الوجود التركي .. سلطة انتداب أم مطلب شعبي؟

زيتون – تيسير محمد
“الدول الضامنة، خفض التصعيد، تخفيف التصعيد، تخفيف التوتر”، مصطلحات جديدة اقترنت بمجريات الثورة السورية منذ انطلاق مؤتمرات “الأستانة” للحوار السوري كما يُدعى، حيث تم تقسيم الأدوار بين الضامنين الثلاثة “روسيا وإيران وتركيا”، إلى جانب تقاسم المصالح والنفوذ كل حسب مصلحته.


إنها ثورة المستحيلات فيها كل شيء مختلف، فلا قانون أرضي ولا سماوي يحكمها، فترى القاتل يصبح ضامناً، والمحتل راعياً لمصالح الشعب، واللص قائداً ثورياً، كل شيء مختلف عما يجب أن يكون عليه. 
بعد سيطرة الجيش التركي بالتعاون مع فصائل من الجيش الحر على عدد من المدن في الشمال أصبحت الإدارة والكلمة المطلقة في هذه المناطق للجيش التركي، ولا سيما أنها أحد الضامنين في أستانة.
وعندما بدأت تركيا بالتخطيط لكل من عمليتي “درع الفرات وغصن الزيتون” طلبت من الفصائل الراغبة بالعمل معها تسجيل أسمائها وأعدادها وإمكانياتها وأخضعتها لدورات تدريبية، وبعدها نفذت بعض ما كانت تخطط له لحماية حدودها وأمنها القومي، وأصبحت هذه الفصائل مجرد أدوات لدى الحكومة التركية فهي من تدعمهم مالياً ولوجستياً.
ومن ضمن ما تقوم به تركيا كـ “ضامن” هو ضمان أن لا ترد الفصائل على مجازر واعتداءات نظام الأسد وحلفائه، وكان معظم من التحق من العناصر في صفوف هذه القوات، هم ممن يبحثون عن مصدرٍ للمال أو السلطة أو الاثنتين معاً، مبتعدين عن أهداف الثورة ومبادئها من حماية المدنيين وإسقاط النظام وغير ذلك، مكتفين بالرضى التركي، فيما يرى من تبقى منهم أن تركيا هي الأم الحنون التي ستساعدهم في تحرير وطنهم وتقف إلى جانبهم حتى تحقيق ذلك.
لا شك أن تركيا رغم كل ذلك هي أكثر من ساعد السوريين واحتضنهم ودافع عنهم، ولكن المؤكد أيضاً أن مصلحتها كدولة لها الأولوية المطلقة فيما تبرمه وتقوم به فيما يتعلق بسورية، وليت من يتبعها يتعلم منها أن يضع مصلحة بلده وشعبه في مقدمة قراراته، ولكن المؤسف أن ما يحصل عكس ذلك، فهذه الفصائل التي تتواجد في المناطق التي تحت سلطة الأتراك ما تزال ترى في المواطنين السوريين المتواجدين تحت سيطرتها فرصة لإثبات السلطة وجمع الغنائم، ولم يسلم هذا الشعب من التجاوزات التي قاربت انتهاكات النظام، ما دفعهم لحد الاقتتال والاحتراب الداخلي الذي أوصل الثورة إلى ما وصلت إليه، ولا يوقفهم إلا قرار التركي بوقف الاقتتال كما جرى مؤخرا في الحرب ما بين هيئة تحرير الشام وجبهة تحرير سورية. 
فما أن يحضر المندوب السامي التركي حتى تأخذ هذه الفصائل المسترجلة على بعضها وعلى شعبها وضع المزهرية، متسابقة إلى إطاعة الأوامر، ما دفع الأهالي إلى التطلع للوجود التركي.


“حسن الحسن” من سكان مناطق درع الفرات قال لزيتون: “لا أؤمن بكلمة ضامن، فهو بداية يقوم بما تمليه عليه مصلحته، والتي قد تتوافق أحياناً مع مصلحة الثوار كما الحال مع تركيا، لكن الفرق شاسع ما بين تركيا كضامن، وروسيا التي تسمى ضامناً أيضاً بينما هي عدو ومحتل”، مضيفاً:
“لا نستطيع أن نقول أن الوجود التركي في الشمال احتلالاً، إنما يشبه تماماً سلطة الانتداب، ولكن وجوده في هذه الفترة ضروري جداً لأن انسحابه الآن سيترك فراغاً كبيراً سياسياً وأمنياً وعسكرياً ريثما يتهيأ توفر البديل محلياً الذي يكون بإمكانه حماية المدنيين”.
بينما قال أحد أهالي ريف حلب “لؤي المحمد” لزيتون:

“لم نكن نسمع بكلمة ضامن من قبل، وهي جديدة نسبيا، وعند سماعي لهذا المصطلح يخطر في بالي الضامن الروسي، وكيف يطلق عليه مثل هذا الوصف وهو أبعد ما يكون عنه، أما بالنسبة للضامن التركي فقد تعدى هذا الوصف، وبات يمارس دور الوصي على الشعب السوري ضمن المناطق الخاضعة لسيطرته، بينما في الواقع ما يشغله هو حفظ الأمن القومي لتركيا وضمان مصالحها في الدرجة الأولى”.

وأضاف “المحمد”: “ومع ذلك أنا لا أؤيد خروج تركيا من المعادلة في المرحلة الراهنة بسبب عدم قدرة الجيش الحر والمجالس المحلية والمدنية وباقي الهيئات الثورية على إدارة هذه المناطق وضبط الأمن، لكن لا بد من خروجه في مرحلة لاحقة عندما تصبح لدى والفصائل الثورية المناسبة امكانية إدارة هذه المناطق، ولا يمكن القول أن تركيا تحتل هذه المناطق لأنها دخلت بتفاهم وتعاون مع الفصائل المشاركة بعملية درع الفرات وغصن الزيتون”.
لا يخفى على الأتراك حجم التجاوزات والانتهاكات التي تقوم بها الفصائل المنضوية تحت سلطتها، سواء تجاه الأهالي أو تجاه بعضها البعض، لكنها تتدخل فقط عند تفاقم الأمر فتقوم بحل الأمر دون اتخاذ أي إجراء يحول دون تكرار الأمر مرة أخرى، ليبقى وجودها كوصي يمتلك قدرة الحل والعقد ضرورة مُلحة لدى الكثيرين الذين يفضلون أن يعيشوا بأمان واستقرار على أي شيء آخر حتى لو على حساب استقلالهم، وهكذا تحافظ تركيا على وجودها بشكل “شرعي” وبمطلب “شعبي”.
وفي ظل تقدم قوات النظام باتجاه المحافظة، والتهديدات التي أطلقها النظام والروس، ولا سيما بعد سيطرته على أكثر من 90 بالمئة من محافظتي درعا والقنيطرة جنوباً، وبقاء إدلب المنطقة الوحيدة المحررة في سوريا، ووجود الملايين من السكان والمهجرين على أراضيها، دفع الأهالي لتعليق آمالهم على تركيا لمنع النظام وروسيا من الهجوم على إدلب وريف حلب، بحكم أنها ضامن، وبحكم سعيها لضمان أمنها القومي والداخلي، كما دفع الأهالي للقبول بوجودها حتى ولو كسلطة انتداب على سيطرة النظام على المنطقة ووصوله إليهم.
كما يستند الأهالي والناشطين في تعويلهم على الجانب التركي على ما انتشر من تسريبات حول الورقة البيضاء التي تقدمت بها تركيا لروسيا، والتي تتضمن نزع السلاح الثقيل وتشكيل جيش وطني يضم كافة الفصائل العسكرية في الشمال، وفتح أوتوستراد “حلب- دمشق”، وذلك في محاولةٍ منها لتبديد أية ذريعة لتقدم النظام وروسيا باتجاه إدلب، بحسب “الشرق الأوسط”.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*