الحياة.. من يرسم تفاصيلها في الشمال السوري؟!

زيتون – دانيا معلوف 
تعج تفاصيل الحياة اليومية للمدنيين في المناطق المحررة بآلاف القصص التي ترسم واقع صمود وصبر في ظل حرب إبادة ممنهجة، ومع ازدياد ضراوة الحرب المندلعة منذ سبعة أعوام والاستهداف المتعمد من النظام لمفاصل الحياة اليومية في المناطق الخارجة عن سيطرته، تحولت الحياة في المناطق المحررة إلى تحدٍّ للاستمرار في البقاء.

 
فضل كثير من السوريين جحيم مناطقهم الخالية من النظام على العيش في دول اللجوء أو حتى في المخيمات، ويقدر عدد المدنيين في المناطق المحررة في عموم سوريا بقرابة ستة ملايين نسمة من مختلف أطياف وفئات المجتمع.
يعيش هؤلاء في ظل ظروف حياتية صعبة، حيث يشكل الموت بفعل براميل النظام وصواريخ طائراته الحربية وطائرات روسيا أصعب التحديات في معادلة البقاء والتأقلم مع الحرب.

قصص الصمود والتحدي التي يخطها المدنيين والجنود المجهولين، الذين أحبوا البقاء بين الدمار علهم بذلك يبعثون الحياة على من يأس وفقد الأمل بوطن بات يتنازع على أرضه جميع المهووسيين بإقامة الخلافة وسرقة نفط الشعب، بعيدا عن قتال الطاغية الذي مازال في قصره يتربع.
في مشهد بات اعتيادي فيه قرع أجراس الخطر، والمراصد العسكرية تعمم على تردداتها أن طائرة مروحية أقلعت، ويبدأ الجميع بترقب أين ستحط رسائل موتها هذه المرة، حلقت الطائرة فوق مدينة سراقب بإدلب وأخذت عدة ثوان في الدوران حولها، يتعالى صوت الصراخ على القبضات اللاسلكية وأفواه الناس « دبت دبت دبت» الجميع يختبئ بين الزوايا وأصوات مضادات الطيران تتداخل مع صوت البرميل الذي يصفر في الهواء، ما هي إلا ثوان وتتعالى أعمدة الدخان وغبار البناء الذي عانق الموت والاختناق مع ساكنيه.
ثوان أخرى تبدأ صفارات سيارات الدفاع المدني مسرعة نحو المكان، لتبدأ رحلة البحث بين الأنقاض والجدران التي دفنت تحتها روح تختنق ببطئ، والعيون جميعها تترقب وتبحث بين الركام عن جسد لانتشاله، بعد زمن من البحث يصدح صوت بالتكبير لوصوله نحو جسد مثخن بالغبار الأحمر لينتشله ولتمتد الأيادي نحوه، مسرعة به نحو مشفى ميداني.

من بعيد يقف رجل أتعبته الحرب ولكن هذه المرة مزقت قلبه، فالمنزل المدمر ترك فيه أولاده وزوجته وغادرهم صباحا إلى عمله، يضع يديه على عينيه كي لا يبصر ما لا يحتمل رؤيته ويبكي بكاء قهر الرجال.

جسدا وراء أخر ينتشل من بين الركام والبحث يستمر وبسرعة تكاد تسبق سرعة نبضات القلب، أحد جيران المنزل الذي تهدم يقول «بقي أحمد شفتو الصبح لابس كنزة حمرة دور عليه منيح هو جسمو صغير بكون صار تحت شي حيط دور منيح».
يتصبب العرق على وجوه أصحاب القبعات البيضاء، وأنفاسهم تلهث بحثا عن أحمد الذي بقي من أفراد العائلة بين أحضان الركام، فيما أسعفت أمه وباقي أخوته نحو المشفى الميداني، يصرخ الأب من بعيد «راح أحمد»، وبعد ساعتين من البحث يعثر على أحمد مغطى بالغبار الأبيض معانقا للموت، راحلا هذه المرة نحو أطفال حيّه الذين سبقوه قبل أسبوع في مشهد مماثل.
يتكرر المشهد بتفاصيل مماثلة بشكل يومي، وتتكرر معه قصص الموت، ومع ازدياد الهوة بين الرحيل والبقاء، تتكاثر إرادة الحياة من جديد، الطبيب الذي أسعف، والأب الذي فقد، وعنصر الدفاع المدني الذي مزجت دموع عينيه بعرق جبينه لتحمل سواعده السمراء أحلام جيل كان يمكن له أن يحيا بحرية، أصرت جميعها على الحياة وأعادت رسم خيار البقاء على أرض ولدوا من رحمها.

ومع عودة الإصرار من جديد، تعود التفاصيل اليومية لتشغل الحيز المتبقي من الروح، فذاك أبو أحمد ينطلق صباحا إلى فرنه الجديد، مسرعا لتأمين الخبز لسكان المدينة، وذاك شاب رهن نفسه لتعليم الصبية في النزوح من خلال “كرفان” بدلا عن مدارس غير متوفرة في أماكن النزوح، يكفيك أن تنظر في أعين تلاميذه الصغار وضحكات وجوهم، لتسترد ما تبقى من روحك، موقنا بأن الحياة مستمرة ما علت ضحكاتهم.

وليس بعيدا عن المسجد يطل صلاح برافعته، محاولا إصلاح أكبال الكهرباء التي تضررت بفعل قصف الأمس. 

لتدور عجلة الحياة مجددا، وتقف عند الموت المنتظر، لترتاح برهة ثم تتابع دورانها، فها هو المرصد عاد من جديد ليؤكد دخول المروحية أجواء المدينة، وهاهم فرق الدفاع المدني في حالة التأهب القصوى، والفرق الطبية تنتظر بقلق ما سيحدث، لحظات فقط، الصفير مجددا، الموت مجددا، ومجددا إرادة البقاء.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*