ممشى

أحمد فرج
ما أن يبزغ ضوء الصباح حتى يبدأ محبي رياضة المشي مشوارهم الصباحي الذي تعودوا عليه، يثير مرآهم البهجة والنشاط في النفوس، ومع ازدياد الدفء قليلا تتضاعف أعدادهم ليغدو الممشى مكتظا ولا سيما في أيام العطل.
يغلب عليهم الثنائيات، ما يضفي جوا من الألفة والود والمشاركة، كما يبعد الملل الذي قد يتسرب لمن لا يوفق برفيق، فضلا عما يمكن أن يشكله المشوار الصباحي من ترابط عميق في العلاقة بين الأشخاص.
هذه الشريحة التي تفضل رياضة المشي في الصباح هي الشريحة المتفوقة والرائدة في الترتيب الرياضي لما تتصف به من جدية في تبني الرياضة كنظام صباحي لها تستهل يومها به، لتنطلق بعد ذلك إلى عملها بعد أخذ حمام ساخن وإفطار خفيف.
على تلك المماشي تصادفك عيون مصرة مثابرة تستشف بها التنظيم والدقة وترتيب الحياة بمنتهى الحزم، لا يخلفون بمواعيد رياضتهم نتيجة لالتزامهم الشديد وفق برنامج مسبق وضع كمنهج حياة لا يسمحون لأمر أن يؤثر فيه، لكن هذا الطيف من الرياضيين المخلصين يمكن لهم أن يمارسوا رياضتهم في أي وقت من النهار.
الذين تجاوزوا عتبة الشباب يتواجدون دائما وبكثرة وفي كل وقت، يصارعون الزمن وما خلفه من مرض وضعف، يرفضون الاعتراف بذبول العمر ويحاربون أعراض الهرم، قسم كبير منهم ينجح في ذلك عبر الممارسة المستدامة للرياضات الخفيفة وعلى رأسها المشي، وتقول إحدى الدراسات الطبية أن رياضة المشي المنتظم تزيد من معدلات الحياة والعمر.

منهم من يجدد حياته برفيق جديد على أمل البدء بانطلاقة أخرى، وعبر المشي يحاولون استكشاف شخصياتهم والتعرف على خباياها، وقد لا يكون من المبالغ به القول إن مشي مسافة لا بأس بها برفقة شخص ما، كفيلة بأن تكشف الكثير عن شخصيته وطباعه وميوله مهما حاول إخفائها.

يسعى الكثيرون لزيادة لياقتهم وتحسين قوامهم بإزالة ما تضيفه الحياة الروتينية والكسولة من زوائد غير مرغوب بها للجسم بممارستهم للمشي اليومي، في حين يهدف غيرهم إلى التخلص من القلق والتوتر والأرق الليلي نتيجة لضغوط الحياة، وآخرون يستخدمونها للتفكير والتأمل والتركيز في فكرة ما، فهو يزيد من قدرة الإبداع لدى الإنسان بما يقدمه من هامش واسع للتفكير والتركيز مع تغير المشاهد أثناء المشي، والذي وصف بأنه صديق المبدعين والمفكرين والشعراء.

عبر أطراف الحقول وفي ممرات الحدائق العامة وعلى شواطئ البحار، في الطرقات الفرعية وأطراف البلدات والمدن، تجد الخارجين لممارسة هوايتهم يهرعون بخطوات سريعة في الأوقات المعتدلة وفي كل الأعمار ولغايات عدة في تلبية سيد الرياضات.

رياضة المشي التي تتصدر أهم الرياضات التي يمارسها الأناس العاديون لما لها من مزايا ومحاسن لا تتوافر في غيرها من الرياضات الاحترافية والقاسية، فإمكانية ديمومتها ميزة هامة تضاف لتمسك البعض بها وتخصيص وقت من يومهم لها كطقس اجتماعي ونشاط جسدي هام.
بتأثير واضح على المزاج وعلى الحالة النفسية لا سيما إن كان في جو معتدل ورفيق ودود، تقول إحدى الدراسات الطبية أن مشي ما يقارب 1،5 كم من رياضة المشي تزيد من قدرة الإبداع لدى الإنسان بما تقدمه من هامش واسع للتفكير والتركيز مع تغير المشاهد أثناء المشي.

ويقول الخبراء في قسم الطب الوقائي في مركز هارفارد الطبي، ومستشفى النساء “لو أن الناس يمارسون المشي لمدة 30 دقيقة يومياً، لانخفض معدل الإصابة بالأمراض المزمنة بنسبة تتراوح بين 30 و 40 %”.

وتشير الإحصاءات إلى أن أقل من ثلث الأمريكيين، على سبيل المثال، يؤدون التمارين التي ينصح بها الخبراء، في حين أن حوالي 40% منهم يعيشون نمطاً حياتياً يتسم بالكسل التام، وجاء في تقرير الجمعية الأمريكية للجراحين، أن هذا الأمر سيؤدي إلى واقع تنتشر فيه البدانة أكثر من انتشار التدخين، الذي يعتبر السبب الرئيسي للوفاة.
ويشير خبراء اللياقة أن إنتاجية من يمارسون المشي تزيد بشكل ملحوظ عمن سواهم ممن يلتزمون بحياة قليلة الحركة، فتراكم سلبيات المكاتب والعمل الثابت، وما يترتب عليها من أمراض وعادات سيئة يمكن أن يكون لها مخاطر حقيقية على جسم الإنسان.

وتتجه معظم الدول حاليا لتصميم مماش تكون مصممة لعدة أنواع من الرياضة كالمشي والجري وركوب الدراجات الهوائية بأرضيات مناسبة لكل رياضة منهم رغم ما يترتب عليها من تكاليف مادية باهظة، وهي بذلك تسعى إلى مسايرة رغبات شعوبها وزيادة سعادتهم والتقليل من الأمراض ورفع المستوى الصحي لديهم، كما تضفي المماشي طابعا من التقدم والحضارة على المدن تسمح بازدهار السياحة فيها وتزيد من المساحات المفتوحة والخضراء كرئة للمدن أيضاً.
وتسمح تلك الرياضة بنشوء اقتصاديات هامشية يستغلها من يرغب بالعمل فلا تخلو المماشي من توافر المقاهي والباعة الجوالين ومتاجر الدراجات وأدوات الرياضة وألبستها، ما يرفد البلد بمزيد من فرص العمل المفيد على المستوى الوطني.
يزيد العمر ويقلل من الأمراض الخطيرة كالسرطان وسرطان الثدي والقولون والسكتات الدماغية وأمراض القلب والسكر وينقص الوزن ويحرك الدورة الدموية، يقوي الذاكرة وينشط أداء المخ ويخفف من التوتر ويفرز هرمون السعادة، يقضي على الإجهاد والتوتر ويحارب الاكتئاب ويمنع الضعف الجنسي لدى الرجال، هو ليس أكثر من نزهة سهلة، تناسب الجميع كل ما تحتاج إليه رفيق ودود وحذاء رياضي مريح وممشى.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*