أنا مكتف بمحبة طلابي.. “غسان نادر” بعد 6 سنوات من العمل التطوعي

 

زيتون – وعد البلخي

من السهل أن تعطي لكن الصعوبة هي عند من يأخذ.. امنح لكي تشعر بنبض الوجود، أعط ما أعطته لك الحياة، أنتج كما الأشجار والقطعان في البراري، تدفق كما الأنهار والينابيع، شارك ضجيج الولادة والحب مع الآخرين، لا تستقل بما لديك، هي بعض من فلسفته.

لا تنتظر مقابلاً، وأحب المتعبين، فانتظار الامتنان فشل كلوي للإنسانية، وسبب سريع لابتعاد السعادة، هذا بعض مما يقوله.

استمتع بالمسرات الصغيرة، تفتح برغم جديد هنا وبورقة خضراء هناك، فمن دمعة صغيرة قد تعرف طعم البحر، وافتح قلبك للعالم، لتكتشف كم يشبهوك، امنحهم سبباً كي يعشقوا الحياة.. هكذا يقول المعلم.

ببضع كلمات يلخص عمل ست سنوات متواصلة في تدريس اللاجئين في فرنسا “أنا مكتف بمحبة طلابي”، ست سنين وآلاف الطلاب وعشرات الساعات الأسبوعية لم تنل من حماس “غسان نادر”، المهندس اللبناني الذي اختار تعليم اللغة الفرنسية للناطقين العربية المشرقية في باريس.

ففي الوقت الذي كان فيه نشطاء سوريون يشعلون الشمع في بعض مدن سوريا ببداية الثورة في وقفة صمت لأرواح الذين غادروا الحياة، كان هناك شبان آخرون يشعلون الشمع في باريس، في ذلك الوقت تحديداً ابتدأت الفكرة، من سؤال تم طرحه، من سيعلم القادمون من الحرب والموت لغة الحياة في فرنسا؟.

دون تردد كانت إجابة مستشار الشركات لاستراتيجيات التوزيع الذي كان قد مضى على وجوده في فرنسا 10 سنوات حاضرة: “أنا أعلمهم”، وحدد “نادر” مساء يوم الجمعة من كل أسبوع لتعليم اللاجئين السوريين اللغة الفرنسية، وذلك بما يتناسب مع أوقات عمله، لتبدأ مسيرته في التعليم في آب عام 2012، بالتعاون مع جمعية “سورية حرية” في باريس.

وفي  خريف عام 2013، تم إغلاق المركز الذي كان يتم إعطاء الدروس فيه، لكن “نادر” لم يتوقف، بل تابع تعليم اللاجئين مع تجمع “اللبنانيين العلمانيين في فرنسا”، والذي وفر الغطاء القانوني للمركز الذي يتم إعطاء الدروس فيه حتى اليوم.

حصة واحدة لا تكفي

كان خياره منذ البداية هو التركيز على جانب قواعد اللغة الفرنسية بالدرجة الأولى، وذلك كي يتمكن طلابه تدريجياً من بناء جملة بسيطة، مركبة، ومن ثم بناء نص، بالإضافة إلى تمكينهم من القراءة بلفظ سليم، أما الخيار الثاني فهو شرح هذه الدروس باللغة العربية، أو بالأصح بلهجته اللبنانية التي يفهمها ويتلقاها كافة أبناء المشرق العربي، وذلك كي يسهل على المبتدئ تلقي المعلومات وتقبلها وفهمها.

انطلق في تدريسه اللغة الفرنسية للاجئين بما يتناسب مع طريقة تفكيره كمهندس، فكان ترتيب دروسه وملاحظته بطريقة متسلسلة ومنطقية، فضلاً عن تبسيطها إلى أقصى حدّ ممكن، إلا أن طريقة تفكيره ذاتها أوحت إليه بضرورة المتابعة المستمرة للدروس والتدريب العملي عليها، فكانت فكرة البرنامج التدريبي الذي مر بمراحل متعددة قبل أن يصل إلى ما هو عليه اليوم، والذي حاول “نادر” أن يستغله للتركيز على النقاط الأكثر صعوبة.

يقول “غسان نادر”:

“عندما بدأت بتدريس اللغة الفرنسية للاجئين أدركت أن حصة واحدة في الأسبوع غير كافية لتعليمهم اللغة بالشكل المطلوب، فقمت بتصميم البرنامج لأول مرة، وكان يحمَّل على الكمبيوترات، ويستغرق تحميل البرنامج لكل تلميذ جديد حوالي 40 دقيقة، وبعد خمسة أشهر وصل عدد الطلاب إلى حوالي 40 طالباً، حينها قررت أن أضع البرنامج على الانترنت، وتواصلت مع إحدى المجموعات السورية في مصر، وكان لديها خبرة بالبرمجة، فصممنا البرنامج وانطلق  في صيف عام 2013”.

ويضيف “نادر”: “أما البرنامج الحالي فقد تم العمل عليه لأول مرة في تشرين الثاني 2013، وكانت الفائدة الأكبر مقارنة مع البرنامج القديم، هو قدرة الطالب على التدريب على البرنامج من كافة الأجهزة المحمولة، وبالتالي إمكانية التدرب من أي مكان وفي أي وقت، واستغلال أوقات الانتظار الضائعة في الدوائر والحافلات وغيرها”.

وفي محاولاته لتطوير طريقة تعليمة ونتيجة لمجموعة من عمليات البحث والاستقصاء عن معلومات أكثر دقة واستخداماً في الحياة اليومية للاجئين، سبر خلالها معظم كتب تعليم اللغة الفرنسية، ولأنها مصممة برأيه لتناسب الأشخاص الذين يتكلمون اللغة الفرنسية لكنهم لا يجيدون قواعدها، فضل استخدام المراجع التي تهتم بالمفردات الأكثر شيوعاً واستخداماً، وقام بعمليات تقاطع بين محتويات هذه المراجع ليستخرج منها بشكل فعلي ما يقارب 1500 كلمة مستخدمة في اللغة الفرنسية، ونحو 250 جملة، و1600 سؤال حول قواعد اللغة.

وعلى مدى السنوات الأربع من تشغيل البرنامج وصل عدد الأسئلة المسندة إلى 250 ألف سؤال، ومليون ومئتي الف سؤالاً مطروحاً على الطلاب، فيما يبلغ عدد الطلاب المتدربين على البرنامج حالياً نحو 1000 طالب، أما العدد الكلي للطلاب فيناهز 7500 طالب، وفقاً لـ نادر والذي أضاف: “ليس هناك تخريج للطلاب أو شهادات، ولكن كل ثلاثة أشهر هناك دورة جديدة وطلاب جدد، وأكثر ما يسعدني حين يخبرونني بأنهم وجدوا عملاً، وذلك نظراً لما يتطلبه العمل من إجادة للغة”.

أما عن سبب تسمية المجموعة في موقع التواصل الاجتماعي فيس بوك باسم “تعليم اللغة الفرنسية للناطقين بالعربية المشرقية” فيؤكد نادر أنها سُميت بهذا الاسم لأن أهالي المغرب العربي يتكلمون اللغة الفرنسية في بلدانهم وفي حياتهم اليومية، ما يُمكنهم من التحدث بالفرنسية بسهولة، ويفاوت بين متطلباتهم في اللغة ومتطلبات أبناء المشرق العربي، فضلاً عن اختلاف اللهجات وتباعدها، والخوف من عدم وصول المعلومة”، موضحاً:

“الاقتصار على الناطقين باللغة المشرقية ليس إقصاء أو تمييز للأهل في المغرب، إنما هناك تغيير جذري في اللغة ما بين المشرقية والمغاربية، وعلى الرغم من ذلك فقد بدأ عدد لا بأس فيه من أهالي المغرب العربي بالانضمام إلى المجموعة وتلقي الدروس فيها”.

لا يتوانى “نادر” عن بذل أي جهد، أو الإجابة عن أي سؤال ضمن المنشورات والتعليقات أو حتى الرسائل الشخصية، كما لا ينفك عن التفكير في متطلبات ومشاكل اللغة لدى الطلاب ونقاط الضعف فيها، فلا يلبث أن ينتهي من إجراء استبيان حول المواضيع التي يرونها أكثر أهمية لتناولها في الدروس القادمة، حتى يطرح استبياناً جديداً حول المشاكل التي تواجه كل طالب سواء في القراءة أو الكتابة أو المحادثة أو اللفظ وغيرها للعمل على حلها، وبناء مخطط للدورات اللاحقة على أساسها، إلى جانب إجراء امتحانات مستوى وتوزيع الطلاب على عدة مراحل، وإضافة مستويات وصفوف جديدة إذا تطلب الأمر، وصلت إلى المستوى المطلوب للحصول على الجنسية الفرنسية.

الألفة والمودة والأجواء الودية هو أكثر ما يسعده في عمله التطوعي، آملاً في الوقت ذاته أن تساعد طلابه في الخروج من أجواء الحرب، وتقرب المسافات بينه وبينهم، فيعمد في نهاية كل دورة لتنظيم حفلة يدعو إليها كافة طلابه القدامى والجدد والطلاب المتابعون له على الانترنت.

بث الدروس التي يلقيها ضمن قاعة المركز بشكل مباشر على فيس بوك، هدفها إتاحة الفرصة لأكبر عدد من الطلاب وأينما كانوا من التعلم، والتدرب على البرنامج، ما يجعل نادر دائم الحرص على جودة البث وأسئلة واستفسارات الطلبة وإجابتهم عبر التعليقات على البث، فيشعرون بأولويتهم لدى معلّمهم، وهو ما يحاول نادر إيصاله فعلاً، نظراً لقدرة الطلاب الحاضرين على السؤال واللقاء به في أي وقت على العكس من الطلاب المتابعين على الانترنت، ولكن ذلك لا يمنعهم على الإطلاق من التواصل معه في أي وقت شاؤوا، ليجدوه متأهباً للإجابة.

تحديات العمل التطوعي

المتابعون لمعلم اللغة الفرنسية يدركون تماماً أن عمله هذا يتطلب منه الكثير من الجهد والوقت، إذ يقوم نادر بتحضير الدروس قبل إعطائها، وذلك لمحاولة إيجاد أبسط طريقة لشرح المعلومة بشكل مختصر ووافي، لتثبيتها في ذهن الطالب، وتمكينه من فهمها وحفظها، لا سيما مع طرح أسئلة تطبيقية على كل قاعدة عبر البرنامج، والذي يتابع نادر من خلاله كل طالب بشكل شخصي وبشكل خاص الطلاب الجدد والمبتدئين، ليقوم بإضافة مجموعات جديدة من الأسئلة لكل طالب فور انتهائه من المجموعة السابقة، مع الأخذ بعين الاعتبار مستوى كل طالب منهم، وإمكانياته، وزمن إنجازه للمجموعات السابقة.

كما يعمل على تطوير البرنامج وطرق طرح الأسئلة فيه، وإدخال تحسينات لتلافي بعض مشاكل الطلاب، بالإضافة إلى رفع مستوى المواضيع تدريجياً وفقاً لما يتم إعطاؤه في الدروس، فضلاً عن طباعة صور توضيحية لكل درس، يقوم بتنسيقها ووضع تمارين وتدريبات لحلها بشكل جماعي خلال الدرس، إلى جانب التنسيق مع بقية المعلمين في المركز، ليكون صلة الوصل بينهم وبين الطلاب.

ويقضي نادر نحو ساعتين ليصل إلى المركز، وساعتين في إعطاء الدرس، ثم يعمل على تنظيف وترتيب القاعات بعد مغادرة الطلاب، أي ما مجموعه 5 ساعات في الدرس الواحد، وبحسب البرنامج الموضوع للدورة يعطي نادر درسين أسبوعياً، مساء كل ثلاثاء وجمعة، أما الإجابة على أسئلة ومراسلات الطلاب البالغ عددهم نحو 7500 طالباً، فليس لها وقت محدد.

وأكثر ما يدهش طلابه، ويزيد من تقديرهم له ولجهوده هو قدرته على التنسيق بين وظيفته التي تتطلب منه وقتاً وجهداً وسفر وبين عمله التطوعي، ولا سيما أنهم يراقبون جيداً مدى تجاوبه، والوقت الذي يقضيه من أجلهم.

وعن ذلك يقول غسان نادر:

“أعمل كمستشار أعمال في استراتيجيات التوزيع للشركات، لتحسين وتصميم استراتيجيات التوزيع لدى هذه الشركات، والتي تنتشر في كل من أوروبا وأفريقيا والشرق الأوسط وآسيا الوسطى، ما يضطرني للسفر في كثير من الأحيان إلى بلدان مختلفة، ولكن بالمقابل الناحية الإيجابية هي إمكانية عملي في المنزل، وهو ما يمنحني الحرية في إدارة وقتي وعملي، ويساعدني إلى حدّ كبير في التفرغ لأكثر من 20 ساعة أسبوعياً لتعليم اللغة للاجئين”.

ويعتبر نادر أنه يتمتع بحظ جيد نتيجةً لذلك، فلو لم تكن لديه هذه الحرية في إدارة وقته وعمله، لما استطاع التنسيق بين التعليم وبين وظيفته، ولا ينسى نادر زملاءه الذين شاركوه العمل على تعليم اللاجئين، ولا سيما الآنسة “سارة خازيندار” التي تعمل بكل حب ولا تتوانى عن بذل أي جهد دون كلل أو ملل منذ أربعة أعوام ونصف.

في حين يرى أن أكبر الصعوبات التي واجهته خلال عمله في التعليم هي شعوره بالعجز أمام طلابه، لا سيما في الحالات التي يكون أحدهم مشتتاً ما بين بلده الأم وأخباره وتطوراته وبين الدرس، على حدّ وصفه، مضيفاً: “أقع في حيرة كبيرة بين الاستمرار في الدرس والعجز أو التوقف، فكيف لي أن أقنع أباً مثلاً ينتظر خبراً عن ابنه المعتقل أو ما شابه أن هذه القاعدة أو هذا الدرس أهم مما يعانيه، وكيف لي ألا أقدر معاناته، هناك الكثير ممن يعيشون بأجسادهم في فرنسا سنيناً فيما قلوبهم وأرواحهم في مكان آخر”.

فلسفة في التطوع

يعمل غسان نادر منذ ست سنوات في تعليم اللاجئين للغة الجديدة التي فرضتها عليهم ظروفهم، والتي كان الكثير منهم يجهل أحرفها باستثناء شكلها، منطلقاً من مفهومه عن العطاء، والذي يتجسد في كلمات المفكر العربي “جبران خليل جبران”: “إنك إذا اعطيت فإنما تعطي القليل من ثروتك، ولكن لا قيمة لما تعطيه ما لم يكن جزءاً من ذاتك، من الناس من يعطون قليلاً من الكثير عندهم وهم يعطونه لأجل الشهرة ورغبتهم الخفية في الشهرة الباطلة تضيع الفائدة من عطاياهم، ومنهم من يملكون قليلاً ويعطونه بأسره، ومنهم المؤمنون بالحياة وبسخاء الحياة، هؤلاء لا تفرغ صناديقهم وخزائنهم ممتلئة أبداً، ومن الناس من يعطونه بفرح وفرحهم مكافأة”.

وهو ما يشعر به نادر ويعتبر أنه لا يعطي، وإنما يتشارك مع طلابه المحبة والمودة والاحترام، ويكتفي بما حصل عليه منهم، ويتمنى أن تكون رسالته قد وصلتهم، وأن يكون قد ساهم في إعادة النبض والبريق لحياتهم.

يقول:

“لم أشعر يوماً بأنني أعطي، فأنا أخذ بذات القدر الذي أعطي فيه، أشارك وقتي وأخوض تجربتي، وأشعر بسعادة غامرة عندما أجد طريقة أفضل للتعليم، وعندما نخلق معاً بيئة مناسبة للاستمرار، وهو ما يخلق لديّ اكتفاءً ذاتياً يساعدني على المتابعة”.

أكثر ما يردده ويثق به هو محبة طلابه له، ويُجمع طلابه على أن ثقته في مكانها، فمنهم من جذبه أسلوبه وطريقة تعليمه ومحبته، ومنهم من قطع مدناً ومسافات ليحضر دروسه، وآخرين لم تساعدهم الظروف على الحضور فاكتفوا بمتابعة دروسه عبر الانترنت، مع محاولاتهم عدم تفويت أي درس منها، ولم يمنع العمر أياً منهم من متابعته.

“أمير شيخو” وزوجته “قمر شقرة” من طلاب النادر، لا يفوتون حضور درس له في المركز، كان أمير قد بدأ بتعلم اللغة الفرنسية قبل أن يتابع تعليمه مع نادر ويصل إلى مستوى B1، بينما تفوقت عليه زوجته التي بدأت مع معلمها من الصفر في اللغة الفرنسية لتصل إلى مستوى B2، وهو أحد شروط الحصول على الجنسية الفرنسية.

وعلى الرغم من أنها لا تستطيع بعد إدارة محادثة كاملة مع أشخاص فرنسيين إلا أنها تستطيع أن توصل ما تريد قوله بطريقة أو بأخرى، وبتراكيب وأزمنة دقيقة، وتفهم ما يحاولون إيصاله لها، وذلك بفضل ملاحظاته وتشجيعه ومتابعته المستمرة لها، فضلاً عن البرنامج التدريبي، والذي تعتبره معجزتها لأنه السبب في حفظ الكلمات والتطبيق على الدروس، لا سيما أنها قليلة الاحتكاك مع الخارج وكثيرة النسيان.

تقول “شقرة”: “كنت أكره اللغة الفرنسية جداً، لكن الأستاذ غسان جعلني أحبّها بأسلوبه، ودعمه وتشجيعه لي على الدوام، وزرع في نفسي الحافز للتعلم وتطوير ذاتي، وعزز ثقتي بنفسي، ولم يتوانَ عن مساعدتي في أي وقت من الأوقات، إنه إنسان بكل ما تحمله الكلمة من معنى”.

بينما يرى “شيخو” أن العلاقة بين نادر وطلابه تتعدى علاقة المعلم بالطلاب، وأن الكلمات لا تفي لوصف نبل غسان وعطائه اللامحدود على حساب وقته وراحته وعمله، فكثيراً ما كان يتجه من المطار إلى المركز لإعطاء الدرس قبل أن يذهب لمنزله، كما أنه يحاول دائماً مناقشة الطلاب للتعرف على مشاكلهم مع اللغة لتلافيها والعمل على حلّها.

ويعتبر الزوجان شيخو وشقرة أنهما محظوظان، وأن معرفتهما بمعلمهما وتلقيهما دروس اللغة الفرنسية عنده، هو أفضل ما حصلا عليه في فرنسا.

أما “دانا رمضان” فهي إحدى الطالبات المتابعات لدروس نادر عبر الانترنت، إقامتها في جنوب فرنسا بعيداً عن باريس منعتها من التواجد بشكل شخصي في قاعة الدرس، لكنها لم تمنعها من تلقي دروسه ونقلها، إذ ترى أن دروس نادر يجب أن تكون مرجعاً لكل الطلاب الذين يريدون تعلم اللغة الفرنسية.

تقول “رمضان”: “الاحترام والعطاء بصدق وبأسلوب بسيط وواضح، والاستعداد الدائم للمساعدة، والاستجابة لطلباتنا ومتطلباتنا في مواضيع الدروس وتحديثات البرنامج الرائع، كان له دور كبير في وصولنا إلى هذه المستويات”.

في حين تصفه “سحر الأحمد” بالمعلم الحقيقي الذي يتفق مع قول الشاعر “أحمد شوقي”: “كاد المعلم أن يكون رسولا”، وذلك بإجماع كافة زملائها الذين التقتهم في قاعات المركز منذ بدء تلقيها دروس نادر وحتى اليوم، منطلقةً مما وجدته من محبتهم واحترامهم له.

تقول “الأحمد”: “قدرته على إيصال المعلومة، وابتسامته التي لا تفارق وجهه، تحمل لنا الحب والأمل، وتخلق فينا طاقة إيجابية، تجعله يستحق أن يحمل لقب معلم”، مضيفة: “هو إنسان ودود ومحبوب من قبل الجميع، والدليل إصرار جميع الطلاب على حضور دروسه والالتزام بها برغم كل الظروف”.

من هو وما رسالته؟

غسان نادر مهندس كمبيوتر واتصالات خريج الجامعة الأمريكية، وُلد في منطقة الكورة في لبنان عام 1977، وعاش فيها إلى أن بلغ الحادية والعشرين من عمره، شهد في طفولته 14 عاماً من الحرب الأهلية في لبنان، فكان لها التأثير الأكبر في تكوين شخصيته وأفكاره، فكونت لديه ثقافة احترام الآخر وتقبله، ونبذ العنصرية والطائفية، واحترام القيم الإنسانية، ولكنها في الوقت ذاته زرعت فيه ثقافة التشكيك في كل ما لا تثبت صحته بالأدلة والبراهين على مبدأ الرياضيات.

كما تأثر نادر إلى حد كبير بوالده الذي كرّس حياته كناشط اجتماعي وسياسي للرقي بالإنسان والمجتمع، ما دفعه للاقتداء بوالده ودخول المجال الاجتماعي في مرحلة معينة من حياته، كناشط مستقل، وليس ضمن أطر المنظمات والعمل المدني الرسمي، ضد التمييز وفي مجال حقوق المرأة والعنف الأسري.

لا يستطيع غسان تجيير طاقاته لأمر واحد، وإنما يشتتها في عدة أمور في آن واحد، وكثيراً ما يكون عاجزاً عن إتمامها بالكامل معاً نظراً لذلك، لكنه يعتبر أن كثرة أسئلته وإلحاحه وفضوله، كثيراً ما توصله إلى الأجوبة الصحيحة، فتحمل له السعادة والسحر والدهشة كالأطفال تماماً، ويكون قادراً على الاستمتاع بكافة التفاصيل في حياته حتى الصغيرة منها كوردة صغيرة أو ورقة خضراء.

كما أن ثقافة تقبل الآخر التي تمسك بها، انعكست بشكل كبير على حياته الشخصية، فبات قادراً على تقبل شخصيته بكافة جوانبها، وتقبل الحياة كما هي في أي وقت، وتجييرها على النحو الذي يريده، وبرأيه أن الإنسان قادر على رؤية جمال الحياة متى شاء، كما هو قادر على رؤية قبحها متى شاء، وهو الأمر الذي يحاول تجنبه إلى حدّ ما، ما يجعله دائم الابتسامة والمرح.

“اسمحوا لأنفسكم أن تحبوا، وقدموا دون انتظار الرد، افعلوا ما شئتم من أجل أنفسكم لا من أجل المردود، أعطوا بلا مقابل، حتى تكسبوا أنفسكم ولا تضيعوا العطاء بالأنا، لا تُعمّموا وانظروا لكل إنسان على أساس إنسانيته وشخصيته وفرده”، هذه الكلمات كانت رسالة غسان نادر لكل من يقرأ كلماته، ولطلابه الذين هم أكثر من يدرك مدى مصداقيتها.

في التغريبة السورية وزمن الفوضى والاحتراب واللجوء، نحتاج نحن السوريون إلى الاستفادة بما مر به الآخرون من تجارب، ولربما كان العمل التطوعي المرادف لعملنا الأساسي حبل النجاة والخلاص لنا كشعب وأفراد، لنستلم الشعلة ونمررها لغيرنا، لنعيد لَأْمَ مجتمعنا وسوريتنا.

تعليق واحد

  1. غسان نادر…هو إنسان نادر بعطائه وأحيانا كثيرة أشعر أنه معلم للمحبة والعطاء كما هو معلم للغة …رغم أني طالبة غير مجدة كما يجب أشعر أمام عطائه بالدهشة ..لمقدرته على العطاء والجهد
    شكراً للإنسان في روحه وقلبه وهذا نادر

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*