة النعمان “عائشة الطعمة” أسباب بعد التجمعات السياسية عن الشارع وضعف تأثيرها إلى أن الكثير من التجمعات لا تراعي أولويات المجتمع، وهذا هو السبب الرئيسي لبعدها عن الشارع، إضافة إلى عدم إشراك الأهالي بخطوات عملية تضعهم في صورة العمل السياسي، وما تقوم به هذه التجمعات، وتشعرهم بأهمية مشاركتهم في النشاطات السياسية، فضلاً عن عدم اختيار الأشخاص المناسبين لشغل المكان المناسب لهم.
بينما يرى عضو مجلس الإدارة في البيت الإدلبي “عبد الرحمن نجار” أن السبب الرئيسي في بعد التجمعات السياسية عن الواقع وضعف تأثيرها، يكمن في اعتماد هذه التجمعات على أشخاص سياسيين ولكنهم بعيدين عن الواقع أو ليس لديهم رصيد شعبي، حيث أن معظم هذه التجمعات لا تمتلك حاضنة شعبية، وتريد تطبيق رؤيتها السياسية، ولكنها لا تستطيع ذلك دون تأييد الأهالي لها.
في حين يعتبر رئيس تجمع سورية الثورة “عثمان بديوي” أن السبب الأول للفجوة الحاصلة بين الشارع الثوري والتجمعات السياسية هو صدمة الشارع بمن اعتبرهم ممثلون له سابقاً، في مجال السياسية في الخارج، حيث قال البديوي لزيتون:

“بالبداية قالت الحاضنة الشعبية المجلس الوطني يمثلنا، ولكن للأسف لم يمثلهم، ثم تبعه الائتلاف ولكن لم يمثلهم أيضاً، وكذلك هيئة المفاوضات، هذه التجارب السابقة بمجال السياسية أثرت سلباً على الشارع، وجعلته ينفر من الجهات السياسية التي تريد حمل رسالته وتمثيل أهدافه”.

وأضاف “البديوي”: “أما على الصعيد الداخلي، فقد كان للصراع الفصائلي دوراً كبيراً في خسارة التجمعات السياسية للشارع، لا سيما أن بعض هذه الكتل كانت مرتبطة بفصيل عسكري أو بآخر أو لها تبعية لحزب خارجي مع تنوع هذه التبعيات، فأصيبت التجمعات السياسية بداء الفصائلية الذي انتقل إليها، لتغدو التعددية السياسية كما التعددية الفصائلية، وهو ما خلق هوّة بين الشارع والتجمعات السياسية”. 
من جانبه قال رئيس مكتب التنظيم في حركة نداء سوريا وعضو مكتبها السياسي “مأمون جمعة” لزيتون: “البعد الحاصل بين التجمعات السياسية والشارع يعود لعدة أسباب، وهي أن الحديث عن حراك سياسي من وجهة نظر الشارع السوري هو ترف فكري لم يحن أوانه بعد، وذلك نتيجة الخوف من ردة فعل الأمن في مناطق النظام، وكذلك ردة فعل الفصائل في مناطق سيطرتها، إلى جانب محاولة الدول تخصيص الحراك السياسي للمعارضة الخارجية، والتركيز على الداخل أو حصره كمعارضة ضمن نطاق الحراك العسكري والفصائل”.
وأضاف “جمعة”: “عدم تسليط الضوء إعلامياً على هذا النوع من الحراك المدني، وضعف الإمكانيات المادية لهذه التشكيلات، وافتقارها للدعم المعنوي ولوسائل إعلام فاعلة، سمح بأدلجة الشارع مذهبياً وطائفياً من قبل النظام والمعارضة المسلحة على حدّ سواء، وجعل الانتماء لفكر سوري جامع لكل المكونات لا يلقى التفاعل المطلوب، ويحتاج لانتهاء الحرب ليلقى التأييد والدعم والانخراط فيه”.
أما رئيس دائرة أريحا في الهيئة السياسية في محافظة إدلب “عبد العزيز عجينة” فرأى أن الظروف الراهنة تتطلب من قيادات التجمعات السياسية المتواجدة على الأرض التحرك بفاعلية أكبر، والانخراط أكثر بالحراك في الشارع والأنشطة الشعبية والثورية.

وبالنسبة للهيئة السياسية على وجه التحديد، هناك أسباب إضافية للفجوة بينها وبين الشارع، وهي خارجة عن إرادتها، بحسب “عجينة”، مضيفاً:

“من الناحية اللوجستية الهيئة لا تملك أي دعم مالي يمكنها من التحرك والعمل بفاعلية، ومن الناحية الأمنية توجد معوقات أمام عمل الهيئة السياسية ومحاولة تقربها من الشارع، في ظل حملات القصف الهمجية على المناطق المحررة، يتعذر على الهيئة السياسية إقامة اجتماعات لأعضائها ولقاءات مع الأهالي، خوفا من أن تصبح هذه الاجتماعات هدفا للطائرات”.

وهناك أسباب لضعف تأثير التجمعات السياسية على الشارع وبعدها عنه تتعلق بالشارع نفسه، فقد أصيب الشارع بحالة يأس وإحباط من المعارضات والتجمعات السياسية المتعاقبة التي مرت على الثورة السورية، ولم يعد من السهل على هذه التجمعات أن تكتسب ثقة الشارع بسبب خيبات الأمل التي تلقاها من هذه المعارضات السياسية، لا سيما في ظل ما يعانيه من فقر سياسي يعود لأربعة عقود من الكبت ومنع الحقوق والحريات ومنع أي عمل سياسي في ظل حكم نظام الأسد، وفقاً لرئيس دائرة أريحا في الهيئة السياسية في محافظة إدلب.


إجراءات يمكن لها أن تقرب الشارع
على الرغم من الصعوبات التي تواجه التجمعات السياسية في عملها، إلا أنه لا بد من وجود حلول لتجاوز البعد الحاصل بينها وبين الشارع، وإجراءات تحاول عبرها هذه التجمعات التقرب من الأهالي.
تقول منسقة شبكة عدالة لنساء سوريا وعضوة مكتب الشبكة في معرة النعمان إن اطلاع الأهالي على ما يحدث في ساحات المفاوضات، وفتح قنوات اتصال مع اللجنة الاستشارية لهيئة التفاوض لإيصال آرائهم، وتوعيتهم بأهمية العمل السياسي وضرورة مشاركتهم فيه بشكل مباشر أو غير مباشر، هي من أهم الحلول التي تساعد على جذب الأهالي وتقليص الفجوة بينهم وبين التجمعات السياسية.
بينما يكمن الحل من وجهة نظر عضو مجلس الإدارة في البيت الإدلبي، في أن تسعى التجمعات السياسية نفسها لجذب الحاضنة الشعبية لها، ويتم ذلك عبر أخذ آراء الأهالي في التطورات والقرارات وإشراكهم في اختيار الأشخاص القائمين على هذه التجمعات، ليكون لهم صوتهم في صنع القرار، وفي أي مشروع فيها.

وبدوره يحاول تجمع سورية الثورة استعادة الحاضنة الشعبية، من خلال بعض المحاضرات واللقاءات التي تعرف الثورة بمعناها الحقيقي، وتنظر إلى المصلحة العامة وبناء الدولة المؤسساتية فوق أي مصلحة، كما طرح التجمع مبادرات لتوحيد الفصائل، كونه من أهم مطالب الأهالي، وذلك في محاولة منه للتقرب من الأهالي وملامسة متطلباتهم، وعلى الرغم من فشله في المبادرات السابقة، إلا أنه ماضِ في مشروع جديد للغاية ذاتها، وفقاً لرئيس تجمع سورية الثورة.

أما الهيئة السياسية في محافظة إدلب فقد قامت بنشاطات عديدة لتقوية التواصل والتفاعل مع الشارع والقاعدة الشعبية، وتنوعت نشاطاتها في المجال التربوي ومجال الإدارة، فشجعت وكرمت اتحاد النقابات المهنية، وأقامت حفلات لتكريم المتفوقين في المدارس، وشاركت في جميع مظاهر الحراك الجماهيري والشعبي في سبيل الحرية والكرامة، وكانت الهيئة السياسية دائما في طليعة الحراك الشعبي وفي الاعتصامات والمظاهرات والاحتجاجات، بحسب رئيس دائرة أريحا في الهيئة السياسية بمحافظة إدلب.
في حين تركزت جهود حركة نداء سورية على تأسيس مكاتب لها في محافظة إدلب ومعظم المحافظات السورية، بالإضافة إلى وضع خطط مستقبلية للعمل، وتوسيع رقعة الشمولية الشعبية، وذلك في محاولة لتأسيس حراك تنظيمي تمهيداً لاستقرار الأوضاع في سورية، وفقاً لرئيس مكتب التنظيم في حركة نداء سوريا وعضو مكتبها السياسي، والذي اشتكى من عدم فاعلية بعض مراكز الحركة بالشكل المطلوب في عدة محافظات نتيجة للوضع الأمني فيها.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*