قلب مفتوح في مشفى الجامعة بإنطاكيا

مشفى الجامعة بإنطاكية يظهر فيه أحد المصابين السوريين – زيتون

زيتون – أحمد فرج

كمصب للمأساة، وتجمع للمصائب، تمتلئ صالات مشفى الجامعة في مدينة أنطاكيا الحدودية بعشرات الحالات من الإمراض والإصابات للسوريين، بتنوع وتفاوت يظهر المفارقة في المعادلة السورية، أمراض القلب، بتر الأطراف، إصابات شظايا، حالات غريبة من الأمراض يرجح أن الخوف يقف خلفها، تزدحم في مبنى ضخم نهارا، فيما تتحول مقاعد انتظاره إلى أسرة للمرافقين ليلاً.
لا تبحث عن المأساة السورية في المعارك، أو خلف حوادث القصف، أو في الخيام، في المشافي الحدودية سترها كاملة دون نقصان حيث تتجمع الآلام في بوتقة طبية وكأنها أرض معركة انتهت قبل قليل.
حين توجهت إلى إحدى مشافي إنطاكيا لملاقاة أخي الكبير، والذي خرج منذ أيام قليلة من سجون النظام بأربعة شرايين مسدودة بعد كل ما شهده من إذلال وتنكيل لم يتحمله قلبه، لم يكن ليخطر في مخيلتي وأنا أتوجه شطر الحدود السورية أن أجد كل هذا العرض من الأحزان والقصص الإنسانية التي تدمي القلب.
أخي الذي تم تحويله من أحد المشافي الخاصة في الشمال السوري لإجراء عملية قلب مفتوح بعد نصحه بالإسراع قدر الإمكان لإجرائها نظراً لحالة قلبه المتعب، وهو ما قدره الطبيب في مشفى الجامعة في انطاكيا وسرَّع عمليته متجاوزاً الكثير من مرضى القلب المنتظرين لإجراء عملياتهم.
أحد عشرة يوماً قضيتها بأروقة المشفى، متنقلاً بين المرضى السوريين ومرافقيهم، مستكشفاً للمرة الأولى حجم المصاب وعمقه، وتشعبه ومداه، ووصوله إلى نهايات مفجعة للمجتمع السوري واستمراره تحت وقع الكارثة.
أقسام عدة تتضمنها مشفى الجامعة يبدو أبرزها قسم القلبية والعظمية والأعصاب والداخلية، لكل قسم منها غرف عملياته وعنايته المشددة وطواقمه الخاصة، ما يجعله خلية نحل لا تهدأ إلا يومي العطلة فيه، ورغم عدم اقتصاره على المرضى السوريين إلا أنهم يشكلون نسبة لا بأس بها من مراجعيه وطالبي العلاج فيه، وبالنظر إلى طوابير الزائرين في قسم الاستعلامات الذي ينقسم ما بين المواطنين الأتراك والسوريين، فإن من المؤكد أن نسبة المستفيدين السوريين لا تقل عن 20% من مجمل المستفيدين ككل.
معظم السوريين هم من أبناء المناطق الشمالية لا سيما إدلب والنازحين أو المهجرين إليها، إضافة إلى الريف الحلبي والرقة والمناطق الكردية وصولا إلى جرابلس، فضلا عن السوريين المقيمين في الأراضي التركية القريبة من أنطاكيا، تدلك على مناطقهم ما يرتدون من ملابس وملامح وهيئات توحي لك بقدومهم بشكل طارئ وإسعافي مع مرضاهم دون أي استعداد لإقامة طويلة قد تمتد لشهور طوال.
“أحمد محمد سيدو” من قرية “قاسم” التابعة لمدينة “راجو” بقضاء عفرين، رجل في الخمسين عمره، له لحية بيضاء ووجه يوحي بالوقار والهيبة، داوم الجلوس في ردهة المشفى، ولتميز شكله وطوله الفارع فقد لاحظته فور وصولي إلى المشفى، روى لي أنه ينتظر صحو قريبه من الغيبوبة التي غرق بها بعدما بترت له إحدى القذائف المفاجئة قدميه، أثناء قطافهما لموسم الكرز في بساتينهما هناك.
يردف أحمد باختلاج واضح أنه لم يكن هناك فرصة للتزود بالأوراق والأموال قبل إسعاف قريبه، بل قام بما هو ضروري بأن حمله بالسيارة بأقصى سرعة وأسعفه لأقرب نقطة عبور إلى الأراضي التركية، ليجلس بعدها دون أوراق ثبوتية أو مال يخرج منه خلال فترة إقامته التي بلغت عشرة أيام حينها.
كرامته وحياؤه منعته من طلب المساعدة أو اقتراض بعض المال بل آثر عدم التدخين والأكل رغم انعدام الأمل بقدوم أحد إليه من قريته لعدم تمكنه من التواصل معهم.
نشأت حمو من قرية كمرج التابعة لقضاء عفرين المرافق لأخيه صاحب مرض القلب والذي قامت المشفى بتخريجه دون أن يتمكن نشأت من الحصول على الأوراق اللازمة من المشفى ليتمكن من الخروج من الأراضي التركية وذلك بعدما أخبره الموظف بعدم وجود أوراق له، ما أضطره للانتظار لأيام طويلة دون تأمين ثمن العلاج لأخيه الذي بدا وكأنه شبح نتيجة لنحافته ووضعه الصحي المتدهور.
يرجو نشأت أن يتم نشر صورته على وسائل التواصل الاجتماعي عسى أن يلتقط أخيه الثالث المقيم في إسطنبول الخبر ويسرع لمساعدته، في توفير المال اللازم لتأمين أدوية أخيهم.
طارق كحيل رغم جسده الصغير إلا أنه يبلغ من العمر 25 عاما، أحد مقاتلي حركة نور الدين الزنكي، التي زجته في معركة غصن الزيتون، تلقى شظية من انفجار قذيفة هاون أودت بعينه اليسرى، ورغم معنوياته العالية، إلى أنه يفكر في رفاقه الذين تركهم خلفه، من سيناوب على الرشاش 23، متى سيعود إليهم، وهو في حالة دائمة من الاتصال بهم، وتسجيل مقاطع الصوت لهم والاستماع إلى ما يرسلونه.
يشعر طارق بالحياء حين يتحدث عن أن بعض رفاقه في المعركة كانوا من الأطفال الذين لا يتجاوزون 14 من عمرهم، لكنه يؤكد على أنه حريص عليهم كل الحرص وهو لا يوافق على تواجدهم إلا أن أهاليهم وقيادته تصر على مشاركتهم في المعارك.
أم غياث من قرية الكستن من قضاء جسر الشغور، امرأة تجاوزت الأربعين ترجو المارة بمساعدتها لطلب بعض الأسماء في هاتفها المحمول لعدم معرفتها بطريقة الاتصال فيه أو حتى الرد على المكالمات التي تردها، أم غياث لم تستعمل الهاتف مسبقا بل استعانت به حين أدخلت طفلتها ذات 13 عاما بعد مرض مفاجئ تعرضت له يملئ جسدها بانتفاخات المياه تحت جلدها، حتى انتفخ جسدها لدرجة خطرة، دون أن يتعرف على أسبابه أحد من الأطباء، لكنها تؤكد أن طفلتها كانت تشعر بالخوف الشديد مع كل عملية قصف تنفذها الطائرات.
أبو محمد من مهجري حمص رجل تجاوز الستين ذو هيئة قروية أليفة، يبات لياليه على كراسي الانتظار في صالات المشفى، جلب زوجته التي أصيبت بنزيف داخلي في دماغها دون سبب في أحد الصباحات، زوجته التي دخلت في غيبوبة طويلة تركته يقضي أياما طويلة دون أن يعرف نهاية ذلك الانتظار ودون معلومات واضحة من الأطباء الذين لا يتحدثون العربية ما يزيد من معاناته وصعوبة أيامه.
لا يتردد أبو محمود من مدينة معرة النعمان في تعليله لكثرة مرضى القلب المفتوح من محافظة إدلب إلى أن “ابن الحرام” قد أزم قلوبهم، في إشارة منه إلى رأس النظام السوري، وهو ما تلمسه إن تبعت بشكل ملح كل مريض.
يقول أحد المرضى لم نحن هنا؟ لم لا نتعالج في بلدنا؟ ليعم الصمت على الجميع وتنخفض الرؤوس للنوم مع هبوب رياح باردة من الجبال القريبة على ساحة المشفى.

تتطلب عرض الشرائح هذه للجافا سكريبت.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*