عشرين يوما في سجن جورين.. وتفاصيل معتقل

خاص زيتون

ليس من أهل الثورة ولم يتعاطف معها يوماً، لكنه لم يعمل ضدها، تبنى موقفا كموقف الكثيرين في حيادهم المتعب لهم ولطرفي الصراع في سوريا، فلم يسلم على نفسه من تشبيح النظام أو من تهديدات وشكوك الثوار، ولا سيما أنه من أهالي مدينة اشتهرت بأسبقيتها بالخروج عن سيطرة النظام في ريف إدلب، ونالت -وما تزال- حصتها من قصف الطائرات وفوضى الفصائل.

في السابع والعشرين من آذار الماضي كان على “أبو علي” ذو 65 عاما التوجه مرغماً إلى تربية حماة لاستلام عهدة مدرسية بحكم وظيفته كأمين سر لمدرسة إعدادية، ولم تُجدِ مع التربية كل الحجج التي قدمها للتخلص من هذه الرحلة، فهو يعرف مدى الخطر الذي يتهدده في عبوره لحواجز النظام المنتشرة من مدينة قلعة المضيق وحتى حماة، والتي تبلغ أكثر من 15 حاجزاً، لم تهدأ فيهم حدة الفوضى والتنمر والمزاجية في التعامل مع العابرين بين المنطقتين رغم السنوات السبع الطويلة.

على الحاجز الثاني عاد السائق مع عنصر من الحاجز لينادي على أبو علي بأن يترجل من السيارة ويرافق العنصر إلى غرفة الحاجز، ثم ليتم إرساله بعد بضعة أسئلة عن اسمه ومكان إقامته إلى مدينة الصقيلية ومن خلال الشرطة العسكرية تم نقله إلى مدينة حماة، ومن ثم إلى سجن بلدة جورين شمال غرب مدينة حماة.

وقع ما كان يخشاه وما حاول أن يتجنبه لسنوات طويلة، صار معتقلاً ككل المعتقلين، ودقة المعلومات التي سؤل عنها أثناء التحقيق معه خلال الأيام الستة الأولى من اعتقاله دليل على استهدافه هو ليس كما كان يتوقع أو يخشاه من تشابه الأسماء، وبات مصيره معلقاً أمام احتمالات ربما كان الموت أحدها، وإطلاق السراح آخرها.

أُودع أبو علي فور وصوله للسجن في منفردة برفقة سجين آخر له بذات العمر، قضى فيها نصف مدة اعتقاله، تبادل مع زميله خلالها الأمكنة لتخفيف الضغط على جانبيهما، لينتقل بعد عشرة أيام إلى الزنزانة الجماعية، كما تعرض للتعذيب والضرب، لكنه مقارنة بما كان يراه ويسمعه من تعذيب غيره كان يعتبر أنه من المحظوظين، فلم يتعرض للشبح الذي كان يخشاه كغيره رغم قرارهم بشبحه، لكنه تعرف على بساط الريح والضرب المبرح.

ويروي أبو علي كيف أن القمل كان بحد ذاته عقوبة تتآكل السجناء، فضلاً عن انعدام النظافة وضيق التغذية والتعذيب الوحشي اليومي حتى لمن هم أكبر منه سناً، فلا كرامة للعمر أو للمرض أو لتاريخ السجين.

في الجهة الأخرى من الحياة تلقت أسرة أبو علي نبأ اعتقاله كالصاعقة مع ما يمكن أن يتبع ذلك الاعتقال من احتمالات خطيرة، لتبدأ الاتصالات والتساؤلات، ولتتحول حياتهم إلى مأتم محتمل مستمر، انعدمت فيها كل قابلية للفرح، في حين عادت الأفكار والعتاب على السماح له بالذهاب بين المقربين لهم، فيما وضعت شقيقته القريبة من عمره صورته على برنامج تواصلها الالكتروني، وذلك بعد خضوعها لعملية جراحية للقلب نتيجة تردي وضعها الصحي على خلفية اعتقال شقيقها.

بعد عشرين يوما أطلقت قوات النظام سراح أبو علي بعد أن أجرت تحقيقاتها، ليعود محملا كغيره ممن يفرج عنهم بأمانات المعتقلين وعهدة زيارة ذويهم وطمأنتهم، وما يزال أبو علي حتى اليوم يتنقل ما بين القرى والبلدات في المناطق المحررة ليسأل عن منازل رفاقه الذين تركهم خلفه، وليجيب على فضول أهاليهم المتلهفة لمعرفة أي خبر عنهم، كما يقصده الكثير من الأهالي الذين يبحثون عن أبنائهم المعتقلين، هي سنة المفرج عنهم وتسديد دين من سبقوهم في الخروج، ودورهم في إيصال أخبار من بقي في السجن.

رفيق منفردته من أهالي بلدة “التح” سبقه بإطلاق سراحه، سارع بعد خروجه للاتصال بعائلة أبو علي وطمأنتهم عن وضعه الصحي وإمكانية خروجه خلال أيام، وبدوره قام أبو علي بزيارته بعد خروجه في منزله للاطمئنان عليه وخصوصا أنه تعرض لتعذيب أسفر عن إزرقاق في قدميه لم يشفى منها حتى الآن.

واحدة من قصصه كانت حول معتقل قدم من سجون دمشق إلى جورين كان قد اعتقل على يد القوات الكردية في مناطق سيطرتها، يؤكد أبو علي أن “عرب” وهي كنيته المعتقل، قد سلم من قبل القوات الكردية لقوات النظام قبيل معركة غصن الزيتون التي شنها الجيش التركي بمشاركة الجيش الحر، واصفا تعذيبه بالشديد بعد انتزاع اعترافاته بمشاركة الجيش الحر في عملياته العسكرية ضد النظام.

ويقع معسكر الاعتقال في بلدة جورين شمال البلدة، أنشأ في زمن سرايا الدفاع ليتحول بعدها إلى ثانوية زراعية ثم ليعود ليصبح معسكرا ومعتقلا من قبل النظام في السنة الثانية للثورة.

وتبدأ حواجز قوات النظام على طريق إدلب حماه من طريق “قلعة المضيق” والذي يضم قرابة 7 حواجز لقوات النظام، إضافة للحواجز الموجودة في كراجات مدينة حماة.

وكانت قوات النظام قد اعتقلت على إحدى حواجزها في ريف حماه 3 معلمات من محافظة إدلب في 25 نيسان 2016 أثناء توجههن لقبض الرواتب من مديرية التربية في حماة، وطلبت من السائق المغادرة بعد إنزال النساء الثلاثة، إحداهن على حاجز المطار واثنتين على حاجز القلعة، تم التأكد من إطلاق سراح إحداهن بعد أكثر من شهر، فيما لم يعرف مصير الأخريتان.

كما تم إطلاق سراح معلم من مدينة سراقب بعد اعتقاله على حواجز النظام أثناء توجهه لاستلام راتبه في شباط الماضي من العام الحالي، وتواترت أخبار عن اعتقالات متكررة من قبل ميليشيا الدفاع المدني في الصقيلية لبعض المعلمين الذين طلبت منهم مديرية التربية مراجعة نقاط أمنية في جورين، بعضهم تعرض لابتزاز بمبالغ مالية كبيرة كفدية بلغت 3 ملايين ليرة سورية واستلامها من ذويهم.

وتأتي هذه الأحداث بعد أن أوقفت مديرية التربية بإدلب العاملة في حماة رواتب الموظفين منذ بداية 2016، لتعود لتسليمها بعد ذلك بشروط جديدة لا تخلو من احتمال الخطر على المعلمين.

هذه سوريا، الإنسان بها متهما حتى تثبت براءته، لدى نظام يدعي الشرعية والنصر على الإرهاب ويحتفل بقتل شعبه.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*