نحالو إدلب: استحالة نقل النحل وقلة المراعي أثرت على تربيته

زيتون – أسامة الشامي
لإدلب تاريخ طويل في تربية النحل، يعود لعشرات السنين، ساهم فيه طبيعة المحافظة التي يدل عليها لقبها الخضراء، وعلى مدى السنوات الماضية تمسك أهالي إدلب بتاريخهم، وبرغم الظروف والتراجع الذي نال من هذه المهنة، والصعوبات التي تقف في وجههم، إلا أن الأهالي ما يزالون يمارسونها ويعملون بها.

تربية النحل قبيل وخلال الثورة
تمتاز محافظة إدلب بغناها بالأشجار والنباتات التي تتفتق عن أزهار تجعلها بيئة مثالية لتربية النحل، وبدورها تعطي أنواعاً متعددة من العسل بحسب الزهرة التي رعى عليها النحل، ما جعل المحافظة تتصدر محافظات سوريا في تربية النحل وإنتاج العسل، وذلك وفق إحصائية سابقة لوزارة الزراعة التابعة لحكومة النظام.
إلا أن تربية النحل في إدلب بدأت تتراجع بحسب مواقع مختصة، لتصل في عام 2009 إلى المرتبة الثالثة بين المحافظات، لتواصل هذه المهنة تراجعها عقب اندلاع الثورة السورية وعلى مدى سنواتها السبع الماضية، إذ قدرت دراسات أجرتها وزارة الزراعة الحرة في الحكومة المؤقتة عام 2016 نسبة التراجع بأكثر من 65%.
وتتركز تربية النحل ضمن المحافظة بشكلٍ أساسي في كل من “معرة النعمان، أريحا، الدانا، سهل الروج، جبل حارم، وبعض بلدات جبل الزاوية”.
وعن أسباب تراجع هذه المهنة والصعوبات التي تواجهها قال النحّال “أحمد زعتور” لزيتون: “قلة المراعي واستحالة ترحيل النحل لأماكن ومراعي مناسبة له، كجبال اللاذقية، ومناطق الجزيرة حول حوض الفرات شرقاً، هذه المراعي والمناطق التي كانت تمتاز بالدفئ والغذاء وتساهم بعدم موت النحل بالبرد شتاء، افتقدناها في ظل الحرب، وكانت العقبة الأكبر التي تسببت بتراجع المهنة كثيراً”.

“المواد السامة الي تشبعت فيها الأرض من مخلفات القصف، كانت سبباً بموت أعداد كبيرة من النحل، إضافة لصعوبة التحرك حتى ضمن مناطق إدلب، حيث كنا نواجه صعوبات كبرى في ذلك، منها نقل النحل على ضوء البيل خوفاً من قصف الطيران، إذ تتم هذه العملية خلال ساعات الليل حصراً”.
كما واجه مربو النحل في إدلب صعوبات أخرى تحدث لزيتون عن أبرزها النحال “خالد جيلو” بقوله: “عجزنا عن الحصول على سلالات جيدة في إنتاج العسل، وتسمّم النحل بفعل المبيدات الحشرية ذات الفعالية طويلة الأمد، التي ترش للخضار والنباتات، مثل “اللانيت” القاتل للنحل، بالإضافة إلى أن عدم وجود مرشدين مختصين بتربية النحل لتوجيه النحّالين إلى طرق التهجين الناجحة كان عاملاً مؤثراً في تراجع مهنة تربية النحل، فضلاً عن غلاء أسعار كافة مستلزمات التربية من خشب ومعدات وأدوية وغيرها”.

وتتألف خلية النحل الواحدة من عدة “براويز”، وهي عبارة عن إطارات خشبية يقوم النحل بإنتاج العسل ضمن الأقراص الشمعية التي يتم بناؤها ضمن هذه البراويز. 
ويبلغ سعر الإطار الواحد (البرواز) 12 دولاراً أمريكياً، أي أن ثمن خلية مكونة من 5 براويز يساوي 60 دولاراً، في حين يبلغ ثمن خلية الخشب الفارغة 35 دولاراً ، ليصبح ثمن الخلية مع نحلها حوالي 95 دولاراً أمريكياً، أي ما يقارب 45 ألف ليرة سورية، بحسب النحال “جيلو”، والذي أوضح أن عملية تكاثر النحل تتم عبر عملية يطلق عليها مربو النحل اسم “الشلح”، حيث تطرد الخلية (تشلح) من طردين إلى 3 طرود سنوياً، وذلك بحسب نوع النحل ورغبة النحّال، ويتحول كل طرد منها إلى خلية جديدة، عبر اهتمام ومتابعة النحالين.
وبدرجة أقل كان لارتفاع سعر مادة السكر التي يتطلب تحضير “القطر” الذي يشكل غذاء النحل خلال فصل الشتاء كميات لا بأس بها منه، وغلاء أسعار المحروقات أو عدم توفرها في بعض الأحيان، والذي أدى بدوره لارتفاع تكاليف نقل النحل في حال إمكانية نقله، مكاناً ضمن المشاكل التي واجهت مربي النحل، فضلاً عن انقطاع الكهرباء لفترات طويلة ومتكررة، والتي تعتمد عليها عملية فرز العسل واستخلاصه من الأقراص الشمعية.

أنواع النحل والعسل وأهميته
تتواجد العديد من أنواع النحل في محافظة إدلب، منها نحل “كرليوني، إيطالي، ألماني، بيكفاست، كارنيكا، لوكستيكا”، إلا أن هذه الأنواع نادرة التواجد، على الرغم من قدرتها على إنتاج كميات كبيرة من العسل.
بالمقابل يعتمد نحالو إدلب على تربية نوعين أساسيين من النحل، يجمعهما مسمى “النحل السوري”، وهما “السيافي” و “الغنامي”، ويمتاز النحل السوري بنوعيه بلونه الأصفر وصغر حجمه، وشدة شراسته ومقاومته “للدبابير”، وكثرة تطريده (تكاثره)، وملائمته للعيش في المناطق الجافة والحارة، ولكن من الصعب التمييز بين نوعي النحل السوري، كما أن النوعين يعتبران من النحل قليل الإنتاج للعسل، غير أن ملائمته للظروف الحالية، تجعله النوع الرائج والمعتمد، رغم قلة إنتاجه مقارنة بالأنواع الأجنبية الأخرى، والتي لا يضمن نحالو إدلب تأقلمها مع هذه الظروف.
ويعد العسل من أهم منتجات الطبيعة من صنف الأغذية، وهو الذي يعطي حشرة النحل هذه الأهمية الكبرى، فهو غذاء ذو فوائد طبية كبيرة للعديد من الأمراض، ذكر في القرآن الكريم، وفي العصر الحديث أكدت العلوم الحديثة العديد من هذه المنافع، منها أمراض “الحساسية” و “الربو”.
وكما للنحل أنواع فللعسل أيضاً أنواع، لا تعتمد على نوع النحل بقدر ما تعتمد على نوع الزهرة التي رعى عليها النحل، والتي تعطي للعسل بعضاً من نكهتها الخاصة، ما يجعل كل نوع من أنواع العسل مميزاً بمذاقه إلى حدّ ما. 

وتتيح الأنواع المختلفة من النباتات في إدلب إنتاج أنواع عديدة من العسل، مثل عسل الحبة السوداء، الذي يعد من أعلى أنواع العسل فائدة صحية وقيمة غذائية ومادية، بالإضافة إلى أن قرب المحافظة من جبال محافظة اللاذقية كان في السابق يسمح بإنتاج ما يعرف بـ “عسل الجرد”، والذي يفوق سعره عسل الحبة السوداء، فضلاً عن توفر بعض أنواع النباتات العطرية والحمضيات، والتي يرعى عليها النحل، وتكون أسعار هذه الأنواع من العسل أدنى من النوعين السابقين.
أما “الغذاء الملكي” فهو ليس صنفاً من أصناف العسل، وإنما غذاء مركب ينتجه النحل من غبار الطلع من كل أصناف الزهور، وثمنه مرتفع جدا حيث يباع بالغرامات وليس بالكيلوغرام كما هو الحال بالنسبة للعسل، وجل استخدامه لأغراض طبية، فله أهمية كبرى بذلك، ويدخل في تركيب أنواع عديدة من الأدوية.
ولكل نوع من أنواع العسل فوائد طبية خاصة، تشترك في بعضها وتتفوق في غيرها وتختص بأخرى، كما أن لسعات النحل بحد ذاتها تشكل علاجاً لبعض الأمراض كالروماتيزم وآلام الظهر والرقبة، فضلاً عن تنشيطها للدورة الدموية لدى الإنسان، ولكن ضمن عدد محدود من اللسعات، إذ من الممكن أن تؤدي عشرات اللسعات في آن واحد إلى الموت عند بعض الأشخاص لا سيما ضعيفي المناعة، ومن المعروف أن النحلة تموت هي الأخرى عقب لسعها للإنسان.

أسعار العسل وطرق التأكد منه
من حيث السعر، ينقسم العسل إلى نوعين أساسيين هما: العسل الطبيعي الذي يقوم النحل بإنتاجه اعتماداً على رعيه على أزهار النباتات الطبيعية دون دخول مادة القطر فيه، وذلك على العكس من العسل المغذى الذي ينتجه النحل أثناء تغذيته بالسكر(القطر)، ما يفقده الكثير من خواصه الغذائية والطبية، ويغلب إنتاج هذا النوع في فترات الربيع الأولى، حيث يكون النحل قد تغذى خلال فصل الشتاء على مادة القطر (محلول السكر والماء المغلي).
ويتراوح سعر الكيلوغرام الواحد من العسل المغذى ما بين ٣٥٠٠ و ٤٠٠٠ آلاف ليرة سورية، في حين يتراوح سعر الكيلوغرام من العسل الطبيعي ما بين 5 و 7 آلاف ليرة سورية، بحسب النحال “زعتور”.
ويمكن التأكد من سلامة العسل وعدم غشه عبر طرق عديدة، منها التحليل المخبري الذي يعد أدقها وأفضلها، إلا أن عملية الشراء السريعة ولا سيما من الباعة الجوالين، بالإضافة إلى ظروف الحرب، جعلت الكثير من الأهالي يفضلون طرق الاختبار اليدوية والبسيطة والمتاحة للجميع وفي أي وقت، وأبرزها اختبار الحرق أو اللهب، والذي يعتمد على تعريض قصاصة صغيرة من الورق عليها كمية بسيطة من العسل للنار، اشتعال القصاصة الورقية يكون دليلاً على عدم غش العسل، في حين يدل عدم الاشتعال على وجود رطوبة في العسل، وهو ما يشير إلى غش العسل.

كما يمكن خلط بضعة قطرات من الخل مع كوب ماء، ومن ثم إضافة ملعقة كبيرة من العسل، ظهور رغوة على سطح الخليط تنم عن وجود غش في العسل، أو الاكتفاء بوضع ملعقة عسل في كوب الماء، إذا بقيت كمية العسل متجانسة يكون دليلاً على صحته وعدم غشه، والعكس في حال تفكك جزيئاته وذوبانه بسرعة.
وجميع هذه الطرق باستثناء التحليل المخبري تحتمل نسبة من الخطأ وعدم الدقة، وذلك لما بات معروفاً لدى البعض وما قابله من وسائل لتجنب كشف الغش في العسل بسهولة.
وفي فصل الشتاء، وعند تعرض العسل لدرجات حرارة منخفضة، يسهل على المشتري التمييز بين العسل السليم والمغشوش، إذ يتجمد العسل ويصبح على شكل كتلة متجانسة من الحبيبات في حال كان سليماً، بينما تتفكك حبيبات السكر عن الماء في العسل المغشوش. 
يتفاءل الكثير من نحالي إدلب بهذا العام متطلعين إلى جني محاصيل أوفر، وعودة المهنة إلى انتعاشها في ظل الهدوء النسبي الذي يمر على الشمال السوري.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*