الفارين من جحيم الموت.. بين الموقف العربي المخزي والإنسانية الإسرائيلية الكاذبة

زيتون – تيسير محمد
هرباً من جحيم الحرب، نزح عشرات الآلاف من المدنيين من مدن وبلدات درعا، بسبب حمم البارود والنار التي بدأت تنصب فوق رؤوسهم. 
وازداد عدد النازحين بعد أن سيطرت قوات الأسد وحلفائها على عدة قرى، ولا يخفى على أحد أن خوف السوريين من إجرام قوات الأسد بحق من تطالهم، لا يقل أبداً من خوفهم من الحمم والقذائف، بل على العكس تماماً فغالبيتهم يفضلون الموت على أن يقعوا بين أيدي قوات النظام والميليشيات المساندة لها.
قرابة الـ 400 ألف، بلغ عدد النازحين من قرى ومدن ريف درعا الشرقي، وتعد موجة النزوح هذه هي الأكبر في محافظة درعا منذ بداية الثورة السورية. 
تمكن بعض النازحين في بداية الحملة من النزوح إلى مدينة دمشق بأعداد محدودة جداً، لتقوم قوات الأسد لاحقاً بمنع الأهالي من دخول مناطق نفوذها، إلا من خلال المعابر التي خصصتها لهم، وذلك لتتمكن من التحكم بمصيرهم، وسوق الشباب القادرين على حمل السلاح إلى جبهات القتال مرغمين، وتضع البقية في مراكز إيواء مؤقتة لتمعن في إذلالهم، وتعتقل من تشاء منهم، كما فعلت في السابق مع أهالي الغوطة الشرقية.
وفي محاولتهم للوصول إلى أماكن أكثر أمناً توجه الكثير من النازحين إلى البلدات البعيدة عن خط المواجهات، لكن ذلك لم يبعدهم عن طائرات النظام التي ارتكبت مجزرة في بلدة المسيفرة، راح ضحيتها عدداً من النازحين إليها، تلتها اليوم مجزرة في قرية “غصم”، بمكان ليس ببعيد عن مكان اجتماع الوفد الروسي مع وفد المعارضة.
وتؤكد المنظمات الإنسانية المختصة، ومراكز التوثيق في درعا عدم قدرتها على إحصاء العدد الحقيقي للشهداء والجرحى خلال الأيام الماضية، بالإضافة إلى عدم تمكنها من توثيق القصف بشكل دقيق جراء كثافته الكبيرة وشموله لكافة المناطق تقريباً في آن واحد.
في حين توجه مئات الآلاف من النازحين مع تقدم قوات النظام أكثر فأكثر، باتجاه الحدود السورية – الأردنية، والحدود مع إسرائيل.

الأردن.. شعب يقاسم النازحين الرغيف وحكومة تقابلهم بالقنابل المسيلة للدموع 
توجه أكثر من 150 ألف نازح من أهالي درعا نحو الحدود الأردنية، وكانت الأخيرة قد أعلنت منذ بداية الحملة على الجنوب السوري أنها لن تستقبل المزيد من اللاجئين، وأكد رئيس الوزراء الأردني “عمر الرزاز” في تصريحات له لوسائل إعلامية بأن الأردن استقبل لاجئين أعلى من قدرته، ولن يتمكن من استقبال المزيد منهم، مضيفاً بأن الحدود الأردنية محكمة السيطرة، ومنيعة، ولا خوف عليها بفضل الجيش الأردني والقوات المسلحة”. 
ومن المستغرب أن يؤكد رئيس وزراء دولة عربية شقيقة على مناعة حدود بلده، وجاهزية جيشه في مواجهة نازحين مدنيين عزل فروا من جحيم الحرب. 
على الجانب الآخر، أطلق عدد من الناشطين الأردنيين هاشتاغ ًفتحوا_الحدود منقسم الخبزة بالنص، وذلك تأكيداً منهم على رفضهم سياسة حكومتهم إغلاق الحدود في وجه النازحين، ولاقت هذه الحملة قبولاً شعبياً كبيراً لدى الأهالي في الأردن، كما بدأت بعض الفعاليات الأهلية في مدينة الرمثا على الحدود السورية الأردنية، بحملة لجمع المعونات، وذلك بعد أن تلقت وعوداً من الحكومة الأردنية بإيصال هذه المساعدات للنازحين في الطرف الآخر من الحدود.
وعلى الرغم من التوجه الشعبي في الأردن لفتح الحدود ومساعدة النازحين السوريين، إلا أن كل محاولات الأردنيين وحملاتهم، لم تلقَ أذاناً صاغية لدى الحكومة الأردنية، والتي جددت رفضها لفتح الحدود، وطالبت الأمم المتحدة بتقديم المساعدات لهم داخل أراضيهم، وقالت إنها تعمل مع الشركاء من أجل الوصول لحل سياسي، ووقف لإطلاق النار في الجنوب السوري.
ولم يقف الأمر عند هذا الحدّ، بل تطوّر ليقوم الجيش الأردني اليوم بإطلاق قنابل مسيلة للدموع على النازحين المتواجدين على الحدود بغية طردهم، بالتزامن مع دعوة النازحين عبر مكبرات الصوت للعودة إلى مناطق النظام، واصفة إياها بالمناطق “الآمنة”، غير أن النازحين أكدوا رفضهم التوجه إلى مناطق النظام، مفضلين الموت في مناطقهم أو على الحدود على أن يذهبوا بأنفسهم إلى النظام.
ويعاني النازحين على الحدود مع الأردن ظروفاً إنسانية سيئة للغاية، دون أن يتم تقديم أية مساعدات لهم من أي جهة إذ يفترشون العراء، دون خيام أو فرش أو طعام، فضلاً عن حالات الوفاة التي طالت العديد منهم لا سيما الأطفال، جراء تعرضهم للدغات الأفاعي والعقارب وعدم وجود نقطة طبية في المنطقة.

إسرائيل وإنسانيتها الكاذبة
أكثر من 50 ألف نازح، اختاروا اللجوء إلى خط وقف إطلاق النار مع “إسرائيل”، لكونها المنطقة الأكثر أمناً في الجنوب السوري كله، إذ لا يتجرأ نظام الأسد وحلفائه على استهداف المنطقة خوفاً من رد الفعل الإسرائيلي.
وقد وجدت الأخيرة فرصتها لإظهار “إنسانيتها” ووقوفها إلى جانب المظلومين، فبادرت بإرسال المعونات للنازحين السوريين على حدودها. 
وقال المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي “أفيخاي أذرعي”: “الصديق وقت الضيق، جرت الليلة الماضية عملية خاصة في ٤ مناطق لنقل مساعدات إنسانية مخصصة للسوريين الفارين في مخيمات الخيم بالشق السوري من هضبة الجولان”، مضيفاً: “خلال العملية الليلية التي استغرقت عدة ساعات، تم نقل نحو ٣٠٠ خيمة، بالإضافة إلى ١٣ طن غذاء، و٣ أطنان غذاء للأطفال، و 3 منصات نقالة محملة بالمواد الطبية والأدوية، و٣٠ طنًا من الملابس والأحذية”. وأكد “أذرعي” أن إسرائيل لن تسمح بعبور النازحين إلى داخل الشريط الحدودي، ولكنها من الممكن أن ترسل المزيد من المساعدات للنازحين.
وجدت إسرائيل فرصتها التاريخية في الثورة السورية لمحاولة تغيير صورتها لدى الرأي العام العربي والإسلامي وتطبيع العلاقات معه، واستخدمت الملف الإنساني باحترافية حيث استقبلت العديد من الجرحى، وقدمت لهم العلاج داخل الأراضي التي تسيطر عليها، وها هي اليوم تقدم المساعدات للنازحين بشكل عاجل وفوري، في حين أن الدول العربية والإسلامية تأخذ وضع “المزهرية”، وتكتفي بعضها بالصمت عما يجري، وتؤكد أخرى وقوفها بالقول والفعل إلى جانب سفاح العصر بشار الأسد.
استخدم نظام الأسد المدنيين كسلاح فتاك ضد معارضيه، فمنذ بداية الثورة قامت قواته باعتقال أقارب المعارضين وأفراد عائلاتهم، ومع انتقال الثورة للعمل المسلح انتقل النظام لاستهداف تجمعات المدنيين، وكذلك المشافي والمدارس والبنى التحتية، ومن ثم استخدم الحصار واستشهد العديد منهم بسبب الجوع ونقص الأدوية والرعاية الصحية، من المؤكد أن أسباب تراجع الثورة السورية كثيرة من تخلي ما يسمى بـ “أصدقاء سورية” عن الثورة، والارتهان للخارج، وصولاً إلى الاقتتال والتناحر الداخلي بين الفصائل، وغيرها من الأسباب. 
ولكن يبقى ملف المدنيين هو الأصعب والذي ضحت الفصائل من أجله بالكثير من المواقف والأماكن، بعد عجزها عن حماية المدنيين، وتوفير أدنى مقومات الحياة الكريمة لهم.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*