واقع فصائل الشمال السوري ما بين حلم الجيش الوطني أو التشرذم

زيتون – ياسر السيد عيسى

مخطط أستانة الذي خطته ووقعت عليه الدول الثلاث صار أمراً واقعاً على الأرض، كما صار التقسيم واضحاً بحدود مرسومة وبقوات فصل أعطوها تسمية قوات مراقبة، كما أن هناك تفاوض على فتح الطرق الدولية الاستراتيجية كطريق “دمشق- حلب” وطريق “حلب- غازي عينتاب” بين الدول الداعمة لطرفي النزاع، والذي جزأته الحرب على أن تتسلم الدولتين الإشراف عليه.

كل ما على السوريين الآن والذين يعيشون ضمن الأقاليم الثلاث تقبل الأوضاع الحالية ولو على مضض لزمن غير معلوم نهايته، وترتيب أوضاعهم بناء عليه كلٌّ في منطقته.

ما يهم حاليا بعد أن تم تفريغ المدن التي تسمى بالمفيدة من حواضنها الثورية، وإعادتها ولو شكلياً إلى إدارة النظام السوري، هو مستقبل محافظة إدلب حتى مدينة الباب، والتي تحكم الحكومة التركية قبضتها عليها شيئا فشيئا، دون إبداء نواياها الحقيقية بمستقبلها، وهي إما ضمها إلى الدولة التركية، أو تحويلها لمنطقة تحت إدارة مركزية جزئياً كما يحصل في شمال حلب، أو مساعدتها على إدارة وطنية حرة تتطلع لتحرير باقي سورية وإعادتها لدولة موحدة خارج سيطرة النظام السوري.

تشير سياسة الحكومة التركية ضمن المنطقة من مورك إلى الباب، إلى أنها تسعى إلى السيطرة بالتدريج، والتي يتقن لعبتها جيدا رئيسها طيب رجب أردوغان، فتوزع نقاط تمركز قواتها أصبح على طول الحدود مع النظام، بتوافق روسي ورضى فصائلي، من جسر الشغور إلى كفرزيتا بالغاب الى شرقي أبو الضهور إلى الراشدين بمشارف حلب، يقابلها على الطرف الآخر من الحدود شرطة روسية، بمعنى أن تلك المنطقة أصبح لها حدود واضحة لا يمكن للطرفين المتصارعين تخطيها براً، بينما الطيران الروسي سيظل يعربد في سماء المنطقة يومياً ليشل حركة ساكنيها ويحرمها من الحياة الهادئة، إذ كانت إجابة الضابط التركي المكلف بنقطة الصرمان شرقي إدلب على أسئلة ومخاوف الأهالي بأنه لا يستطيع تقديم أية ضمانات لحركة الطيران الروسي.

إدلب والباب أصبحتا منطقة جغرافية واحدة تجمع خليطاً غير متجانس من الفصائل الثورية السورية، جميعها ما عدا الحورانية، وتدرك الفصائل القادمة بفعل اتفاقيات التهجير أن بقائها ليس مؤقتاً في منطقة جغرافية وبيئة اجتماعية جديدة لم يسبق لها في ظل سياسة عزل المدن عن بعضها زمن النظام أن تعرفت عليها أو اختلطت بها، كما تدرك أن إعادة ترتيب أوراق تنظيم فصائلها السابقة التي تأسست لتحمل صبغة الدفاع عن مناطقها الجغرافية ليس سهلا، وخاصة مع فقدان سلاحها وتوقف الأعمال العسكرية والدعم المالي عنها من الممولين.

وضع بائس يشبه حال الفصائل الفلسطينية التي أبعدت عن مناطق الحرب مع إسرائيل لآلاف الكيلومترات بعد اتفاقية إخراجها من لبنان، لذلك فقد يقتصر وجود تلك الفصائل المهاجرة على مكاتب سياسية وأجهزة اعلامية محدودة، فيما عشرات الآلاف من كوادرها والتي فقدت تعليمها أو تعلم مهن وحرف في ظل سنوات الحرب ستجد نفسها دون أرض تقف عليها.

تساؤل السوريين عن إمكانية توحدهم في جيش وطني موحد يستفيد من خبرات كوادره القتالية العالية، وإدارة وتراتبية عسكرية وفرق لا تحمل أسماء طنانة تستمد من التراث الإسلامي أسماءها، وإنما كتائب بأرقام توحد وتساوي بينها، تصطدم به معيقات عديدة أولها وجود فصائل تلتقي منهجياً مع فكر القاعدة التي لا تؤمن بالجيوش الوطنية كحراس الدين وتحرير الشام، والتي فصلت منطقة إدلب إداريا بحكومة تحت سيطرة تحرير الشام متنازعة مع الحكومة المؤقتة في شمال حلب.

العقيد أديب العليوي في تعليق له على تجربة الجيش الوطني التابع للحكومة السورية المؤقتة، والذي ساعدت الحكومة التركية على إنشائه بثلاثة فيالق، بأنه لم يكن له أي دور على الأرض، ولا تزال الفصائلية مسيطرة عليه، والتي لا تزال تعمل وفق هواها دون الاكتراث بانضباط أو مسؤولية عن السلاح الذي تحمله.

حادثة اقتحام مشفى الباب من قبل عناصر فصيل الحمزة والتهجم على الكادر التمريضي، ثم المعارك التي جرت بين أحرار الشرقية وعائلة الواكي في الباب، خير مثال على فشل ذريع لإنجاح تجميع الفصائل في جيش موحد منضبط بإدارة واحدة تابع لوزارة ثورة، بينما مناطق إدلب بعد حرب الفصائل وحالة الفوضى التي لحقتها، والتي اجتاحتها موجة اغتيالات وتفجيرات في فترة واحدة بشكل يوحي بأوامر خارجية لبثّ روح الفوضى الأمنية لغاية تغييرات قادمة في مناطق إدلب.

في ضوء ذلك ومع تدخلات غربية وعربية لإفشال توحد الفصائل في جسم واحد، تنبع الحاجة أولا لقيام جسم ثوري شعبي يستطيع تحريك الشارع في المناطق المحررة في إدلب وشمال حلب، ويستطيع فرض ذلك الجيش على قيادات الفصائل بعيدا عن التدخلات الدولية، فبدون ذلك الجسم الثوري لن يرى أي تشكيل عسكري أو سياسي النور.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*