خارج إرادتها.. أسباب تبعد التجمعات السياسية عن الشارع

خاص زيتون

يتفق المراقبون للمشهد السياسي السوري في الداخل بشكل عام ومحافظة إدلب بشكل خاص على ضعف تأثير التجمعات السياسية على الشارع وبعدها عنه، كما يتفقون على وجود أسباب عديدة تقف وراء هذا الضعف والبعد، منها أسباب تتحمل التجمعات نفسها جزءاً من المسؤولية عنها، كضعف التنظيم والإعلام لدى بعضها، أو اقتصارها على فئات محددة أو قلة فاعلية تجمعات أخرى.

لكن هناك أسباب أخرى، خارجة عن مسؤولية تلك التجمعات ساهمت الظروف بفرضها أو تعزيزها، كسيطرة العمل العسكري على المشهد الداخلي، بالإضافة إلى الكبت ومنع الحقوق والحريات لأكثر من أربعين عاماً، والذي أدى لحالة تصحر سياسي لدى الأهالي، يُضاف إلى ذلك أسباب تتعلق بالشارع ذاته.
عضو المكتب التنفيذي في هيئة الحراك الثوري السوري “داوود سليمان” يرى أن ضعف العمل السياسي ناتج عن تغييب المجتمع أربعون عاماً عن هذا الجانب، فلم تنتج الثورة في البداية قيادة سياسية تعمل بشكل حقيقي، وعند تأطير الثورة وتشكيل تنسيقيات تمارس العمل السياسي الثوري

تم سرقة الواجهة السياسية، وأوكل هذا العمل بشكل أو بآخر للأجسام المنتجة خارج حدود سوريا، مثل المجلس الوطني والائتلاف ومن ثم هيئة التفاوض، ولهذا لم يمارس الثوار العمل السياسي، وانشغلوا بالمجالس المحلية والعسكرة.

وأضاف “سليمان” لزيتون: “ظن الأهالي أن حاجتهم تقتصر على الإدارة والتحرير، وأن الحاجة للعمل السياسي تتجلى فقط في حالة التعامل مع الدول، لكننا نحتاج الآن إلى توضيح الأسباب وإقناع الحاضنة الشعبية بضرورة إعادة تفعيل العمل السياسي”.

بينما تعتبر عضوة تجمع عدالة لنساء سوريا في مكتب سراقب “غادة باكير” أن الفجوة الموجودة بين التجمعات السياسية والأهالي ناتجة عن عدم اهتمام نسبة لا بأس بها من أهالي محافظة إدلب بالجانب السياسي، وهو ما تردّه إلى الظروف الراهنة وما نتج عنها من فقدان الأهالي لثقتهم بالسياسيين، والذي يعد أحد أهم أسباب ضعف تأثير التجمعات السياسية على الشارع بشكل عام.
ويمكن تحسين العلاقة بين الأهالي والتجمعات السياسية عبر تكاتف الهيئات السياسية والتجمعات في المحافظة، بحيث تفرض هذه التجمعات ثقلها على الساحة الداخلية والخارجية، ما يعطي بدوره ثقة أكبر لدى الأهالي بالتجمعات، إلى جانب إقامة حملات توعية سياسية، وندوات وحوارات مع الأهالي، تبحث في المشاكل والحلول والمطالب والآليات الممكنة، وبقدر ما تكون هذه الحوارات صادقة وشفافة، بقدر ما تجذب اهتمام الأهالي لها وتشجعهم على المشاركة فيها، على حدّ تعبير عضوة تجمع عدالة لنساء سوريا في مكتب سراقب.

أما مدير مكتب إدلب في حركة نداء سورية “عبد المجيد اليوسف” فيرى أن الدول حققت مرادها بسياسة تحويل الثورة من المطالبة بالحرية إلى المطالبة بالمساعدات، معتبراً أن ذلك أسلوباً خطيراً على العمل السياسي الداخلي، وأوضح قائلاً: “أصبح الناس يسألون ماذا قدمتم للشعب؟ وكأن التجمعات السياسية هي جهة داعمة إغاثية، لقد جعلوا شعبنا يفهم أن أي جهة لا تقدم مساعدات هي لا شيء، علماً أننا كجهة سياسية لا ينبغي أن نقدم أي دعم مادي بل فكري، وهذا السبب أبعد الناس عن التجمعات السياسية بالعموم”.
أما عن مشاركتهم مع الأهالي والانخراط في المظاهرات والفعاليات يؤكد “اليوسف” أنهم لم يتغيبوا عن هذا المجال، وأن أغلب السياسيين يتواجدون في هذه الفعاليات،

إلا أن سبب عدم ظهور أسماء التجمعات السياسية في هذه المظاهرات والفعاليات يعود لاعتراض المجالس المحلية والقائمين على الفعاليات، على تصدر الجهات السياسية للمشهد، ظناً منهم أنهم  يحاولون خطف الدعم منها.

من جانبه ينفي رئيس التجمع الثوري بمدينة إدلب “ياسر ياسين” في حديث لزيتون وجود بعد بين التجمع والشارع، مؤكداً أن العلاقة بين التجمع الثوري لمدينة إدلب وبين أهالي المدينة جيدة، وأن التجمع يستمد قوته من قوة هذه العلاقة، مستشهداً بكون أفراد التجمع كافة من أبناء المدينة، وهم ذاتهم القاعدة الشعبية فيها، انبثقوا من أحيائها وأسسوا التجمع.

في حين يعتبر “الياسين” أن هناك بعد بين الشارع وبقية التجمعات السياسية في المحافظة، وأن أحد أهم أسباب هذا البعد هو وجود العديد من أعضاء هذه التجمعات خارج سوريا، ما يبعدهم عن واقع الأهالي ومعاناتهم ومتطلباتهم أو آرائهم، مضيفاً: “كما توجد أسباب لبعد الشارع عن التجمعات تتعلق بالشارع ذاته، من بينها الخوف وتجنب أي عمل فيه إبداء للرأي، وذلك نظراً لسياسية النظام على مدى العقود السابقة، بالإضافة إلى الخوف من الفصائل، فضلاً عن الأوضاع التي عاشها وما يزال يعيشها الأهالي، والتي أبعدتهم عن هذه التجمعات وقللت من تفاعلهم معها”.
ومن يوصل صوت الشارع، ويكون قريباً منه، ويلامس وجعه، ويضعه في مقدمة أولوياته، ويقدم له خدماته، هو من يستقطب الأهالي، ويدفعهم على التفاعل معه، بحسب رئيس التجمع الثوري السوري بمدينة إدلب.

العسكرة سيدة الأسباب
يرجع عضو تجمع سورية الثورة “ياسر الديبو” قلة تفاعل الأهالي مع التجمعات السياسية إلى الاقتتال الفصائلي المستمر بالدرجة الأولى، ومحاولة كل فصيل التفرد بالساحة، وإقصاء الآخرين، وفرض فكره وتوجهه، وتجاهل فكر الشارع الثائر بشكل عام، وتجاهل طموحاته في إسقاط النظام، وبناء دولة المؤسسات، دولة الحرية والعدالة، مما جعل الكثير من الأهالي يظنون أن العمل السياسي هو عمل للفصيل، وليس للثورة، علماً أن الفصيل هو جزء من الثورة وليس كل الثورة.

وهو ما تؤيده رئيسة مكتب بناء الأسرة في محافظة إدلب “ميساء محمود” بقولها لزيتون:

“لا يوجد علاقة مباشرة بين الهيئات السياسية والأهالي في محافظة إدلب، وذلك بسبب بناء الهيئات على أسس ومعايير وأهداف غير واضحة ومعلنة للأهالي، ويعود السبب في ذلك إلى تحجيم هذه التجمعات والهيئات وإعاقتها من قبل الفصائل، وعدم توافق الخطاب السياسي مع العسكري والإعلامي”.

وأضافت “محمود”: “القيام بعمل سياسي حر أمر صعب حالياً، فيجب أن تتوفر إرادة لتحويل كل الخطابات العسكرية، وإخراج القوى العسكرية من المناطق المدنية، وتوجيهها نحو مناطق الصراع مع قوات النظام، بينما تدير المجالس المحلية والإدارات المدنية شؤون المناطق المحررة، وتعمل الهيئات السياسية فيها بحريّة، ويكون لها تمثيل في الخارج، وتشارك في الحوارات والمفاوضات والمؤتمرات، لفرض رأي سياسي يتكلم باسم الأهالي، وهو ما يمهد الطريق لبلورة مستقبل لهذه الهيئات”.

وفي ظل حالة ضعف الثقة بالعمل السياسي والمدني من قبل الأهالي واعتبار العمل العسكري أكثر تأثيراً من العمل السياسي، يجد المنسق العام لهيئة الحراك الثوري “يسار باريش” أن الطريقة الأمثل لإعادة تشجيع الأهالي على الانخراط بالعمل السياسي والمدني هي وجود تكتلات أو مجاميع ثورية واعية بعيدة عن الأهداف أو الانتماءات الحزبوية أو المناصب الشكلية، تمارس نشاطاً سياسياً حقيقياً، وتكون حالة ضاغطة تمثل تطلعات الأهالي.

وعندما يرى الأهالي أن هذه المجاميع تسعى لتحقيق حالة سياسية غير آنية، وتعمل على نشر وعي سياسي مشترك، دون انخراط في مسألة تنظيمية، حكماً ستكون مصدر ثقة، وسيصبح الجميع شركاء لها وجاهزون للعمل معها، وفقاً للمنسق العام لهيئة الحراك الثوري.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*