درعا.. هل كان بالإمكان أكثر مما كان؟

خاص زيتون 
مع تسلم قوات النظام لمعبر نصيب الحدودي بين سوريا والأردن، ومع توارد أنباء عن بداية التفاوض بين مدن وبلدات ريف درعا الغربي مع الجانب الروسي، بعد اتفاق الأيام السابقة الذي تم التوصل إليه في الريف الشرقي، والذي يقضي بتسليم السلاح الثقيل وانتشار الشرطة العسكرية الروسية في المدن والبلدات مع عودة الأهالي لمدنهم وتسليم الفصائل لمواقعها على طول الحدود الأردنية لقوات النظام السوري، ينكسر عمود الثورة بشكل حاد وتتراجع لتضيق بأهلها في منطقة صغيرة بالشمال السوري.

ولأن الألم هو المعلم الأول للإنسان، يدفعنا الوجع في هزيمتنا لنراجع أخطاءنا التي أوصلتنا إلى هذا المستوى الذي لم يكن يتوقعه حتى أشد المتشائمين، ويفرض على الجميع أن يقفوا ليضعوا اليد على الجرح مهما كلفت هذه المراجعة من ثمن، فلا هزيمة أشد من ألا نعرف أسباب الهزيمة.

كيف دخلت القاعدة وكيف تأسلمت الثورة؟
قلة من مناصري الثورة هم من رفضوا دخول القاعدة على خط الثورة ومشاركتها لمعارك الثوار، إذ كان الهدف ضرب النظام بكل شيء حتى بالشيطان نفسه، ومن هنا تم تجاهل أو حتى التسهيل لدخولها وافساح المجال لها من قبل الذين كانوا قادرين على منع تواجدها، ولا سيما فصائل الجيش الحر، الذين سُحروا بالخبرات القتالية وتقنيات التفخيخ وتصنيع المتفجرات، إلى جانب الشجاعة والجرأة التي يتمتع بها عناصر القاعدة القادمين من خارج الحدود.

بالمقابل كان الصوت الواعي الذي حذر من هذا التواجد ضعيفا ومنبوذاً، بل تم قمعه كما تم قمع مفردات ذات ارتباط وعلاقة بأهداف الثورة الأولى من الديمقراطية والمدنية والحرية، لتستبدل بمفردات غريبة كالجهاد وبلاد الشام واللكنة الخليجية في الخطابة.
واتسمت أسماء الكتائب من أسماء المدن والبلدات والشهداء إلى أسماء ذات صبغة دينية وإسلامية، ارتبط معظمها بمفردة الشام والإسلام، تأكيدا على أن التوجه الجديد قد تأثر بالمد الجهادي الذي جلبه عناصر القاعدة معهم.

كل هذا كان بضغط المال الخليجي، الذي جلب معه الأسلمة والتطرف، ولتنتشر مظاهر حف الشوارب وإطلاق اللحى وتقصير الثوب، ثم ليتم أدلجة عناصر الجيش الحر في بعض المناطق بشكل ممنهج تحت نظر قياداتهم بدروس شبه يومية يلقيها عليهم عناصر لها ارتباط بالقاعدة، ومن هنا بدأ السلاح افتراقه عن الثورة، إذ أفرزت الأسلمة شقاقاً كبيراً ما بين الثورة البكر بأهدافها الواضحة والبسيطة وبين أسلمة مستورة غريبة.

إلى جانب المال الخليجي ساعد الجانب التركي بغض النظر عن دخول المتطرفين من كل مكان إلى سوريا، بالإضافة للأردن والعراق ولبنان، والتي كان لكل منها دوره، وبعيداً عن غايات الأطراف المساعدة، إلا أن الخاسر الأكبر كان الثورة في هذا الدخول، الذي تبعه إنجازات ملحوظة في البداية لإثبات الجدارة والوجود من قبل الجهاديين، ثم ليتحول إلى كارثة حقيقية تحيق بالثورة والثوار والأهالي على حد سواء.

كانت المناطق المحررة طيعة في تنفيذ ما يروجه النظام، إذ كانت تنفي صفة التطرف عنها بينما يرتع مقاتلي القاعدة فيها، كما تم تحقير العمل المدني وتمجيد السلاح، والنظر إليه على أنه المخلص، فيما معارك شردت من أهالي الثورة وأتعبتهم أكثر مما خسر بها النظام.

وفر التطرف الذي شوه الثورة دولياً الحجة للمجتمع الدولي للتقاعس أكثر عن مساندة الثورة، ما جعل الثورة يتيمة بالمطلق، إلا من مساعد مشترط وصاحب قرار، ما حول الثوار إلى موظفين عند الدول الداعمة القليلة، وخلوهم من الإيمان بمعاركهم التي لم تعد ذات هدف واضح، يتخللها هجوم وانسحاب غير مفهوم، وتخبط في صراعات فصائلية أهدرت طاقات المقاتلين السوريين المخلصين.

خروج النشطاء 
كما تسبب التطرف إلى خروج النشطاء والثوار الأوائل، والذين كانوا من أشد معارضي المجموعات الإسلامية المتطرفة، وكان لهذا الخروج أثراً انعكس خلال السنوات اللاحقة في إفراغ الساحة من الجانب المدني الواعي لصالح الجانب الجهادي المدمِّر، ليتم صبغ المدن بسواد النصرة وداعش، ولتذوي فصائل الجيش الحر بمداهنات لهما، وبتبعية مذلة، حرصاً على وجودها الشكلي واستمراراً لمصالح شخصية ضيقة.

بالمقابل رفضت مناطق أخرى أي تواجد لداعش فيها، وقبلت بعناصر النصرة من أبنائها دون الغرباء على مضض، فأنهت الغوطة الشرقية أي تواجد حتى لخلايا داعش، وحاربت القلمون داعش بالإضافة لحروبها مع قوات النظام وميليشيا حزب الله اللبناني التي تسيطر على المنطقة، والتي كثيراً ما اتفقت مع داعش للضغط على الثوار، كما هو الحال أيضاً في درعا، والتي تمكنت من حصر داعش في بداية الأمر ضمن منطقة اللجاة، قبل أن يتمدد إلى منطقة حوض اليرموك، وبقيت تقاتله حتى هذه الأيام.

كما رفض أهالي درعا وجود مقرات للنصرة ضمن مدنهم وبلداتها، وأخرجوها إلى السهول والجبال بمجرد تصنيفها على لائحة الإرهاب، لتجري على إثرها اتفاقاً مع النظام، تخرج فيه قياداتها الأجنبية والمئات من عناصرها إلى الشمال السوري في كانون الثاني 2016، ليصبح أكثر من 90% من مقاتلي الجنوب من عناصر الجيش السوري الحر، وكذلك الحال في حمص.

تبعية الفصائل
فصائل الجيش السوري الحر التي حافظت على اعتدالها، لم تمتلك قرارها، ولم تحافظ على أهدافها، باستثناء قلة قليلة تعرضت للكثير من الضغوطات والمساومات، فرضخت وحصلت على دعم مستقل، أو اندمجت ضمن تشكيل جديد، أو صمدت فظلت دون دعم تحارب كل يوم بسلاح، منها من استطاعوا إنهاءها، ومنها من اغتيلت قياداتها، ولكن الأمر لا يخلو من بقاء بعضها حتى الآن بعناصرها محافظة على الأهداف التي خرجت لأجلها.

في الجنوب “الموك”، وفي الشمال “الموم”، وفي الاثنتين كانت فصائل الحر التي تتمرد، أو تقوم بخطوة دون انتظار الأوامر تلقى عقابها، من تشهير وتخوين واتهامات إلى حل كامل أو جزئي لها، مروراً بإعادتها خطوات مضاعفة للوراء جراء محاولتها التقدم بخطوة للأمام، وكثيراً ما أعيدت مناطق بسبب محاولة فصيل أو مجموعة فصائل للسيطرة على نقطة استراتيجية، وكثيراً ما أقدموا على إطلاق معارك وهمية لساعات أو أيام، بغض النظر عن إدراكهم منذ البداية بأنها وهمية، لكن الأهالي باتوا في هذه الناحية أكثر خبرة ووعياً في هذه النقطة، دون أن تتعلم أو تتحرك فصائل المعارضة.
أما داعش فكانت في كثير من المناطق بالمرصاد لفصائل المعارضة، والتي كلما بدأت معركة ضد قوات النظام، باغتتها من الخلف وكانت الخنجر في ظهرها، لتقع الفصائل ما بين نيران داعش والنظام، فأصبحت الشماعة التي يعلق الجميع عليها فشله، ولتتحول إلى هدف أولى للفصائل التخلص منه قبل التوجه للنظام، بحجة حماية ظهورها، ولكن الحقيقة كانت الأوامر هي من حولتها إلى هدف، واستنزفت الآلاف من الشباب السوري من الشمال إلى الجنوب والشرق والغرب.

التدخل الروسي
لم يمنع ذلك كله من أن تبقَ فصائل الجيش الحر مقبولة لدى الأهالي، والمخلص الوحيد بالنسبة لهم، وحتى على الساحة العامة، وعلى الرغم من كافة عيوبها، والتي من بينها قلة الخبرة العسكرية أو حتى انعدامها في بعض الأحيان، ووضع الرجل غير المناسب في المكان المناسب لغيره، إلا أن عناصرها كان هدف معظمهم واحد، وأثبتوا بسالة واستماتةً بشهادة العالم أجمع في سبيل تحقيق هدفهم، إلى أن جاء الاحتلال الروسي إلى سوريا، وبدأ ينكل بأهلها أضعافاً مضاعفة عما تمكن النظام بإجرامه من فعله.
ولم يكتفِ الروسي بمد النظام بمختلف أنواع الأسلحة المتطورة، ولا بجعل المدن والبلدات السورية حقول تجارب لأسلحته الجديدة، ولا حتى بدعم النظام في المحافل الدولية، والتغطية على جرائمه، وتزييف الحقائق وتشويهها، وتضليل ليس الرأي العام العالمي لأنه يعرف الحقيقة ويتجاهلها ويمضي بما يصب في مصلحته دون الاكتراث بها، ولكن لدى الشعوب التي تشاهد وتراقب وتبحث عن الواقع الحقيقي.

وفضلاً عن ذلك، استعاد العدو الروسي مكانه كقطب ثانٍ في العالم رغماً عن العالم كله أو برضاه ربما، وبحنكته وخبثه وإجرامه تلاعب بالدول قبل أن يتلاعب بفصائل الجيش الحر والقوى المسيطرة على الأرض، وابتدع مؤتمرات واتفاقيات، أوهم تلك القوى بأنها خلاص السوريين، وكان الضامن فيها، والناكث الأول ببنودها، وتمكن من الاستفراد بموجبها من المناطق التي كان من المفترض أن يكون الحامي لها، وباستخدام كافة الضغوطات على الدول والقوى الثورية في سوريا، أعاد للنظام المنطقة تلو الأخرى، ليكون اليوم دور درعا، وقبله الغوطة وريف حمص والقلمون وجنوب دمشق وغيرها، وغداً إدلب، ولتنتهِ الثورة السورية عند هذا الحد، بعد نحو 8 أعوام من العفوية والإصرار والعزيمة في سنواتها الأولى، والتخبط والرضوخ في عاميها الأخيرين، ولكن دون أن يتوقف الموت السوري الفوري والبطيء، بالأسلحة أو بالقهر الذي ملأ نفوس السوريين.

ثورة بلا قيادة 
كما يرى الكثيرون أن غياب القيادة الموحدة سواء العسكرية أو السياسية أحد أبرز أخطاء الثورة، التي لم تتوقف يوماً عن جلد ذاتها، والوقوف بالمرصاد لكل شخصية تنال قسطاً من الظهور، وليصبح التخوين ميزة النشطاء والثوار والمقاتلين، دون مراعاة لمزايا وحدة القرار وسلبيات التشرذم والصراع، على عكس ما مارسه العدو من تمسك بوحدة قيادتهم والإصرار على الالتفاف حولها.

وجميع ما ينطبق على الفصائل، ينطبق أيضاً على السياسيين والمعارضة السياسية، والتي كانت خجولة ومتواضعة إلى حدّ ما، ولم تتمكن من انتزاع شرعيتها بالقدر الكافي من السوريين الذين منحوا ثقتهم لكل قيادة جديدة أملاً في أن تكون أفضل من سابقتها، غير أن تخبطها هي الأخرى، وتشرذمها بين الدول التي تدعمها، كان أحد الأسباب في فشلها.
وليس من باب التخوين، ولا من باب الجلد والطعن بالفريسة، وإنما محاولة لاستكشاف أخطائنا، نعم هي أخطاؤنا جميعاً، فالجميع قصّر وكل منا كان يترتب عليه واجبات.

تترك درعا اليوم لتنهشها أنياب العدو، فيما تزال النصرة وغيرها على عاداتهم القديمة في شن معارك وهمية وخلبية لإضفاء الشرعية لهم، وترويعاً للأهالي في البلدات القريبة من الجبهات كما يحدث الآن في ريف حماة الشمالي، في طريق يبدو فيه أن التعلم من تجارب الماضي أمراً مستبعداً، في حين يجب أن يسارع الجميع لاستبعاد السبب الأول في ضعف الثورة، وذلك بإزالة التنظيمات الجهادية من المناطق المحررة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*