ذاكرة خارقة وآلة حاسبة بشرية.. إبداع طفل سوري في إدلب

زيتون- أسامة الشامي

في حالة فريدة ونادرة لا تسخو بها الحياة كثيراً على البشر، يبدو الطفل الذي عاش معظم سنين عمره التسع في ظل الحرب طفرة في عبقريته وطريقة رؤيته للرياضيات والعمليات الحسابية المعقدة على البالغين.

ورغم ما تفاجئنا به وسائل التواصل الاجتماعي وأخبار وسائل الإعلام عن حالات التفوق في صفوف اللاجئين السوريين في دول اللجوء، الذين حملوا مع حقائبهم المتعبة خامات إبداعية مميزة، إلا أن حالة الطفل محمد الأسمر تعتبر استثناءً لافتاً يستحق الوقوف عنده.

“محمد عزيز الأسمر” طفل سوري في التاسعة من عمره، من مدينة “بنش” شمال إدلب، حالة إبداعية طفولية مميزة وملفتة، يستطيع محمد أن يجيب على عمليات ضرب أرقام ثلاثية من فئة المئات، بوقت قصير جدا وكأنه آلة حاسبة، مستخدما طرقاً خوارزمية ذهنية، غير مفهومة القواعد للبالغين.

كما بإمكانه الوصول لحل عمليات حسابية معقدة تفوق عمره بذكاء ووقت قياسي، إضافة لامتلاكه ذاكرة مدهشة بحيث يحتفظ بمعلومات ضخمة من ضمنها حفظه لتسعة أجزاء من القرآن منذ سن السادسة، مع أرقام الآيات والصفحات ومواضعها بالصفحة، بطريقة مذهلة تنم عن قوة عقلية عالية.

بدأت قصة عشق محمد أو “الآلة الحاسبة الطفولية” كما يلقبه الناس للأرقام والرياضيات منذ سن الرابعة، كما تروي والدته المعلمة “باسمة حمدون”: “حفظ جدول الضرب في الرابعة بعد سؤالي عن معنى عملية الضرب، فأعطيته مثالا 6×7 وشرحت كيف نكرر الستة لسبع مرات أو السبعة لست مرات، وهو باجتهاد منه بدأ يضرب حتى خرج من جدول الضرب التقليدي لنتائج تصل للمليارات”.

كانت بداية محمد توحي بالإبداع الكامن منذ الصغر، وذلك لتوجهه نحو القضايا العلمية الأصعب والتي لا تناسب عمره، فاختار أن ينطلق من وصف “ديل كارنيجي” لطريق الإبداع عندما قال: “قم بالأعمال الصعبة أولاُ وسوف تحل السهلة نفسها”، كما أتقن الأحرف العربية والإنكليزية كتابة وقراءة في وقت قصير ومبكر، وفقاً لوالدة محمد.

أما عن كيفية اكتشاف موهبة محمد فيقول والده الرسام “عزيز الأسمر”:

“بعد تعلمه الأحرف والأرقام بدأ محمد يقرأ أرقام لوحات السيارات والشاخصات المرورية التي تصادفنا في كل مرة نخرج فيها بسيارتنا، ليعيدها على مسامعنا بعد أن نكون قد قطعنا مسافة لا بأس بها، ومر عليها بعض الوقت، وشيئاً فشيئاً بدأنا نلاحظ أن كل ما يراه ويقرأه تنطبع صورته في ذهنه، ما جعلنا نحاول التركيز على كل ما نراه، ونقوم بتدوين بعض أرقام اللوحات دون أن ينتبه لذلك لنتأكد من موهبته”. 

كل ما له صلة بالأرقام، لا يمكن له أن يمر على محمد بشكل طبيعي أو تقليدي، بالإضافة إلى أن تسليته الوحيدة حين يشعر بالضجر كانت العدّ، والذي يمكن أن يطول لساعات ويصل فيه محمد إلى أرقام من فئة الآلاف، ما يتسبب في بعض الأحيان لتذمر من حوله، بحسب والد محمد.

“أحب الرياضيات والأرقام جداً، وأحب أن أتابع تعليمي وأن أصبح معلم رياضيات، وأكره الحرب وكل أصوات الضجيج، وأتمنى أن تنتهي بسرعة”، هكذا قال المبدع الصغير لزيتون، والذي يصرّ على متابعة سيره في الطريق التي اختارها، وتطوير نفسه في مجال الرياضيات ومواصلة حفظ القرآن.

ويظهر وعي محمد وشغفه للتعلّم، من خلال حلمه المستقبلي بأن يصبح معلماً، لما ألحقته الحرب من ضرر بقطاع التعليم، إذ يفضل محمد أن يكون معلم رياضيات على أن يكون عالماً، وذلك لأن الوضع الحالي لا يحتاج إلى علماء، وإنما يحتاج لمعلمين يعلمون الأطفال الذين فقدوا تعليمهم، على حد قوله.

بينما ترى والدة محمد بأن طفلها مختلف عن معظم الأطفال وحتى عن إخوته، إذ لا تغريه الهدايا أو غيرها من وسائل إغراء الأطفال، ولا يثنيه شيء عن التعلّم، كما ترى فيه شاباً صغيراً ناضجاً.

ويستدل والد محمد على وعي ابنه من خلال بعض ردوده على مواقف محددة، كالاحتفال بعيد ميلاد محمد، والذي لا يأبه به محمد على عكس بقية الأطفال، ويرد على احتفالهم به بقوله: “شو يعني عيد ميلادي؟! كبرت سنة.. كل الناس كبرت سنة معي، أنا ما كبرت لحالي”.

ويشعر الأسمر الأب بالغصة والحسرة على واقع سوريا الحالي بشكل عام والمناطق المحررة بشكل خاص، إذ لا يوجد فيها أخصائيين يوجهون قدرات ابنه وأمثاله من الأطفال المتميزين في الداخل السوري، متأملاً أن تُهيّأ لهم السبل لوضعهم على الطريق الصحيح ومتابعتهم بحسب مواهبهم وقدراتهم.

ولا يقف إبداع محمد عند الأرقام والحفظ فقط، بل يتعداه إلى موهبة بالرسم والخط، فضلاً عن لعبة الشطرنج التي يتقنها ويتفوق على العديد من لاعبيها الكبار، ربما ساعده في ذلك انتمائه لعائلة جمعت ما بين الفن والموسيقى لدى أعمامه، والرياضة لدى أخواله الحائزين على بطولة الجمهورية للناشئين والشباب بلعبة الشطرنج، فضلاً عن والده الرسام والخطاط، ووالدته المعلمة المدرسية.

يقول “وليم شكسبير”:

“البعض يولد عظيما، والبعض يجتهد فيكون عظيما، والبعض يسبب مشقة عظيمة لهؤلاء”.

تلخص هذه المقولة قصة الطفل المبدع محمد وأمثاله من مبدعي ومفكري هذا البلد، حيث أن محمد ولد مبدعا، ويجتهد ليكمل إبداعه، إلا أن قدره أن يعيش في وطن يحارب الإبداع، ويكون أبطال مشهده مشقة عظيمة على مبدعين ومفكرين وعلماء هذا الوطن.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*