عمدة النساء المهاجرات.. “يمينة شلدة” امرأة بألف منظمة

صورة رمزية

زيتون – وعد البلخي
في إحدى ضواحي باريس وفي مجتمع غني بالحضور العربي ولا سيما الجالية المغاربية مع وجود خجول للسوريين بدأ في السنوات الأخيرة، تنشط “يمينة شلدة” بين بيتها ومدارس أبنائها ومؤسسات الدولة ولقاءاتها مع صديقاتها في حركة بندولية أبدية يخيل إليك أنها لن تتوقف أبدا، في سعي جدي وحقيقي وخالص لخدمة محيطها ومنحهم مزيدا من السعادة وحمايتهم وتحصينهم من المشاكل والمطبات.


“عمدة المدينة” هو لقبها الذي أطلقته عليها صديقاتها، اللواتي جمعهن حبّها للمساعدة، وإصرارها على مد يد العون للجميع، حتى دون الطلب منها، بالإضافة إلى سماحة قلبها، وبساطتها، وضحكتها التي لا تفارق وجهها، مهما كان الشخص الذي أمامها، فشخصيتها الاجتماعية المتقبلة للجميع، والمحبة لتداول أطراف الحديث مع الجميع، تجعلها الشخصية المحورية في كل اجتماع.

لا تعرف الغضب إلا في حالتين، حين ترى تصرفا مسيئا من عربي أو مسلم يسيء للفئتين أمام الآخرين، أو يتعرض أطفالها للاعتداء، سوى ذلك فإنها لا تضجر من كثرة الطلب، تكاد تظن أن كل من في المدينة يعرفها، ولكنك تجزم عندما تراها بأن الجميع يحبها، عرباً وفرنسيين وغيرهم.
تنتقد ببساطة وعفوية دون شعور منها بانتقاص الأخرين، منطلقة من انتقاد نفسها وعائلتها، ضاحكةً غير مبالية بردود فعل المستمعين.


بقدٍّ ممشوق تسير تلك السيدة الجزائرية الأصل، الفرنسية الجنسية، المولودة في فرنسا عام 1977، في شوارع الضاحية الباريسية دون كلل أو ملل، تحفظ كل شارع فيها، وتعطيك لمحة تاريخية عن كل بقالية أو عيادة أو طبيب، وتميّز الزائر الجديد، وتعرف الموظفين وحتى سائقي حافلات النقل العام، فيتبادر إلى ذهنك أنها بالفعل عمدة المدينة، وأنها ليل نهار تعمل في أروقة الدوائر الرسمية.

لا تقتصر معرفتها الشمولية على الأشخاص والأماكن، بل تدرك كل مداخل ومخارج القانون، ومن هنا فإنها تميز كل من يحتاج للمساعدة، وتبادر بالعرض عليه قبل أن يطلبها، منطلقة من مبدأ أنها اليوم تجد من يحتاج إليها ولكنها غداً لن تجد، وربما ستكون هي بحاجة للمساعدة.

كثرة الذين يلجؤون إليها، أو تسرع هي إليهم، يدفعها إلى الحركة الدائمة فهي إما سائرةً على الأقدام، أو أنها تنزل من إحدى السيارات، عائدة من دائرة رسمية أو عيادة طبية أو سوق تجارية، وقلما تكون في منزلها، إلا في فترة الغداء من أجل أولادها، ولكن حتى في هذه الفترة قد تتساهل في بعض الوقت مقابل تبادل الأحاديث، ولا سيما أنها تحضر الطعام قبل خروجها لإيصال أطفالها إلى المدرسة صباحاً.

تتنقل ما بين معلمات المدرسة وأمهات الطلاب، وجاراتها والسيدات العربيات، هذه تريد أن تسألها سؤالاً، وتلك تود أن تشرح لها أمراً، وأخرى تطلب إليها أن تترجم لها أو تنقل رسالة عنها، وغيرها ترغب في أن ترافقها إلى مكان ما، هكذا تقضي الجزائرية “يمينة شلدا” أيامها وأوقاتها، ولكنها تفرد مساحة صغيرة من الوقت لنفسها، تتردد فيها على نادي الرياضة، ودرس القرآن، ودروس تعليم قيادة السيارات.

وإن حدث وتوقفت معها للحديث وأسهبت يمينة فلن تضجر من مرور الوقت أو ثقل الوقوف، فالخبرة والجو المرح الذين تضفيهما بوجودها يجعلك تنسى الوقت وتنسى معه كل التزاماتك وواجباتك، وتتركها وأنت تود أن يكون هناك متسع من الوقت.

هي المبادرة في الدعوة إلى اللقاءات وهي من تنهيها، بدونها لا يكتمل النصاب، تأخرها عنك يعني أنها في مهمة خدمية لغيرك، توزع اهتمامها دون تكلف، وتقدر خصوصية كل واحدة على حدة وتفكر في ظروفها وأحوالها.
تسارع لتبرير أخطاء الآخرين وإعطائهم الأعذار، أو تهيئ لهم الأجواء للانضمام أو الانسحاب بكل لباقة ودون إحراج، بطيبة بادية على الوجه وفرح غامر بحضورها الطاغي الذي بات يهيمن على اللقاءات اليومية لنساء الحي صباحا وهن يوصلن أطفالهن إلى المدراس.

مبادراتها المستمرة تجاه النساء والمحيط تنبع من شخصية مستقرة وصلبة تتسم بسعة الاطلاع وبذكاء فطري مميز، إضافة إلى شجاعة وجرأة طبيعية تفتقر إليهما الكثير من النساء، ولعل هذه الجرأة هي ما سمحت لها بتشكيل هذا الجو والحضور في وسط فيه كل هذا المزيج من الثقافات، هذه الثقافات التي لا يمكن إلا لشخص ذو شخصية قوية أن يجمعها.

تعرف ظروف واحتياجات كل صديقة من صديقاتها، تسدي النصائح، وتبحث عن احتياجاتهن، وتسارع بالاتصال كلما وجدت شيئا يناسب إحداهن لإبلاغها، فهي دائماً أول من يرى ويجد، لأنها الأكثر نشاطا وحركة.

خبرتها المحدودة بالتكنولوجيا، هو عيبها الوحيد، فبقدر ما تجيد التعامل مع البشر إلا أنها جاهلة بتقنيات الحاسوب وبرامج الجوال وطرق الشراء الإلكتروني، وربما كان مرد ذلك إلى اهتمامها المركز على الإنسان وتوجيه ذكائها نحو البشر دون حرص منها على تعلم أساليب التقنية المعاصرة، باستثناء تلك التي لها علاقة بالتواصل مع الأصدقاء كبرامج الواتس آب والفيس بوك والإيمو وغيرها من برامج الاتصال.

بيضاء السريرة، بريئة الخاطر، سهلة المعشر، تسعى دائما لتسهيل الحياة على من حولها، قدوة النساء في الاطلاع والتعامل، وربما يحسدنها على محوريتها ومحبة الناس واحترامهم، لكن استثنائيتها تكمن في إيمانها من أن خدمة الناس ومحبتهم هي من محبة الله لها، ونعمه عليها.

ربما ستقرأ يمينة هذه الكلمات، لكنها بالتأكيد لن تفهم تماماً معناها، فلغتها العربية التي تلقتها في إحدى مساجد باريس ظلت عائقا لفهمها الكثير مما نقوله نحن السوريون لكنها بضحكة واحدة تنسف كل ما يمكن أن يكون حاجزا بينها وبين الأخريات.

معضلة التفاهم باللهجات العربية بين السوريين والجزائريين المتواجدين في فرنسا، والذين يحتلون المركز الأول بين الأجانب في فرنسا، ليست عند يمينة وحدها بل هي إحدى صعوبة فهم السوريين للهجة المغاربية المقدر عددها بأكثر من 5 مليون جزائري، حوالي نصف مليون منهم يقيمون في العاصمة باريس، بحسب إحصائية المعهد الوطني للإحصائيات والدراسات الاقتصادية “إ. نسي” عام 2015.


وتشكل الجالية المغاربية رأس الهرم لدى المهاجرين في فرنسا، إذ تشير الأرقام الصادرة عن السفارة الفرنسية أن السلطات الفرنسية منحت 410 ألف تأشيرة للجزائريين سنة 2016، في حين حصل السوريين على ما لا يزيد عن 2500 طالب لجوء، في وقت أعلن المكتب الفرنسي لحماية اللاجئين والمشردين أن ما يزيد عن 86 ألف لاجئ تقدموا بطلبات لجوء إلى السلطات الفرنسية عام 2016، بينهم ما يزيد عن ستة آلاف سوري.
في حين تسجل الجالية السورية في فرنسا تواجدا ضعيفا من قبل عام 2011، فقد كان معظم أعضائها من الطلاب السابقين الذين قرّروا البقاء بعد انتهاء دراستهم، وهو ما يفسّر العدد القليل للسوريين في فرنسا اليوم.


رغم أنها لم تحصل على شهادة علمية أو تشغل منصبا رسميا أو اجتماعيا، إلا أن “يمينة شيلدة” تمثل بشكل عملي النموذج الإنساني المشرق للمرأة العربية خصوصا والمرأة بشكل عام، بتلك الروح المندفعة والمحبة والفائضة بالخير للجميع.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*