الحجامة بين الطب البديل والعلم التجريبي

زيتون – أسامة الشامي
منذ أكثر من خمسة آلاف عام وحتى اليوم، وهي تُطبق كعملية علاجية بعيدة عن الطب الدوائي، أثبتت الأبحاث الطبية الحديثة نجاعتها في حماية الجسم من بعض الأمراض، وعلاجها لأخرى.
الحجامة هي عملية علاجية تعتمد على سحب الدم الفاسد والأخلاط الضارة من الجسم، والتي يمكن أن تكون سبباً بأمراض معينة، أو قد تتسبب فيما بعد بأمراض مستقبلية، والحجم في اللغة هو التقليل من الشيء.


مارسها أهل الشرق والغرب قبل أكثر من خمسة آلاف عام، وكانت إحدى أهم الوسائل العلاجية لكثير من حضارات العالم، فقد عرفها “الصينيون” و “الفراعنة” و “الهنود” و “الإغريق” و “الرومان” و “البابليون” و “العرب” قبل الإسلام”، ودلت الآثار والصور المنحوتة العائدة لتلك العصور على اعتمادهم الحجامة في علاج بعض الأمراض، مستخدمين فيها الكؤوس المعدنية وقرون الحيوانات وغيرها، بحسب ما أورده موقع “العلاج نت” عن تاريخ الحجامة.
يُعتقد أن الفراعنة هم أول من استخدم الحجامة في العلاج، وفقاً للرسومات والنقوش الموجودة في مقبرة “توت عنخ آمون” ومعبد “كوم أمبو”، الذي كان يمثل أكبر مستشفى في ذلك العصر، وأنها انتقلت من الفراعنة إلى “المنونين” سكان جزيرة “كريت”، وإلى “السومريين” الذين أجروها وفق طقوس خاصة في حماماتهم ومعابدهم.
كما وردت الحجامة كعلاج لمرضى الدرن الرئوي لدى الصينيين، وذلك في كتاب طبي مصنوع من الحرير اكتشف في مقبرة الأسرة الملكية “هان” سنة 1973، وفي كتاب “الإمبراطور الأصفر للأمراض الداخلية” الذي يعود إلى 4 آلاف عام.
بينما فصّل كتاب “الأيوربدا” الذي كتب باللغة السنسكريتية القديمة، ويعتبر من أقدم الكتب في تاريخ الطب الهندي، أدوات الحجامة بطرقها المختلفة، فيما برع في هذا الفن العلاجي عند الإغريق الطبيب الشهير “جالينيوس”، وتخلص الرومان من الفضلات السمية والدم الزائد في الجسم بعد عملية الاستحمام في الحمامات الرومانية التي انتشرت بكثرة في الإمبراطورية، كذلك برع الجراح البيزنطي “انيليوس” بالحجامة، واشتهرت الحضارات القديمة كحضارة “الأنكا” بمهارتها فيها. 
في حين استعمل العرب في عصور الجاهلية طريقةً في الحجامة لم تسبقهم إليها الشعوب القديمة، وهي “حجامة دودة العلق”. 
وجاء الإسلام كعادته في تثبيت كل ما هو صحيح ونافع والحث عليه، وتدخل في إطار الطب النبوي، حيث مارسها رسول الله (صل الله عليه وسلم)، وجاء في “الصحيحين” أن الرسول احتجم وأعطى الحجام أجره، كما حث عليها بقوله عليه الصلاة والسلام: “خير ما تداويتم به الحجامة”.
وعلى الرغم من تقدم الطب في العصور الحديثة، إلا أن الحجامة ما تزال تُمارس إلى يومنا الحالي، ومع بداية فصل الربيع من كل عام ينشط هذا النوع من الطب البديل، كعلاج ووقاية في آن واحد، وتجد الكثيرين يبحثون عن حجّامين (من يقومون بعملية الحجامة).

أنواع الحجامة وأوقاتها
للحجامة نوعين رئيسين هما: الحجامة الجافة والحجامة الرطبة
الحجامة الجافة يستعمل فيها الحجّام ما يعرف بكؤوس الهواء، يضعها على موضع الألم في جسم المريض دون جرح جلده، وتفيد في نقل الأخلاط الرديئة من مواضع الألم إلى سطح الجلد، وبذلك يختفي جزء كبير من الألم.
أما الحجامة الرطبة فيقوم فيها المحجم بتشريط الجلد تشريطاً خفيفاً، ومن ثم يضع الكأس على مكان التشريط ويفرغها من الهواء عن طريق حرق الأوكسجين فيه، فيندفع الدم والأخلاط الرديئة من الشعيرات والأوردة الصغيرة إلى سطح الجلد، بسبب التفريغ الذي أحدثه المص، ولذلك يُعرف هذا النوع بالحجامة الرطبة أو الدامية.
وللوقوف أكثر على تفاصيل هذه العملية، التقت زيتون بالحجّام “حسن الرياض” من ريف إدلب والذي قال: “الحجامة الرطبة أكثر فائدة من الجافة، ولهذا السبب نحن نعتمدها أكثر في عملنا، ونجريها باستخدام مشرط معقم وكاسات زجاجية خاصة بها، يكون رأسها صغيراً قياساً بحجمها وقعرها”.
وأضاف “الرياض”: “نقوم بجرح منطقة الظهر جروحاً بسيطة، ثم نحرق ورقة صغيرة داخل الكأس لتفريغها من الهواء، وبعدها نضعها على الظهر لتقوم بسحب الدم، ونتركها حوالي 10 دقائق، ثم نفرغ ما سحبته من دماء، ونكرر العملية 3 مرات في كل حجمة”.
وتعتبر الفترة ما بين منتصف شهر آذار ومنتصف أيار، أي في بداية فصل الربيع وحتى منتصفه، أكثر الأوقات مناسبةً لإجراء عملية الحجامة، وذلك نظراً لاعتدال درجة الحرارة في هذه الفترة، ولكن هذا لا يعني عدم إمكانية إجرائها في بقية أيام العام، فهي تُجرى في أي وقت، ولكن يُفضل أن تتم في أجواء معتدلة، يُضيف الإسلام إلى شرط الطقس، تفضيلاً لأيام “17، 19، 21” من الأشهر القمرية، استُمد من السنة والحديث، بحسب “الرياض”.

الحجامة.. فوائد وقائية وعلاجية
تعتبر الحجامة من الوسائل الوقائية القديمة والحديثة لبعض الأمراض، مثل أمراض القلب، وتصلب الشرايين، والجلطات، وارتفاع ضغط الدم، وداء السكري، كما ترفع كفاءة جهاز المناعة لمكافحة البكتيريا والفيروسات.
كما تفيد الحجامة في علاج كل من أمراض “الروماتيزم، والسكري، وانتفاخ القلب، وانسداد الشرايين والشقيقة، والعقم، والضعف الجنسي، وارتفاع ضغط الدم، والسرطان”، بحسب دراسة أجراها 20 طبيباً سورياً، ونشرها موقع “ستار تايمز” الالكتروني.
ويرى الطبيب “إبراهيم كسروان” أن الحجامة تفيد بعلاج مرض “السرطان”، مفسراً ذلك علمياً بأنه عند سحب الدم من الأوردة والعروق الرفيعة ينزل الضغط، فيعمل الجسم على تعديل الضغط بعدة عمليات منها عصر الكبد والطحال، فتتفرغ هذه الخزانات من الدم، ويتم تعويضها من النخاع العظمي، والذي ينتج دماً جديداً يحوي خلايا جديدة اسمها خلايا “مكافحة السرطان”، من مزاياها أنها تقوم بالتهام الخلايا السرطانية أينما وجدت، وذلك في مقابلة تلفزيونية له على قناة الكوثر.
فيما يحذر الطبيب “نايف العبدلات” في مقطع فيديو نشره موقع “موضوع” الالكتروني، من بعض الأخطاء التي يمكن أن تتسبب بالضرر أثناء الحجامة، مثل عدم تعقيم الأدوات بشكل دقيق، مما يتسبب بعدوى الأمراض الفيروسية، لاسيما “التهاب الكبد الفيروسي”.

الحجامة في الأبحاث الغربية 
أثار تاريخ الحجامة وفوائدها فضول واهتمام الأطباء الغربيين، واعترف الطب الغربي بشكل عام والفرنسي بشكل خاص، بفوائد الحجامة في الأمراض الجلدية، ولا سيما الذئبة السلية، والذئبة الحمامية، والأكزيما.
وينقل عن الطبيب الفرنسي “كانتيل” توصله لحقيقة، مفادها أن الأشخاص الذين أجريت لهم الحجامة تزيد عندهم قدرة الكريات البيض على إنتاج الإنترفيرون، بمعدل عشرة أضعاف قدرتها بعد عمل الحجامة مقارنة لها بقدرتها على إنتاجه عند الأشخاص غير المحجومين، وزيادة الإنترفيرون تعني زيادة مناعة الجسم ضد العدوى والمرض.
وعن خلاصة لدراسة “أمريكية” حول الموضوع، كتب الدكتور “أيمن الحسيني” ملخصا للدراسة نشرته عدة مواقع طبية الكترونية جاء فيها:
“إن التهاب الكبد الفيروسي في حالاته الشديدة يزيد من القابلية للإصابة بسرطان الكبد، وتضيف الدراسة أن نسبة حدوث هذا السرطان عند الرجال حوالي 74%، بينما تنخفض النسبة عند النساء إلى حوالي 6%، واعتبرت الدراسة أن أهم أسباب هذا الفارق الكبير في نسبة الإصابة بسرطان الكبد بين الجنسين هو تميز النساء بالمحيض، معتبرين أن خروج دم الحيض ينقي الجسم ويريح الأعضاء وكأنه حجامة طبيعية”. 
كما أجريت في “هولندا” أبحاث على نسبة خمائر الكبد المرتفعة في كل الحالات المرضية، وتبين أنها تعود إلى حالتها الطبيعية بعد الحجامة.

علاج قديم حديث، يحتفظ على سر النفع فيه، فرغم اتضاح بعض ملامح الية نفع الحجامة، الا انها مازالت محط اهتمام الكثير من الباحثين في المجال الطبي، وخصوصا الغربيين منهم.
بينما تجد السوريين رجالاً ونساءاً مسنّات، وعلى الرغم من ظروف الحرب، وبرغم وصولهم إلى أقاصي الأرض، يبحثون على المجموعات والمنتديات الخاصة بهم في البلدان الأجنبية والأوروبية، عن أشخاص يجرون لهم الحجامة، فها هي الحاجة مريم تخضع لعملية حجامة في فرنسا، التي تعتبر من أولى دول العالم في المجال الطبي، وكذلك أحمد في السويد، وغيرهما في ألمانيا وهولندا وكندا، بينما يتنقل رأفت بين منازل السوريين في أمريكا حاملا حقيبته وأدواته، مستغلين الفترة الأفضل لإجراء الحجامة، وغير مكتفين بالطب الحديث ووسائله وعلاجه.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*