تحررت من الظالم لكنها لم تتحرر من الظلم … مدينة جسر الشغور

ي مثل هذا اليوم، في الخامس والعشرين من نيسان 2015، تنفست مدينة جسر الشغور الصعداء بعد أن أطلق جيش الفتح معركة ضخمة لتحرير المدينة من قوات النظام ضمن معركة تحرير محافظة إدلب التي أطلق عليها اسم “معركة النصر”، والتي استمرت ثلاثة أيام، تمكن خلالها جيش الفتح من دخول المدينة ودحر قوات النظام منها، بعد تمهيد مدفعي وصاروخي لكسر الخطوط الدفاعية الأولى لقوات النظام، ثم اقتحام المدينة من عدة محاور وتحرير مداخل المدينة والتغلغل في أحيائها، لن ينسى أهالي المدينة وثوارها ذلك التاريخ بعد إعلان تحرير المدينة بشكل كامل باستثناء المشفى الوطني، والذي كان قد حوله النظام إلى ثكنة عسكرية استعصت داخله قوة من الجيش، واستمرت معركة تحرير المشفى الوطني قرابة أسبوعين.

لم يمهل النظام أهالي المدينة ليهنأوا بتحرير مدينتهم، ورافق التحرير منذ اليوم الأول غارات جوية قصفت وسط المدينة راح ضحيتها ما يقارب 35 شهيداً، كما تسبب القصف بتحويل جسر الشغور إلى مدينة أشباح بعد موجة نزوح كبرى من الأهالي للقرى المجاورة وتركيا.
ثلاثة أعوام والقصف لم يتوقف عن المدينة إلا ما ندر، فلم يقتصر على القصف الجوي بل تم استهدافها بشكل شبه يومي وبكافة أنواع الأسلحة الثقيلة وراجمات الصواريخ المتمركزة في معسكر جورين وجبلي الأكراد والتركمان، إضافة إلى استهدافها بصواريخ من البحر، باستثناء هدن مؤقتة كان يتم الاتفاق عليها بين الحين والآخر لكنها لم تخلو من خروقات النظام.
دمر القصف خلال هذه الأعوام الثلاث البنية التحتية للمدينة وأخرج منشآتها الحيوية من مياه وكهرباء واتصالات ومرافق طبية وخدمية وتعليمية عن الخدمة، كما طال القصف المعالم الأثرية في المدينة كالجامع الكبير، والجسر الروماني القديم في المدينة، فضلا عن تدمير المئات من منازل المدنيين وتهجير أكثر من ثلثي السكان.

كما كان للفصائل العسكرية المتمثلة بهيئة تحرير الشام والحزب الإسلامي التركستاني التي تسيطر على المدينة دوراً كبيراً في تراجع الخدمات في جسر الشغور، فبالرغم من تشكيل مجلس محلي للمدينة، إلا أنه لم يلبي احتياجات الأهالي، ولا حتى الأساسية منها.
وتعاني مدينة جسر الشغور منذ تحريرها وحتى اليوم من مشاكل في توفر المياه وارتفاع أسعار الكهرباء الخاصة والأمبيرات ومشاكل التعليم، ما شكل لدى الأهالي رد فعل غاضب تجاه سوء إدارة المدينة التي ظلت تحت سيطرة فصيل هيئة تحرير الشام والحزب التركستاني متمثلاً بالمجلس المحلي في المدينة، أدت في بعض الأحيان إلى مظاهرات لحل المجلس المحلي وتشكيل مجلس جديد عن طريق انتخابات جديدة، ما ساهم بتحسن نسبي في قطاع الخدمات.
يستذكر “عبد الباري عمران” أحد أهالي مدينة جسر الشغور وشاهد على تحريرها يوم جلاء قوات النظام قائلا: “يوم تاريخي لا يمكن لأحد ممن عاشه أن ينساه، بدأت المعركة في منتصف الليل ولم تهدأ الاشتباكات لو للحظة، سيطرت على الأهالي خلالها مشاعر الخوف والقلق مما ستؤول إليه الأمور، وخلت الشوارع من المارة بما يشبه حظر التجوال لمدة ثلاث أيام، تحول الخوف بعدها إلى مشاعر فرح”.
ويصف “عمران” مشاعر الأهالي الذين غمرتهم السعادة بلقاء أبنائهم الثوار الذين لم يتمكنوا من لقائهم منذ أربع سنوات.

بعد التحرير فهذه المدينة التي كان يبلغ عدد سكانها حوالي مئة وخمسون ألف نسمة، باتت اليوم لا تضم أكثر من خمسون ألف نسمة، وذلك بسبب القصف العنيف الذي تشهده يوميا، معظم قاطنيها حاليا من المهجرين سواء من مناطق الغوطة أو حلب وحمص، في حين تشتت أبناء المدينة في القرى المجاورة والحدودية وفي المخيمات، ومنهم من لجأ إلى خارج الحدود خوفا على عائلته من الموت الذي يخيم على المدينة. 
لموقع مدينة جسر الشغور أهمية كبيرة، فهي تقع في ريف إدلب الغربي على الطريق الواصل بين حلب واللاذقية، ما يجعلها صلة وصل بين الساحل ومحافظتي إدلب وحلب، كما تعتبر البوابة الرئيسية لمحافظة إدلب من ريف اللاذقية وسهل الغاب، فهي محاذية لمناطق سيطرة النظام الذي حاولت قواته مرات عدة التقدم باتجاهها لكن محاولاته باءت بالفشل.
بعد كل ما عانته مدينة جسر الشغور قبل وبعد التحرير، ما يزال أهلها يحاولون إعادة إعمار ما دمرته الطائرات، وتأمين مستلزمات الحياة فيها، من خلال إنشاء مراكز خدمية وطبية وتطوعية ومشاريع وحملات ميدانية وتعليمية.
تحررت جسر الشغور من قوات النظام لكنها لم تتخلص من الظلم، ولم تستطع أن تكون حرة تديرها أيدي أبنائها، وهي تراقب ما يجري على الأرض من اقتتال الفصائل الإسلامية وتسويات مصالح الدول الاقليمية والدولية بقلق بالغ من اتفاقيات أو انتكاسات قد تفضي بها إلى سيطرة النظام مرة أخرى.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*