تداعي أفكار

زيتون – سحر الأحمد 
ذات ذكورة قال: أنا خلطة اجتهدت عليها سنين عمري حتى صرت ما أنا عليه.. متعب من أناي، محبوس بوهمي الكبير، أُحسني مبعثراً بمكوناتي، أي ضياع أصاب إنجازي؟ قالها واختفى.
حائرة هي بأي توقيت وزمان تفسخ نزفها، أحين يناديها صوته الغائب فتصحو؟ أم عندما توهم نفسها بمناسبة لتحتفل مع الليل بالغائب الحاضر فتضرجه حباً وعتاباً وآهات؟ أم لأنها ذات هيام غير معلن توجته بتاج الإمارة وأوصته بمزروعات قلبها خيراً فخذلها؟.
تنظر من خلف زجاج القطار، تمر على خيالات وجعها، فيتكاثر أحياناً، ويتقزم أحياناً، ومرة يتحول لزوبعة وغيم ومطر.
كانت تلتقي به كثيراً عند صديقتها، والتي أصبحت صديقة مشتركة بل أكثر من ذلك، بسهرة من السهرات سحب منديلاً ورقياً وكتب لها ما تيسر من نثر الروح، وهي الممتلئة بالرومنسية المخنوقة.
قرأها بدهاء وعرف كيف يكتبها ويهديها ذاتها.
ملأت فرحتها الدنيا حتى أن كل من عرفها في الماضي مسه فرحها، إذاً كان لا بد في بلاد العرب أن يعلن حبهما حباً شرعياً.. وكان.

في بلادها ولدت من رحم الاستبداد ثورة شعبية تطالب بالإنسانية، هي إحدى الكثيرات المؤمنات بها، فانخرطت بالواجب الوطني بشكل سري، لكن حدث المتوقع، اعتقلوها مناهضي الثورة وجرموها بأحكام ترقى لمجرمي الحرب، أودعت في مكان لا تتعدى مساحته المترين.

كانت تناديه، تتحدث إلى روحه أياماً طوال لإيمانها أنه يملك شيئاً من يقين العدل فتبقى الصابرة القوية.
مرت عليها أياماً وليالٍ على هذا الحال، حتى ألفت الجدران المطلية بالسواد، وباب الحديد السميك الطويل، حتى رائحة بلاط زنزانتها العفنة تصادقت معها، كانت تستحضره بأفكارها فيكبر قبرها ويكبر، وتتلون الجدران وتتجسد الحياة. 
حين فقدها تواصل مع أهلها الذين دخلوا دائرة الجحيم واستماتوا كي يعرفوا لها سبيلا، ما كان منه لأهلها سوى جملة: “إذا كان وجودي معكم ذا نفع فسأكون.. لكني أعرف أنني لا أقدم ولا أؤخر”.
بعد مفاوضات وتبادلات يصدر أمر الإفراج عنها، لتخرج من قبرها الصغير لقبرها الكبير، فرحتها بالعودة إليه تضاهي فرحتها بالعودة إلى الحياة، ليقينها بأنه سيتكفل بترميم ما تهدم منها في منفاها، لكن صدمتها به كانت مقتل. 
نتوارى عن الحقيقة التي نعرفها وتعرفنا، نهرب منها كطفل كسر مزهرية الكريستال التي تحبها أمه وينتظر العقاب. 
من منا لم يمسِ على قارعة صدفة بذلك المدعو حباً؟، نفرح بالقادم بلا موعد أو قرار، نلهو معه، نلهث معه، وننسى أننا يوماً ستكون لنا معه محطة أخيرة، الحقيقة التي هي المنبع والمصب وما كنا سوى مجرى. 
بعد مكابرات استسلمت لمرضها به، قالت: “أنا مريضة.. !، فليكن حتى المرض يكون حالة صحية أحياناً”. 
خافت أن يأخذ أطباء الروح فيه قراراً بأن تشفى منه، دافعت عن مرضها به حتى الشروق الأخير، وكل مرة تراه فيها يكون الشروق الأخير.
من بعيد تمتمت عرّافة: “أفي الألم تتلذذون؟”، ثم تابعت: “نعم أجمله ما يوجع”.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*