عودة “الحبق” لمنازل إدلب.. تُعيد لها الحياة والذكريات

زيتون – أسامة الشامي

كما للياسمين حضور جميل في منازل دمشق، نجم عنه ارتباط وثيق باسميهما فصارت دمشق تعرف بالياسمين، والياسمين بالدمشقي، فإن للحبق أو “الريحان” قصة أخرى مع إدلب، وارتباط وتمازج روحاني تشتهر به المدينة لدى أهلها، قاطنيها، وزوارها.
الكثير من السوريين ربما يجهلون قصة إدلب مع الحبق، إلا أولئك الذين تمشوا في شوارع بلداتها مساءات الصيف، وحينما كانت نساؤها يسقين ورودها، فلقب “الخضراء” طغى لدى السوريين على كل ما له صلة بإدلب، حتى برغم السنوات السبع من الدمار والقتل والقصف وتبعات الحرب، والتي طغت خلالها رائحة البارود على رائحة الورود، ولون الدم على لون تراب إدلب، وطعم الدمار على طعم كرزها وقمحها، ولوحات التنقّل والاغتراب على اخضرارها الذي يعرفه السوريون جميعاً.
سبعة أعوام من الحرب مرت على المحافظة، فارقت خلالها الورود شرفات منازلها، والحدائق الصغيرة حولها، ولم يبقى للورود مكان في ترابها، لكنه بقي يعيش في نفوس وقلوب أهلها، الذين اعتادوا رفقته في سهراتهم القروية الصيفية سابقا.
وبدأت إحدى أكثر مظاهر إدلب الطبيعية أصالة تندثر شيئاً فشيئاً، وتدخل حيّز الذكريات، لولا أن بعض سكانها الأوفياء عاودوا مؤخراً خلال الفترة الماضية استرجاع واستدراك ما فاتهم من أرضها وجمالها.
“سعيد بصيص” أحد سكان ريف إدلب الجنوبي، طوّق منزله بالورود، ومدّ أمامه بساطاً أخضر من الرياحين وأزهار شتى؛ التقته “زيتون” أثناء رعايته إياها، يقول: “نحن شعب أردنا الحرية، ولم نكن يوما نحب الدم، على العكس تماماً، كنا دوما كسوريون وكأهالي إدلب نحب الحياة، نعشق الجمال والروائح العطرة، والجلسات التي تزينها طبيعتنا الخضراء، والدليل أنه لم يكن هناك بيت لا ترى فيه الورد، وللورود أهمية كبرى في حياتنا، حيث كانت منازلنا بمجملها محاطة بأحواض مخصصة لزراعة الورد، كانت ساحات منازلنا شأنها شأن غرف المنزل، تنال وتستحق منا الرعاية اللازمة على الدوام”.
ويضيف “البصيص”: “لا تستغربوا إن رأيتمونا نزرع الورود بين الجدران المدمرة، وبين ملامح الدمار هنا وهناك، لأننا نجد في الورد حياة، وفي رائحته إطالةً لأعمارنا”.

أما المعلمة “براءة العايد” من أهالي إدلب فلم تنقطع طيلة السنوات الماضية عن عشقها في زراعة الورود، والذي تعتبره “جزءاً من الذاكرة” وتقول: “كنت أزرع القليل منه في السنوات الماضية، ولم أستطع أن أتخلى عن هذا الطقس رغم كل ما قاسته المدينة من مآسي”، مضيفةً:
“هذا العام عدت لزراعة الورد كما في السابق لأنه جزء هام من حياتي وذكرياتي في فصل الصيف، فقمت بتجهيز الأحواض الترابية للورود حول المنزل، وجلبت أصنافاً عديدة منه، كالحبق بأصنافه: المكبس والعريض والإنكليزي، بالإضافة إلى السجاد (الكوليس)، والعطرة، وفم السمكة، والزنبق”.
الورود بالنسبة للعايد ليست جزءاً من الذاكرة فقط، وإنما هي جزء من أنوثة المرأة، ووجه لرتابة ربة المنزل، وواجهة لرقيّها وحضاريّتها، كما أنها بلسم لجراح السوريين فهي تضفي على حياتهم بمنظره الجميل ورائحتها العطرة لوحةً حسيّة جميلة في وقت اشتاقت أنفسهم فيه لكل ما هو جميل، على حد تعبيرها.

مشاتل الورود
الهدوء النسبي الذي شهدته محافظة إدلب في الآونة الأخيرة ساهم بعودة الأهالي لزراعة الورود، تبعه عودة المشاتل، والتي تعتبر المصدر الأول للورود في المحافظة، ففيها تزرع بذور الورد بنوعيه الشجيري والنباتي داخل التربة، وتتم العناية بها حتى تكون جاهزة بانتظار من يتكفّل بها بعد ذلك.
“محمد الراعي” صاحب مشتل ورد في مدينة “أريحا” قال لزيتون: “عدت إلى العمل في المشتل، إذ كنت أرعى الورود فيه قبل الحرب؛ وكانت ظروف الحرب قد أبعدتني، لكن الحياة التي عادت إلى ربوع إدلب في الآونة الأخيرة، دفعتني للعودة للعمل فيه وزراعة الورود كواجب عليّ، لإضافة البسمة والأمل على وجوه الأهالي الذين يرون في الورد حياة”.
وعن أنواع الأزهار الأكثر طلباً من قبل الأهالي يقول الراعي: “لاحظنا إقبالا كبيراً على نباتات الزينة والورود هذا الصيف، بعد أن انخفضت وتيرة القصف وغارات الطيران على المنطقة، وأكثر الأصناف رواجاً هي الورد الجوري، والياسمين، بالإضافة إلى زهر السجاد، وفم السمكة، وزهر السلطان (غلوكسينا)”.
وتختلف أسعار الورود بحسب نوعها دائمة أو حولية (تعيش في فصل الصيف فقط)، بالإضافة إلى نوع الإناء المزروعة فيه حديدي أو بلاستيكي، ومن الورود الدائمة الخضرة الجوري والياسمين، ويبلغ سعر وردة الجوري 1000 ليرة سورية، في حين تتراوح وردة الياسمين ما بين 1000 و 1200 ليرة سورية، أما وردة العسلة والتي تزهر بشكل شهري فسعرها 1800 ليرة سورية، وتُزرع هذه الأنواع بأواني حديدية تُعرف بـ “التنك”، بينما تُزرع معظم الأزهار الحولية كالريحان (الحبق)، وزهرة السجاد، وفم السمكة، والسرايا، وزمر السلطان وغيرها بأكياس بلاستيكية وتتراوح أسعارها ما بين 200 و 300 ليرة سورية، بحسب الراعي.

الحبق أشبه بالهوية لدى أهالي إدلب
تتنوع أشكال وألوان الأزهار والنباتات العطرية الشهيرة والمرغوبة في إدلب، لكن نبتة الحبق تظل بالنسبة لهم أشبه بالهويّة، إذ لا يكاد يخلو منها منزل أو حديقة أو جلسة، فهي عطرية البيت المحببة، ولها وقع خاص في نفوسهم، ومكان في طقوسهم الشعبية، وحين تذكر سهرات الصيف الريفية لابد وأن يتذكر الأهالي الحبق، لاسيما وأنها كانت عبق لياليهم وسهراتهم منذ سنوات بعيدة.
“فايز الدغيم” أحد أبناء بلدة “جرجناز” يصف لزيتون ما يمثّله نبات الحبق بالنسبة لأهالي إدلب بقوله: “الحبق تراث إلنا وشي متجذر بنفوسنا، من لما وعينا ع الحياة كنا نشوف “سطل الزريعة” اللي بيحوي الحبق ببيوت أهالينا وأجدادنا، حتى أنه كان يوضع دائما في منتصف جلساتنا العائلية ليكون قريب من الجميع، أو على “البرندا”، إضافة لريحته الطيبة وشكل أوراقه الجميل”.
بينما يعبر “عبد الله القاسم” عن معنى الحبق في وجدانه قائلاً لزيتون:

“الحبق هو ذكريات البيوت القديمة، وأنامل الأمهات في عصر النهار الدافئ في ربيع وصيف كل سنة، هو رائحة البساطة والمحبة، على جدران وشبابيك الغرف الطينية، وعلى حلاية البئر، وقرب ساقية ماء شطف المسطبة الاسمنتية الجديدة، هو ربيع يتفتق في كل أنواع العلب المعدنية الفارغة”.

صيف جديد يطرق أبواب محافظة إدلب، يتميز عن سابقاته بعودة عبق الأزهار وعطرها لأجواء إدلب، لتنعشها وتعيد لها الحياة من جديد، فها هو الجوري عادت تزرعه الأنامل الإدلبية، وذاك هو الياسمين رجعت جدران وشبابيك المنازل تتزين به، وأما الحبق فقد كان العائد الأول لشرفات شعب لطالما أحب الحياة وجمالها، ولطالما كان له أشبه بالهوية.

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*