من الدحاحل إلى المفرقعات.. ألعاب الأطفال في رمضان

زيتون – محمد المحمود 

انتهى العام الدراسي، وانتهى الجدّ والجهد، وبدأ دور اللعب واللهو بالنسبة لأطفال إدلب، ليعيشوا أجواءهم الخاصة، ويمارسوا ألعابهم الشعبية المعتادة في ساحات وأزقة مدنهم وبلداتهم.

ومع تقدم الزمن وتغير الظروف، تتغير ألعاب الأطفال وتتنوع سلباً وإيجاباً، فتدخل ألعاب جديدة إلى غرف الأطفال وساحات لعبهم واجتماعاتهم، ولكن دون أن تزيح كلياً ألعابهم القديمة، وفي الوقت ذاته هناك ألعاب تنتشر بين الأطفال في أوقات محددة من العام دون غيرها.

ففي شهر رمضان الحالي، وككل عام، لا بد للألعاب النارية أن تكون من ضمن ألعاب الأطفال، ولكن إلى جانب ألعابهم التي اعتادوها، فما هي هذه الألعاب وما هو تأثيرها؟

 

الألعاب الشعبية القديمة

منذ نعومة أظفارنا ونحن نهوى تلك الألعاب، فلم تكن تخلو باحة مدرسة أو شارع من أطفال يلعبون “الطميمة”، وتعلو أصوات ضحكهم الممزوجة بالإنهاك فوق كل الأصوات في المحيط، تعج المساحات الترابية في الحدائق بأطفال تركوا الأراجيح مفضلين لعب “الدحاحل”، وفي الأرياف تكثر لعبة “القاموع”، وفي الأزقة يلعبون “الدوش”، أما “البلبل” فهو حاضر إلى جانب “الدحل” في جيوبهم دائماً.

هذه الألعاب وغيرها من ألعاب الأطفال الشعبية، تتسم ببساطتها وعدم تكلفها، وعدم حصرها في مكان أو زمان، والأهم هو لعبها بشكل جماعي، إذ لا يمكن أن يلعبها طفل واحد بمفرده، فضلاً عن الأمان إلى حدّ ما على سلامتهم الجسدية، على العكس من الكثير من الألعاب الحديثة.

يرى الطبيب “عبد الحكيم رمضان” أن من الضروري والمهم حركة الطفل الجسدية ولا سيما في المساحات الواسعة مع أقرانهم كما هو الحال في هذه الألعاب الجماعية القديمة، وذلك لضرورة اكتمال بنيتهم الجسدية واكتساب المهارات اللازمة لهم.

 

الألعاب الحديثة

يفرض الواقع نفسه حتى في ألعاب الأطفال، فتطرأ الكثير من التحديثات بشكل مستمر على ألعابهم، ولكن السمة الغالبة على معظمها هي الفردية، على العكس من الألعاب التقليدية التي كانت تجمع الأطفال دون أن تميز بين أعمارهم.

وأكثر الألعاب انتشاراً في الآونة الأخيرة هي الألعاب الإلكترونية، سواء تلك التي تعتمد على توفر الانترنت أو على توفر الأجهزة التي يمكن للطفل أن يستخدمها في ألعابه.

وتحمل هذه الألعاب الكثير من الفوائد في حال استُغلت بالشكل الصحيح لها على الرغم من طبيعتها الفردية، والتي تحمل في الوقت ذاته الكثير من الأضرار على صحة الطفل الجسدية والعقلية.

“فاطمة عتيق” عاملة في مجال الدعم النفسي في منظمة شفق الإنسانية قالت لزيتون: “نوعية الألعاب الإلكترونية وطريقة استخدامها تلعب دوراً كبيراً في طريقة تأثيرها على الأطفال سلباً أو إيجاباً، فإن تم اختيار الألعاب المناسبة، وتمت ممارستها بالشكل الصحيح، من الممكن أن تنمي مهارات الطفل الإدراكية، وتمنحه القدرة على اتخاذ القرارات، بالإضافة لمنحه المفردات والتعابير بلغته الأصلية أو بلغات أخرى”، مضيفةً:

“ولكن بالمقابل الألعاب الإلكترونية تقتل الذكاء الاجتماعي عند الطفل، وتحرض على العنف، وتنمي النزعة العدوانية لديه، وتزرع فيه حب الذات والأنانية، وتتسبّب بنزيف في الدماغ لشدة التركيز، بالإضافة لاستهلاك خلايا من الدماغ قبل أوانها، فضلاً عما من الممكن أن تسببه للطفل من ضعف في تحصيله العلمي”.

 

الألعاب النارية والأسلحة

على الرغم من قدمها وعدم حداثتها بما لا يكفي لتصنيفها ضمن أي من النوعين السابقين، إلا أن انتشارها يكون غالباً في شهر رمضان وفترات الأعياد، ولعبت الظروف والواقع الذي يعيشه الأطفال منذ أكثر من سبع سنوات دوراً في زيادة إقبال الأطفال عليها، ولا سيما ألعاب الأسلحة كالبنادق والمسدسات، والتي تعكس ما في داخل الطفل، وما تركته الحرب من عنف ومن أفكار خاطئة لديه، فترى الاطفال منتشرين بين الأحياء والأزقة، متأهبين للقتال فيما بينهم، كما تحمل الكثير من الأضرار الجسدية خاصة تلك التي تحوي “الخرز” بدلاً من الرصاصات البلاستيكية، أو التي تقتصر على إطلاق الأصوات فقط، فضلاً عن الأضرار النفسية والمفاهيم الخاطئة التي تزرعها في نفوس الأطفال.

“نور الدين محمود” أحد أطفال مدينة إدلب تحدث لزيتون عن متعته باللعب بهذه الألعاب وعن نظرته لها قائلاً: “البنادق والمسدسات أفضل الألعاب بالنسبة إليّ، وذلك لأنني أستطيع أن ألعب بها وحدي، ولأنني أشعر بالأمان والقوة عندما تكون بحوزتي، وأتشوق لقتال أصدقائي بها، وأكون على ثقة بأن أحداً لن يستطيع هزيمتي”.

ويرى المعلم في إحدى مدارس إدلب “أيمن الحكيم” أن للحرب أثر كبير على نفسية الأطفال وميولهم لمثل هذه الألعاب التي تحرض على العنف وتنمي العدائية لدى الأطفال، مؤكداً أن الألعاب الشعبية البسيطة هي الأكثر إيجابية على نفسية الأطفال، إذ تنمي لديهم العمل الجماعي وروح الجماعة وحب الآخرين.

بينما يجد أطفال آخرون المتعة في أضواء الألعاب النارية وأصواتها، وخلال شهر رمضان وفي الأعياد والمناسبات يكثر بيعها في المحال التجارية، وتعلو أصوات انفجاراتها في الأحياء، وذلك على الرغم من الأضرار الجسدية التي تتسبب بها كل عام، والتحذيرات والقرارات التي تطلق لمنع تداولها في الأسواق.

ويلقى “خالد الأحمد” اللوم على أصحاب المحال التجارية، وبيعهم هذه الألعاب رغم معرفتهم مقدار الخطورة التي يمكن أن تسببها للأطفال، مطالباً الجهات الأمنية بجدية معاقبة كل مخالف ومحاسبته.

في حين تخشى الطفلة “لمار حميدان” من مدينة إدلب هذه الألعاب وتقول لزيتون: “لا أحب الألعاب النارية وأسلحة الخرز فهي تخيفني جداً، وأصوات الألعاب النارية يذكرني بالانفجارات والقصف”، مضيفةً:

“أحب لعبة الطميمية والدحاحل لأنها ألعاب جميلة، ونلعب ونستمتع بها أنا وجميع رفيقاتي دون أن تؤذينا أو تخيفنا”.

من جانبه لم يعد الطفل “فادي أحمد” ذو العشرة أعوام لشراء الألعاب النارية، أو الاقتراب حتى من الأطفال أثناء لعبهم بها، ويحاول دائماً نهيهم عن ذلك، بعد أن تسببت هذه الألعاب ببتر 3 من أصابعه في أواخر رمضان الماضي.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*