إدلب المعضلة المؤجلة والمحطة الأخيرة للصراع السياسي والعسكري

خاص زيتون

يقف المشهد العسكري اليوم على مفترق الطرق نحو تشكيل ترتيبات أمنية جديدة، وذلك بعد تواجد مناطق خارج سيطرة النظام أكثر استقرارا بحكم تواجد ضامن عسكري مباشر مثل مناطق شمال وشمال غرب سوريا “الجيش التركي وقوات المعارضة”.

وفي هذه الأثناء، يتضح من رؤية المشهد السوري أنه متجه نحو تفاهمات جديدة لم تتبلور معالمها بعد، وعنوانها العريض هي تفاهمات أمنية لفتح الطرق الرئيسية بين المدن وخطوط التجارة المحلية والخارجية.

وتبدو إدلب وكأنها “المعضلة المؤجلة” حاليّاً لاعتبارها المحطة الأخيرة في سلسلة إجراءات وتفاهمات لإنهاء الصراع العسكري، ففيها خزان بشري كبير لنازحين من مختلف المناطق السورية، وتوجد فيها قوات مسلحة مناهضة للنظام بما فيها مجموعات متطرفة عصية على الاندماج مع باقي الفصائل، ومنها ما تجذَّر في البنى الإدارية والمجتمعية بما له من سيطرة مسلحة كهيئة تحرير الشام.

التسويات السياسية وانعكاسها على الواقع الفصائلي
يتكئ الوضع الحالي في محافظة إدلب بمجمله على مخرجات أستانة 6 وما تم الاتفاق عليه من مناطق خفض التخفيض الرابعة والتي تشمل محافظة إدلب وريفي حماه الجنوبي وحلب الغربي، الاتفاق الذي سمح بحصول كل طرف بشكل ما على ما يريده من أولويات له.
إدلب المحافظة التي خرجت عن سلطة النظام بالكامل منذ آذار 2015 باستثناء بلدتي الفوعة وكفريا، تمكنت هيئة تحرير الشام من السيطرة عليها بشكل مطلق بعد معارك مع باقي الفصائل كان أبرزها حركة أحرار الشام الإسلامية، كما تمكنت هيئة تحرير الشام من فرض نفوذها على المؤسسات المدنية في المحافظة ودوائرها الخدمية إما عن طريق القوة أو عن طريق التلويح بها.

وكان اتفاق أستانة قد نص على التأكيد على مكافحة الإرهاب والقضاء على تنظيم داعش وجبهة النصرة، كما أكد على اتخاذ جميع التدابير اللازمة لمواصلة الكفاح ضدها داخل مناطق خفض التصعيد وخارجها. ومع زيادة الحديث عن حل جبهة النصرة في الشمال السوري يعود إلى الواقع الاستحقاق الذي فرضه الاتفاق على الضامن التركي في مكافحة جبهة النصرة من إدلب، وهو ما لم يظهر حتى الآن ولا سيما في دخول القوات التركية إلى مناطق تمركزها على أطراف محافظة إدلب دون الصدام مع جبهة النصرة إن لم يكن بحمايتها.
كما يقول المراقبون أن الذي قام بتطبيق بنود أستانة بالانسحاب من مناطق شرق السكة هو جبهة النصرة ذاتها، وهي المسيطرة بشكل رئيسي على تلك المناطق، وذلك لصالح قوات النظام التي واصلت تقدمها إلى مناطق غير مشمولة بالاتفاق حتى وصلت إلى قريتي تل السلطان وتل الطوقان شرقي سراقب.
ويؤكد المراقبون أن الجانب التركي لا يرغب بالصدام مع جبهة النصرة لكنه ليس مستعداً أيضاً لتحمل تكلفتها، ومن هنا جاء تشكيل لما يعرف بالجبهة الوطنية للتحرير والمشكلة من بعض الفصائل المعتدلة كفيلق الشام، بهدف حماية اتفاق أستانة وبداية التفاوض حول مستقبل جبهة النصرة.

وتبدي جبهة النصرة كمعظم الجماعات الإسلامية مرونة كبيرة في التعامل مع الأطراف الدولية بعكس طبيعتها في الداخل مع الأهالي، وهي تدرك حاجة بعض الأطراف الدولية إليها وإلى الخدمات التي يمكن أن تقدمها إلى تلك الأطراف، وهو ما يؤجل في حلها نوعا ما بحسب المراقبون.
والحال كذلك فمن مصلحة من أن تخلط الأوراق مجدداً ليعود القصف إلى محافظة إدلب، ولا سيما بعد مجزرة زردنا، وما تبعها من اشتباكات على أطراف بلدة الفوعة وعودة القصف الجوي على المنطقة، يقودنا السؤال إلى الحادثة الأخيرة التي جرت في كفرهند بريف سلقين، والتي قالت جبهة النصرة أنها تمكنت من قتل واعتقال مجموعة تتبع لداعش في الأسبوع الماضي، لتعود مجموعة قالت أنها تابعة لتنظيم داعش في ولاية إدلب لاختطاف عدد من منتسبي جبهة النصرة وجيش إدلب الحر، وذلك في 9 أيار الماضي، هددت بإعدامهم إن لم يتم إطلاق سراح قياديين ممن تم أسرهم في عملية رد الطغيان في أواخر شباط الماضي الذي قامت به بعض الفصائل المعارضة لم تكن جبهة النصرة إحداها.
ظهور الخلايا النائمة لداعش في هذا الوقت في إدلب قد يكون لكسر حالة الهدوء التي يعيشها الأهالي في المحافظة، وخلط أوراق التفاهمات الدولية التي تمت سابقاً، من قبل أطراف متضررين من هذه الحالة، وخصوصاً أن هناك مناطق معروفة بانتساب أعداد من مقاتليها سابقاً لتنظيم داعش وجند الأقصى وحالياً حراس الدين.

حراس الدين
ظهر التشكيل في 9 كانون الثاني من العام الحالي، بعد ما شهدته صفوف جبهة النصرة من انشقاقات واعتقالات طالت شرعيي لديها وقياديين منهم أبو جليبيب الأردني وسامي العريدي المتشددين في جبهة النصرة والمناصرين لتنظيم القاعدة بقوة، وضم التشكيل بعضاً من الفصائل المنشقة عن هيئة تحرير الشام كجند الملاحم وجيش البادية وغيرهم.

ويوضح الاتفاق الذي أنجزته لجنة الحل برئاسة أبو كريم مدى التقارب والانسجام بين كلا من الهيئة وحراس الدين، وكانت اللجنة قد جمعت بين الجولاني وأبو همام الشامي ممثلاً عن المتشددين توصلت من خلاله بحسب بعض المصادر إلى عدم تشكيل مناطق نفوذ أو مقرات من قبل حراس الدين فيما تقوم هيئة تحرير الشام بتأمين أماكن لهم، كما يقضي بعدم قيام حراس الدين بإضعاف الهيئة أو منافستها.
مؤشرات ترجح حل جبهة النصرة
يشير بدء الحديث عن تشكيل الجبهة الوطنية للتحرير إلى سعي الطرف التركي الراعي لهذا الجيش إلى توفير بديل محتمل عن الفراغ الحاصل بعد حل جبهة النصرة، وهو ما يبقى مرهونا ومحكوما بالظروف.
كما يبدو أن الانشقاقات الكبيرة التي حدثت في صفوف جبهة النصرة أثرت بشكل كبير على هيبة النصرة العسكرية، كما بات واضحاً عدم تقبل الأهالي إلى سلوكيات النصرة وأخطائها، وميلهم إلى جانب جبهة تحرير سوريا في قتالها الأخير مع النصرة.
ويرى محللون أن العجلة التي قامت بها النصرة في تشكيل مجلس مدينة إدلب مؤخراً مصدره شعور النصرة بالخوف من خروج إدارة المدن في المحافظة من يدها، في ظل أوضاع أمنية تدفع الأهالي إلى الضغط عليها وخصوصا في قطاع الخدمات المتردي.
واستكمال نقاط المراقبة من قبل الجانبين التركي والروسي على أطراف المحافظة يفرض الانتقال إلى الخطوة التالية في مكافحة جبهة النصرة المصنفة على قائمة الإرهاب الدولي.

الموقف التركي
بعد نجاحها في معركة غصن الزيتون وضرب المشروع الكردي على الحدود التركية بمساعدة الجيش الحر، تحرص تركيا على ضمان بقاء محافظة إدلب خارج سيطرة النظام لضمان أكبر لمصالحها، ولعل من أبرز المصالح لها هو تثبيت حزام أمن لها على حدودها الجنوبية أولا من مشاريع كردية أو مناطق ساخنة عسكريا.
وتتطلع الحكومة التركية إلى تثبيت الوضع الهادئ في إدلب آملاً في التخفيف من عدد اللاجئين السوريين لديها، ولذا فإنها تنظر بعين الحذر لأي تقدم للنظام كما حدث في بداية العام الحالي، وما دفعت به من دعم عسكري لبعض الفصائل لإيصال رسائل واضحة إلى روسيا وإيران باختراق اتفاق أستانة.
ومن هنا يمكن فهم ما تقوم به الحكومة التركية من مشاريع تساعد في استقرار المنطقة بشكل أكبر كنشر أبراج شبكات الأنترنت، وفتح المعابر أمام قوافل التجارة مع إدلب.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*