بيت القلعة للإيجار بـ 250 ليرة تركية

زيتون – أحمد فرج

لم يصدق أنه محظوظ إلى هذا الحد، بيت واسع بثلاث غرف ذو فرش رائع وحديقة غناء، فقط بـ 250 ليرة تركية؟

محمد السليم شاب كباقي جيله الفتي الذي أضاع فرصة تعليمه وانسداد رزقه منذ عامين، ليضطر إلى دخول الأراضي التركية بحثا عن عمل يسد به رمق زوجته وطفليه الذين تركهم خلفه في مدينة لا تخلو أيامها من قصف الطيران.

في أول بلدة تركية يدخلها بحث محمد عن عمل يمكنه من الاستمرار بالعيش بكرامة، تنقل كثيرا بين المهن، ساعدته لياقته العالية وسنه الصغير على اكتساب بعض المال ليطلب من أسرته الالتحاق به على أمل أن يحسن دخله، قبل أن يدرك أن أمله ليس بالسهولة التي يرتجيها.

يعيش في بلدة الريحانية التركية المتاخمة للحدود السورية أكثر من 40 ألف سوري، وصلوا إليها منذ السنوات الأولى للثورة، ونظرا لأنها محطة اللاجئين الأولى في الأراضي التركية، وسكانها يتكلمون اللغة العربية، ولبساطة الحياة فيها وعدم تكلفها ولصبغتها الريفية المتواضعة، فقد ذاع صيت تلك البلدة كمعقل للاجئين السوريين في تركيا.

كثافة السوريين الذين طغوا بعددهم على سكان البلدة الأصليين انعكس إيجابا على أهالي البلدة الذين سارعوا إلى تأجير بيوتهم ومزارعهم ومحالهم التجارية المهملة بأسعار جيدة ومغرية لم يكونوا يحلمون بها، لكن الكثيرين ممن قدموا إلى تلك البلدة لم يكونوا يملكون المال للبدء في الخطوة الأولى كمحمد.

بعد وصول عائلة محمد سعى جاهدا ليحصل على غرفة مستقلة تأويه بسلام مع عائلته، ولعدم إمكانيته استئجار منزل أو غرفة فقد عانى كثيرا من إراقة ماء وجهه لمعارفه الذين تقاذفوه لكثرة ما مر بهم من محتاجين مثله.

حين وصل إلى البيت الذي تناهى إلى سمعه أنه معروض للإيجار بمبلغ زهيد لا يتجاوز 250 ليرة ظن أنه قد أخطأ، فالمنزل ذو سور وحديقة مع فرش بحالة ممتازة، ويجاور قلعة قديمة خربة، تزيد من جماله وتمنح موقعه مكانة وأهمية، يفصلهما سور منخفض قديم مهدم في بعض أماكنه، إلا أن ساكن المنزل أكد له أن المنزل معروض للإيجار بالسعر ذاته.

لم يتردد محمد بدفع المبلغ واستلام المفاتيح، مسرعا إلى زوجته ليزف بشارته لها بحصوله على منزل حلم، يمكنهم أن يعيشوا فيه بسعادة وسعة، ودع خالته التي كانا قد أثقلا عليها بإقامتهم معها في غرفتها الوحيدة الواطئة السقف والضيقة، والتي لم يجد محمد مكانا آخر يلجأ إليه بعد أن ضاقت به الواسعة.

في أولى لياليهم في بيت القلعة حاولا أن يتجاهلا أصوات الصراخ والضجيج الذي بات يعلو من داخل القلعة، لكن الخوف بدأ يساورهما حين صارت الأصوات تقترب من منزلهما شيئا فشيئا، ومن أحد نوافذ البيت شاهدا مجموعة من الشبان في حالة سكر وهياج، يتقافزون على السور الحجري دون أن يقيموا لحرمة البيت أي اهتمام.

صباح اليوم التالي لجأ محمد إلى الجيران القلائل الموجودين ليسأل عما جرى في الليلة السابقة، ليخبروه أن هؤلاء الشبان مواظبون على السطو على البيت وانتهاك حرمته، لا سيما بعدما يتعاطون المخدرات والمسكرات، كما أخبروه بمدى انفلاتهم واستحالة السيطرة عليهم، وهو السبب خلف عدم رغبة أحد باستئجار منزل القلعة المستباح من قبل هؤلاء الشبان.

لم ينكسر حلمه فقط، بل سقط في ورطة إضافية فهو لم يعد قادرا على الحصول على مبلغ الإيجار، إضافة إلى عدم استعداده المجازفة بإبقاء عائلته تحت رحمة شبان مجرمون، مفضلا الضيق على الخطر.

من جانبه مرر الكرة محمد إلى غيره، عائلة سورية أخرى، لم تتوانى عن استئجار المنزل من محمد، دون أن يشرح لهم أسباب تركه للمنزل كما لم يشرح له من سبقه، وحين تركهم سعداء في المنزل غادرهم مشفقا عليهم إلى بيت خالته مرة أخرى.

أيام قليلة سمع باقتحام الشبان لبيت القلعة وسرقة العائلة السورية، عاد ليطمئن تحت وطأة تأنيب ضميره، رب الأسرة المصاب في الحرب السورية لم يستطع أن يراه، لكنه اعتذر من زوجته التي لم تفهم سبب اعتذاره، كما أنه لم يسهب لها بالشرح حول مسؤوليته عما جرى لهم.

الرجل المصاب مرر الكرة لغيره بعدما كابده من رعب الأيام القليلة التي عاشها في المنزل، وبدورها ستمرر الأسرة الجديدة البيت لآخرين، ليصبح بيت القلعة لعنة السوريين في الريحانية، وسبباً لإثقال ضمائرهم تحت وطأة الحاجة والخوف، وليكون هذا المنزل حلقة رعب لهم ضمن مسلسل طويل ظنوا في وصولهم إلى الأراضي التركية أنهم قد انتهوا منه.

ربما لن يعرف كل السوريين المتواجدين في الريحانية بيت القلعة، لكن الكثيرين قد مروا به، وعاشوا ليالي رعب أسهرتهم حتى الصباح، ليعذبهم فيما بعد ميلهم لأنانيتهم وحاجتهم للمضي قدماً وتبادل الأدوار في سفر رحلتهم الطويلة التي ستترك في ذاكرتهم الكثير من مواقف مخجلة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*