المعارض والناشط أحمد دركزنلي: الحركات السلفية دمرت روح الثورة في الداخل وبشكل خاص في الخارج

إدلب.. المحافظة التي تشهد أخطر مراحل تاريخها بعدما عصفت رياح الثورة بها وبقيت ملاذ ثوار سوريا الأخير، تتوجه لها الأنظار في ما تمر به من اقتتال فصائل المعارضة وحرب اغتيالات وتسويات سياسية أقليمية ودولية، يتراجع العمل المدني فيها وتزوي التجمعات السياسية.

عن العمل السياسي ومصاعبه في ظل الحروب، وعن مكامن الضعف وأسبابه، والبحث عن حلول ممكنة التقت زيتون بالمعارض السوري عضو تيار الوحدة الوطنية، وعضو اللقاء السوري المفتوح في باريس “أحمد دركزنلي”.

أجرى الحوار: رائد رزوق

–    هل ترى أن وجود التجمعات السياسية في المناطق المحررة امرا ضروريا وهاما أم أنها مجرد مرحلة عابرة مرهونة بالتسويات السياسية الدولية؟ والتي يمكن أن تزول في حال اجتاحت قوات النظام محافظة إدلب؟

لا شك أن وجود التجمعات السياسية في المناطق المحررة أمراً ضرورياً ويحتاج له المجتمع السوري، الذي يعاني ويضحي كثيرا من أجل الخروج من أربعة عقود من سطوة عصابة الفساد والاستبداد لعائلة الأسد وشركائها، هذه الحقبة التي تم فيها مصادرة جميع حقوق السوريين المدنية، وسلِبت إرادتهم، وشّوه تاريخهم، ورهن مستقبلهم.

من هنا تكمن أهمية تجربة الحراك المدني السياسي، في هذه المناطق، وإن بقي هذا الحراك مقيداً الى حد كبير، بسبب هيمنة بعض القوى المعادية لحرية التعبير، والتي كانت تسعى إلى لجمه حيناً، وإلى قمعه في أغلب الأحيان، وذلك لمنعه من أداء دوره في التنوير والتغيير.

 

–     كيف ترى أداء التجمعات السياسية المعارضة في الخارج وفي الداخل السوري؟

حسب رأيي، من المبكر الحكم بشكل نهائي على هذه التجربة، كونها حديثة النشأة ولم تأخذ بعد الشكل التنظيمي القوي، ولم تتوفر لها الموارد المادية والبشرية اللازمة والضرورية لمثل هكذا تجمعات، كما لم تتوفر لها الظروف الأمنية الملائمة، من أجل أن تعبّر بشكل حر عن رأيها، وتشرح برامجها وأهدافها، وتنسج علاقاتها الطبيعية مع محيطها، ثم مع المجتمع وتتفاعل بشكل صادق وصحيح مع قضاياه الوطنية ومطالبه العادلة.

 

– هل يمكن الاستفادة من تجربة العمل السياسي في أحزاب عربية أو دولية واستغلال هذه التجارب في تلافي أخطاء التجمعات السياسية المعارضة؟

بالنسبة للاستفادة من تجارب عربية أو دولية، أعتقد أن لكل تجربة خصوصية معينة، وطبيعة سكانية، وتاريخ، وعادات، وظروف أمنية وما إلى ذلك، وكل هذه العوامل تفضي الى مسارات قد تكون مختلفة بشكلها العام، وإن كان هناك بعض نقاط التشابه أو الالتقاء، ولكن لا يمكننا تطبيقها في الحالة السورية، فعندما خرج السوريون مطالبين بالحرية، لم يكن متوقعا هذا الكم الهائل من الجرائم، وهذه الوحشية المنفلتة من كل الضوابط، كما لم يكن متوقعا تخاذل المجتمع الدولي وكذبه ومراوغته إلى هذا الحد.

حيث تقزّمت كل القيم وكُشفت عورتها، وفقدت كل شعارات التضامن العربي والعالمي معانيها، وأصبحت عاجزة، أو “متعاجزة”، بل عارية تماماً أمام المأساة السورية!، وهذا قد يجد تفسيره بأن هذه القوى ليس لها مصلحة بأن تحقق الثورة السورية أهدافها وبناء دولة المؤسسات، وفصل السلطات، وسيادة القانون والقضاء المستقل، واحترام حقوق الإنسان المدنية.

عندما خرج السوريون مطالبين بالحرية، لم يكن متوقعا هذا الكم الهائل من الجرائم، وهذه الوحشية المنفلتة من كل الضوابط، كما لم يكن متوقعا تخاذل المجتمع الدولي وكذبه ومراوغته إلى هذا الحد. حيث تقزّمت كل القيم وكُشفت عورتها، وفقدت كل شعارات التضامن العربي والعالمي معانيها، وأصبحت عاجزة، أو “متعاجزة”، بل عارية تماماً أمام المأساة السورية!

– ماهي اهم نقاط الضعف في التجمعات السياسية وأسباب ابتعاد الشارع الثوري عنها، سواء الأسباب الداخلية في التجمعات أو الخارجة عن إرادتها؟

هنا لا بد من العودة قليلا إلى حقبة حكم عائلة الأسد، حيث تم العمل، وبشكل ممنهج، على تشويه الانتماء الوطني، واستبداله بالانتماء إلى الفرد، وتم قتل روح المبادرة، وتأليب السوريين على بعضهم البعض، وتأقلم المجتمع، شيئا فشيئاً مع آفة الفساد، كما تم تعطيل كل مؤسسات الدولة الرئيسية، من قضاء، وإعلام، وسلطات تنفيذية، فأصبح المواطن السوري لا يحتمي بالقانون، وإنما بمدى تقربه من السلطة، وفي النهاية تم ترسيخ حكم الفساد والاستبداد على كامل التراب السوري.

هذه الذهنية ألقت بظلالها وواكبت، للأسف، العديد من التجارب السياسية المعارضة، ولم تتخلص بشكل تام من تبعات الأمراض الآنفة الذكر، حيث عمل النظام على تكريسها طيلة سنوات حكمه، وتأقلمت معها أجيال عديدة من السوريين، كونها كانت هي وسيلتهم الوحيدة من أجل البقاء والاستمرار في العيش، بانتظار ظروف أفضل من أجل التغيير.

من هنا لم تتمكن التجمعات السياسية من الارتقاء إلى مستوى معاناة الشعب السوري وتضحياته العظيمة، وبالتالي عجزت عن تأطير نضاله، مع عدم قدرتها على تقديم رؤية للمستقبل، بعيداً عن روح الحماس والخطابات والشعارات، مما أبعدها بشكل عملي عن إمكانية التأثير بالأحداث، وبقيت أسيرة ردات الفعل، دون إمكانية انتزاع زمام المبادرة، إضافة إلى وقوعها في خلافات جانبية طغت على مجمل حركاتها، مما أدى إلى فقدان البوصلة في كثير من الأحيان، عدم القدرة أو الجرأة الكافية لمواجهة القوى التي تغلغلت في صفوف الثوار، والتي كان دورها الأساس هو تشويه الثورة وحرفها عن مسارها منعها من تحقيق أهدافها، بالإضافة إلى غياب البرامج الواضحة، وعدم المقدرة على ابتكار آليات عمل جماعي تتناسب مع ظروف المرحلة وطبيعة تكوين هذه الأحزاب.

أخيرا المقاربة التي تم تبنيها في تشكيل أحزاب المعارضة السورية بشكل عام، كانت مقاربة قائمة على مبدأ “المحاصصة” (المناطقية، أو الطائفية، أو العرقية، أو العقائدية.. الخ) مما أبعدها عن أداء دورها الوطني وأصبحت أسيرة هذه التجاذبات التي صنعتها هي بنفسها، وعرضة لاستقطابات قوى إقليمية ودولية.

من هنا أعتقد أن العمل السياسي الحزبي يحتاج الى وقت طويل، من العطاء والتفاني والعمل الدؤوب ومحاربة الأمراض الآنفة الذكر، من أجل أن يستعيد أهميته في ذهن المواطن السوري، ومن أجل أن تعود ثقة السوريين بالعمل الحزبي بشكل عام.

لم تتمكن التجمعات السياسية من الارتقاء إلى مستوى معاناة الشعب السوري وتضحياته العظيمة، وبالتالي عجزت عن تأطير نضاله، مع عدم قدرتها على تقديم رؤية للمستقبل، بعيداً عن روح الحماس والخطابات والشعارات، مما أبعدها بشكل عملي عن إمكانية التأثير بالأحداث، وبقيت أسيرة ردات الفعل، دون إمكانية انتزاع زمام المبادرة

كما أعتقد أن المرحلة الحالية تتطلب عمل جبهوي عريض، وعابر للأحزاب، يجمع ويؤطر الطاقات الفردية للمجتمع، ويضعها ضمن برنامج وطني جامع، ذو أهداف واضحة ومحددة، للتحرر من نير الاستعمار المتعدد الجنسيات، والخلاص من عصابة الفساد والاستبداد.

هذا العمل الجبهوي العريض والمنفتح على القواسم المشتركة للشعب السوري، والبعيد عن الذهنية الحزبية الضيقة، هو الكفيل بإعادة ترتيب الأولويات، وتغيير أدوات وأساليب الصراع؟

 

– ما هو دور السياسيين السوريين والأجسام السياسية في الخارج ومسؤوليتهم اتجاه التجمعات السياسية في الداخل السوري وتطوير عملها، وكيف تنظر الشخصيات السياسية لهذه التجمعات حاليا وعلاقتها معها؟

لا يمكن توصيف السياسيين والأجسام السياسية في الخارج ضمن إطار موحد، والسبب يعود لطبيعة البلد المتواجدين فيه، فلكل بلد صيغ عمل وهوامش مناورة وحرية مختلفة، فمثلا في البلاد العربية وأمام انعدام هوامش حرية التعبير لا يمكن الحديث عن تأثير لعدم توفر هوامش حرية والتعبير، وإن وجدت هذه الهوامش تكون مؤطرة إلى حد كبير بشكل ينسجم مع الموقف الرسمي من نظام الأسد.

أما بالنسبة للدول الغربية وخاصة الأوروبية فهناك هامش حرية أكبر لكن بقي تأثير التجمعات والأحزاب والشخصيات السياسية محدوداً بسبب بعدها عن مراكز صنع القرار، ومن أجل أن يكون لها تأثير، يتطلب ذلك بالإضافة إلى الإمكانات الكبيرة والعمل الدؤوب الجماعي والمنظم والممنهج، الابتعاد أيضاً عن الشخصنة وتوحيد الجهود ضمن عمل مؤسساتي حقيقي لا يسمح للآخر بالتلاعب بالقرار الوطني السوري، وهذا ما سعينا إليه منذ بداية الثورة السورية، وللأسف لم ننجح إلى الآن على الرغم من توفر الكوادر الهامة والعلاقات الجيدة والخبرات التي لا يستهان بها، ويرجع ذلك أولاً إلى عملية الاستقطاب التي حصلت فور تشكيل المجلس الوطني في الخارج وهيئة التنسيق في الداخل، هذه العملية التي حصرت الحراك السياسي وصار كل منهما يسعى إلى تهميش الآخر، وبالتالي كانت المحصلة صفرية.

ثم جاء الائتلاف وكان الإعلان عنه وتشكيله من قبل قوى خارجية وأصبح من الصعب العمل من خارج هذه الأطر التي فرضت فرضاً ولم تكن صالحة لقيادة الثورة والمعارضة.

لم ننجح إلى الآن على الرغم من توفر الكوادر الهامة والعلاقات الجيدة والخبرات التي لا يستهان بها، ويرجع ذلك أولاً إلى عملية الاستقطاب التي حصلت فور تشكيل المجلس الوطني في الخارج وهيئة التنسيق في الداخل، هذه العملية التي حصرت الحراك السياسي وصار كل منهما يسعى إلى تهميش الآخر

هذه المؤسسات لم يتم تشكيلها بقصد انتصار الثورة بل كان الهدف منها تأطيرها لإيصالها إلى مكان ما يسهل اختراقها ويسهل التلاعب بها ودفعها في مسارات كانت مرسومة مسبقاً.

فيما يتعلق بمسؤولية السياسيين والمؤسسات السياسية في الخارج تجاه التجمعات السياسية في الداخل السوري فهي لم تكن بالمستوى المطلوب، وذلك يعود إلى أننا حين بدأنا نبحث في أسس وإمكانيات التواصل مع الداخل السوري وتنظيم الصفوف، جاءت مسألة عسكرة الثورة التي غيرت طبيعة المواجهة مع النظام وخلطت الأوراق، وأصبح من الصعب ممارسة العمل السياسي لأنه عندما يبدأ السلاح يغيب الحوار والعمل المدني.

إضافة إلى ظهور الحركات السلفية والتجمعات ذات الصبغة الإسلامية التي كانت مدمرة لروح الثورة في الداخل وبشكل خاص في الخارج، وكان الاستعصاء الحقيقي يكمن في البديل الذي أنتجه التسليح والحركات السلفية، والذي طغى على الحراك السوري بالداخل، وهو ما أثر على أداء العمل السياسي في الخارج لأن أي تغيير في سوريا له صبغة إسلامية معلنة، لا يمكن أن يجد آذاناً صاغية له، إضافة إلى تداخل مسألة الإرهاب واستثماره من قبل أجهزة إقليمية ودولية وخاصة الدول الداعمة للنظام السوري لوضع المجتمع الدولي أمام معادلة إما الدكتاتورية أو الإرهاب.

مسؤولية السياسيين والمؤسسات السياسية في الخارج تجاه التجمعات السياسية في الداخل السوري فهي لم تكن بالمستوى المطلوب، وذلك يعود إلى أننا حين بدأنا نبحث في أسس وإمكانيات التواصل مع الداخل السوري وتنظيم الصفوف، جاءت مسألة عسكرة الثورة التي غيرت طبيعة المواجهة مع النظام وخلطت الأوراق، وأصبح من الصعب ممارسة العمل السياسي لأنه عندما يبدأ السلاح يغيب الحوار والعمل المدني.

وأمام هذه المعادلة التي فرضت على الشعب السوري هذه الثنائية الشيطانية -إما الاستبداد أو الإرهاب- سهلت خيارات المجتمع الدولي في أن يختار الدكتاتورية والتأقلم معها مع استبعاد التأقلم مع الإرهاب، وهنا انقلبت الأجندات وترتيب الأولويات بالنسبة للمجتمع الدولي ولكل الدول الداعمة للثورة السورية، وأصبحت محاربة الإرهاب أولوية فيما غابت المطالب المحقة والمشروعة للشعب السوري، هذه المسالة تم توظيفها بشكل شيطاني لتكون المدخل من أجل الانقضاض على الثورة والعمل على وأدها. 

بما يخص التجمعات السياسية في إدلب نحن كأفراد يشرفنا أن نعمل مع توجهات التجمعات السياسية ذات الطابع الديمقراطي والمدني، وأعتقد أن المستقبل سيكون إلى جانبها، ونحاول كأفراد وكمؤسسات ناشطة في مجال العمل المدني أن ننقل رسائل هذه التجمعات لمؤسسات العمل المدني في الدول الغربية لنبرهن أن محافظة إدلب ليست معقلا للسلفية والتطرف بل إن هناك تجمعات سياسية ديمقراطية ومدنية تسعى لتحقيق دولة المواطنة، وتعادي التطرف على الأرض، وتدفع ثمن مواجهتها وصمودها في الداخل السوري.

 

– كلمة أخيرة؟

ثورتنا قامت ضد عصابات الفساد والاستبداد، ويتوجب على كل سوري ممن يعمل في الشأن العام أن يكون قولاً وممارسةً نقيض الفساد والاستبداد، وعدم التساهل أمام الممارسات الخاطئة، التي ساهمت في تشويه الثورة، وأبعدتها عن أهدافها السامية والنبيلة، من أجل إعادة الأمل إلى الشعب السوري الذي قدم تضحيات قل نظيرها في تاريخ ثورات الشعوب.

*أحمد دركزنلي

معارض وناشط سياسي سوري، مؤسس جمعية العمل من أجل سوريا، وعضو مؤسس لتيار الوحدة الوطنية، وعضو مؤسس للقاء السوري المفتوح في باريس عام 2012، شارك في تأسيس معظم الجمعيات الناشطة للثورة السورية في باريس.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*