الشهداء تحت التعذيب.. خلجات موثق

زيتون – ياسمين محمد
ترى كيف استشهد؟، وكم من الضرب والتعذيب تعرض؟، هل صمد طويلاً أم فارق الحياة سريعاً؟، وكم من المعتقلين استشهدوا ولم يوثقوا؟، وكم عدد من ينتظر دوره منهم؟.
ترى هل أصيب بنوبة قلبية من شدة الخوف؟، أم بانخفاض في السكر أو الضغط من شدة الجوع والارهاق من الوقوف أو الشبح؟، هل توفي جراء صعقة كهربائية، أم جرعة زائدة من المخدرات التي أجبروه على إدمانها دون أن يكون له يد أو علم بها في البداية؟، ربما أصيب بنوبة صدرية حادة أو اختناق، ولم يجد من يفتح له “طاقة” للتنفس مساحتها بضعة سنتيمترات.
هل أحرقوه في سجن صيدنايا؟، أم فعلوا به كما فعلوا بحمزة الخطيب؟، أم بمرض الطاعون في الفرع 215 في الزنزانة رقم 8؟، أم.. أم..؟، هل دفنوه؟، وأين دُفن؟، في مقبرة جماعية؟، في مقابر الفرقة الثالثة في القطيفة؟، أم مقابر الفرع 2015؟، ربما تركوه في الزنزانة بين زملائه حتى تفسخت جثته، أو رموه في ممرات الأفرع الأمنية كي يكون عبرة لغيره، أو رموه في العراء تنهشه الكلاب.
كيف ستتلقى عائلته الخبر؟، ربما تفقد الأمل بعودته، وقد تبقى تتعلق ببصيصٍ تعتمد فيه على أحساس مخادع، أو تُمنّي نفسها، وترفض الاعتراف برحيله إلى الأبد، ربما تواصل زوجته أو والدته محادثتها له كل ليلة قبل النوم، وتسرد له تفاصيل يومها، بينما يدعو ابنه له بالسلامة والعودة سريعا كي يخرجا في نزهة معاً أو يمارسا رياضةً ما سويةً، وقد يندم والده أنه لم يزوجه ويرى أطفاله قبل اعتقاله، ويكون له نسل على شجرة العائلة، ويستمر ذكره بعد رحيله.
وهي.. هل ماتت أثناء ولادتها من سجّان لا تعرف من هو من بينهم؟، أم بسبب نزيف من تناوب السجانين على اغتصابها؟، ربما ماتت قهراً من ذلك الوضع.
أسئلة كثيرة تجول في ذهنك وأنت توثق أسماء الشهداء الذين قضوا تحت التعذيب في سجون ذلك الإرهابي، جميعها ناتجة عن مخزونك المتراكم من عملك في المجال الحقوقي، ولقاءاتك ببعض المعتقلين والمعتقلات الناجين من سجون النظام، والذين لا تنسى قصصهم وتفاصيل اعتقالهم ما حييت.


الكثيرون ممن نجوا من سجون الأسد قالوا بأنهم كانوا ينتظرون الموت على أحر من الجمر، ويفضلونه على البقاء ساعة على قيد الحياة في تلك الزنزانات وبين أيدي هؤلاء المجرمين، الذين أوجدت السجون أساساً لعقابهم لا ليصبحوا أمراءها وآمريها، الكثيرون ممن نجوا رأوا في الموت رحمة وخلاصاً لهم منها، فهل فعلاً استحق من استشهد تحت التعذيب تلك الرحمة؟، وهل هي حقاً كذلك؟، وكيف هي حال من ينتظرهم ويعدُّ الأيام والساعات وربما الدقائق لحين عودتهم له؟.
لا بد لك وأن تتخيل وأنت تسجل تلك الأسماء، لو أن النظام اعتقلك، ماذا كان سيفعل بك، ولا بد أن تتخيل كل حبيب لك أو قريب مكان هذا الشهيد، الذي لم تكن تعرف اسمه من قبل، وأصبح الآن يعني لك الكثير، والمؤكد أيضاً أن لك معتقلاً في سجون الأسد إن لم يكن معتقلين، فلكل سوري اليوم معتقل قريب.
تناقل الناجون من الاعتقال قصصا تبدو كأنها قصصا للرعب، عن مكان مظلم قاس يملؤه القيح والدم والإجرام، وجلادون لم يعد لهم ملامح بشرية، لهم وجوه جامدة، وعيون لا تضحك إلى حين ترى الموت أمامها، حتى بات الاعتقال هو الكابوس الذي يلاحق السوريين في نومهم، حتى بعد أن أصبحوا خارج حدود بلدهم.
واليوم، ومع ما جرى مؤخراً من صفقة إطلاق سراح 1500 معتقلاً لقاء إجلاء أهالي الفوعة وكفريا، وبينما كان الكثيرون من ذوي المعتقلين يأملون بخروج أبنائهم، تنتظر أنت الممتلئ بالأسماء، أن ترى فرحة هؤلاء الأهالي المتعبين بلقاء أبنائهم، لكي تتبدل الصورة قليلاً لديك، إلا أنك بقليل من التفكير ستعود لحالتك الطبيعية سريعاً، لتفكر هل سيجد هؤلاء الخارجين عائلاتهم، وكم من الأسماء سيحملون معهم ممن قضوا في زنازينهم، فيما يبدد النظام عليك وعلى المنتظرين كل أمل، ويطلق سراح مئة ربما من المعتقلين القدامى، في حين تكون البقية ممن لم يمضِ على اعتقالهم سوى أشهر.
نعم.. هم أيضاً معتقلون، ولهم الحق بالعودة سريعاً لعائلاتهم، ولئلا يكونوا كسابقيهم، ولكن هل كُتب على المعتقلين القدامى أن يبقوا مدى الحياة؟، وإن كان المفرج عنهم لم يلتقوا بالمعتقلين القدامى نتيجة لحداثة سجنهم، وهو ما يتعمده النظام قبل كل صفقة، فكيف ستصل أنباء القدامى إلى ذويهم؟.
على الجهة المقابلة، كعادته في تهربه من المسؤولية عن جرائمه، واستمراراً بارتكابها بأشكال متعددة، ومحاولة منه لإغلاق ملف المعتقلين في سجونه، وبتخطيط وأمر من آمره الروسي، يسلم النظام أسماء آلاف المعتقلين لدوائر السجل المدني في محافظات عدة، قضوا تحت إجرامه وإرهابه، ليقوموا بالاتصال بذويهم وإبلاغهم بوفاة أبنائهم على أنها وفاة طبيعية.


لا تحزنوا يا إخوتي، لقد كنتم وقوداً، وأصبحتم أرقاماً، لا أحد يعلم عددكم، ولا أحد يعلم من منكم ما يزال على قيد الحياة ومن فارقها، يذكرونكم متى شاؤوا، ويتجاهلونكم متى شاؤوا، في بداية الأمر كنتم ذريعتهم في الاتفاقيات، التي أوهموا بها البعض أنهم وقعوها لأجلكم، كي تعودوا إلى منازلكم وعائلاتكم، وبات المتذاكي فيهم هو من يرفع الرقم أكثر.
وعلى الرغم من كشفهم لحقيقة الكذبة، أو مراوغة النظام ووسائله، ولا فرق بين الاثنتين، إلا أنهم استمروا بكذبتهم، وبقيتم ذريعتهم، وبقي أهلوكم والبعض من البسطاء منا، كالغريق الذي يتعلق بقشة، ويمضي على مضض مع هؤلاء المبرمين للاتفاقيات، أملاً بعودتكم.
أما اليوم وقد سُلّمت مناطق بلدكم، فقد انتهت كذبتهم، ونفذت اتفاقياتهم، ولم يعد لهم بكم أو بذكركم حاجة، وانتهى كل شيء وانتهيتم معه.
شاهد الجميع صوركم، وآثار التعذيب على أجسادكم، وتسابق جلادوكم بالتفاخر والإمعان في تعذيبكم على مرأى الجميع، وبقيتم مجرد ملف يطرح، ولكنه غير قابل للنقاش أبداً، كما بقيتم مجرد لوحة تجمع كل يوم عدداً أكبر من الصور، تعرض بين حين وآخر في معرض أو ملتقى أو محفل، شاهد الجميع صوركم لكن لم تحرك ساكنا.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*