نعمة أم نقمة؟.. تهجير ميليشيات كفريا والفوعة

زيتون – تيسير المحمد
توصلت الفصائل المُحاصرة لبلدتي كفريا والفوعة قبل أيام إلى اتفاق مع الإيرانيين، أفضى إلى إخراج الميليشيات المتواجدة في البلدتين إلى مناطق سيطرة نظام الأسد.
وبعد تطبيق الاتفاق، تعالت الأصوات وكثرت التعليقات والتكهنات حول سبب رغبة النظام وحلفائه بإخراج الميليشيات من البلدتين، بين متفائل بإخراجهم وآخر متشائم، ولكلٍ من الفريقين أسبابه ومبرراته.
ويأتي ذلك بعد أن أنهى نظام الأسد وحلفائه سيطرتهم على مواقع المعارضة في الجنوب السوري وبالتالي أصبحت مناطق الشمال المعقل الرئيسي والوحيد للمعارضة، فقد بدأ النظام والدول المساندة له منذ عام 2015، بتهجير العديد من المناطق بشكل كلي كالزبداني وداريا، أو جزئي كالغوطة الشرقية والقلمون ودرعا وغيرها.
بينما كان تهجير أهالي كفريا والفوعة مع الميليشيات المتواجدة فيهما الحدث الأول من نوعه بالنسبة لفصائل المعارضة، إذ لم تمارس الفصائل أي ضغوطات أو تفرض على أهالي أي منطقة للخروج منها بالإكراه، وحتى في حالة الفوعة وكفريا لم يكن خروج سكانهما، برغبة من الفصائل أو بطلب منها، ولم تكن هي من فرضت عليهم الخروج، وإنما النظام وحلفائه، بالإضافة إلى أن العدد الأكبر من سكان البلدتين كان من المقاتلين المنضوين ضمن الميليشيات المساندة للنظام، مع عائلاتهم وعدد قليل من المدنيين، ومن هنا لا يمكن القول بأن فصائل المعارضة قد ساهمت بعمليات التهجير القسري كنظام الأسد وحلفائه.
“نور الدين عواد” من سكان ريف إدلب قال لزيتون إنه تفاجأ كيف تمت عملية التهجير بين ليلة وضحاها دون مقدمات، وكأن الأمر مخطط له من قبل ولكن على مستوى دولي، فحتى أهالي البلدتين عبروا على صفحاتهم الشخصية والإعلامية عن استغرابهم، وبقي بعضهم حتى وقت متأخر ينفي صحة الأخبار، مما يدل على تفاهمات حصلت على بقاء إدلب بيد المعارضة، على حدّ تعبيره، مضيفاً:
“بالنظر إلى التصريحات التركية وتحذيرها لنظام الأسد من القيام بعمل عسكري على هذه المناطق، وتعزيزها لنقاط المراقبة المنتشرة في المحافظة، وربطها بإخراج الميليشيات من كفريا والفوعة، نعلم أن الأمر بات شبه محتوم ببقاء هذه المناطق تحت سلطة المعارضة بوصاية الحكومة التركية إلى حين التوصل لحل سياسي شامل للقضية السورية، ولو كان هناك نية لهجوم على إدلب لكان نظام الأسد اتخذهم ذريعة وأبقاهم في بلداتهم، وجاء لتحريرهم كما وعدهم هو وحزب الله وقائده”.
أما الناشط “عمر الحاج” فكان رأيه مختلفاً كلياً، إذ قال لزيتون: “إن إخراج البلدتين المحاصرتين من قبل فصائل المعارضة يسقط ورقة الضغط التي كانت بأيديها في حال فكر نظام الأسد وحلفائه بمهاجمة الثوار، وبالتالي فإن المؤشرات تدل على أن هناك معركة قادمة ومجازر سترتكب، وعلى الجميع الاستعداد لها بعيداً عن التحليلات الجوفاء، فالتجارب التي مررنا بها سابقاً خير مثال على ما هو قادم”، مضيفاً: 
“أما بالنسبة للتصريحات التركية فهي عبارة عن إبر تخدير لا أكثر، وأكبر دليل هو تصريحاتها السابقة وخطوطها الحمراء في حلب وحماة، وكلنا يعلم ما حصل في كلا المدينتين، واليوم ذات الخطوط والتحذيرات في إدلب، بالإضافة إلى ما حدث في الجنوب، وقد رأينا كيف تخلت أقوى دولة في العالم عن تعهداتها، وتركت الجنوب وأهله وفصائله لمصيرهم بعد أن هددت وتوعدت، وباعتهم نهاية الأمر في سوق النخاسة الدولية”.

تقسيم إلى قطاعات.. وخيبة أمل للمهجرين 
للوهلة الأولى نظر المهجرون بشكل عام من مختلف المناطق السورية إلى إدلب، والمهجرون مؤخراً بشكل خاص، إلى تهجير أهالي الفوعة وكفريا وميليشياتهما نظرة إيجابية، حيث عقدوا آمالهم عليها في توفر مساحات جديدة ومنازل للسكن، إلا أن آمالهم خابت بعد أن تبين أن هناك اتفاقيات بين الفصائل المشاركة في عملية التهجير.
إذ أفاد مصدر مطلع لزيتون رفض ذكر اسمه، بأن الفصائل اتفقت فيما بينها على تقاسم بلدتي الفوعة وكفريا فيما بينها، وتقسيمهما إلى مناطق نفوذ لكل فصيل، فيما يبدد أي أمل للمهجرين في تأمين سكن لهم، باستثناء عناصر هذه الفصائل المهجرين، والمقربين منها.
وكانت غرفة عمليات “كفريا والفوعة” قد أعلنت في بيان صدر عنها في 18 تموز الجاري، منطقتي الفوعة وكفريا منطقتين عسكريتين يمنع دخول المدنيين والعسكريين من غير أصحاب الشأن إليها، وذلك بغية نزع الألغام منها، والتأكد من صلاحية المنطقتين للسكن، بحسب البيان، والذي أضاف: “كما يمنع فتح أي مقر عسكري لأي فصيل في الوقت الراهن، وأولوية السكن في المنطقة بعد التمشيط والتأكد من الصلاحية ستكون للأخوة المهجرين والنازحين”.
وعلقت شبكة “شام” على البيان بأنه مخالف لما جرى في الواقع من تقاسم الفصائل المشكلة للغرفة العسكرية للنفوذ في البلدتين كـ “غنيمة” وفق تقسيمات إدارية كاملة، ونشرت الشبكة خريطة “مسربة” وفقاً لما أسمتها، تظهر هذه التقسيمات، موضحةً أنه كلاً من: “هيئة تحرير الشام، جبهة تحرير سوريا، جيش الأحرار، الجبهة الوطنية للتحرير، تجمع دمشق”، قد تقاسمت السيطرة على بلدة الفوعة، والتي قُسمت إلى 5 قطاعات انطلاقاً من مركز البلدة، في حين تقاسمت كلاً من: “هيئة تحرير الشام، الحزب الإسلامي التركستاني، فصيل الأوزبك”، قد تقاسمت السيطرة على بلدة كفريا، بالإضافة إلى فصيل حراس الدين الذي تنازل عن حصته البالغة 8% من مساحة البلدة، وفقاً لما نقلته “شام” عن مصادر من داخل غرفة عمليات كفريا والفوعة.
وستتم إدارة القطاعات في البلدتين من قبل كل فصيل بحسب الاتفاق الذي تم بين الفصائل، مع التأكيد على عدم تجاوز أي فصيل لقطاعه، أو التدخل بالقطاعات الأخرى، وعلى حق كل فصيل بتسكين من يشاء ضمن قطاعه، حسب ما نقلته شام عن المصدر، والذي أكد حرمان مقاتلي مقاتلي داريا والزبداني، الذين رابطوا لعدة أشهر على حدود البلدتين من أي حصة فيهما.


لا شك أن إخراج الميليشيات من البلدتين لاقى استحساناً لدى نسبة لا بأس بها من أهالي إدلب، ولا سيما لدى البلدات الملاصقة لها بعد أن عانت الأمَرين من وجودهم بسبب المعارك وعمليات القنص والقصف على المدنيين، كما خفف خروجهم العبء على المقاتلين، إذ كان عدد كبير منهم يرابط على حدود البلدتين، فضلاً عن الاطمئنان لعدم وجود عدو في وسط المناطق المحررة، قد يباغت فصائلها من الداخل ويشتت جهودها.
ولكن يبقى الترقب الحذر حال الكثيرين حيث لا ثقة بضامن، ولا بما يسمى أصدقاء سوريا، ولا بمجتمع دولي ولا بغيرهم، بعد أن تخلوا جميعهم عن الشعب السوري وتآمروا عليه. 
وبالمقابل تكاد تكون الثقة لدى الأهالي معدومةً بالفصائل، والتي ما زالت تتناحر وتقتتل فيما بينها، كما أنها لم تساند باقي مناطق المعارضة عندما كانت تتعرض للهجوم من قبل قوات النظام وحلفائها حتى وصلنا إلى هذا الحال. 
وإذا ما نظرنا لممثلي المعارضة في الخارج من الائتلاف أو الهيئة العليا للمفاوضات، فإن حالها لا يخفى على أحد، وهيَ غير قادرة على التأثير على مجريات الأحداث، ولا على مستقبل المناطق التي يسيطر عليها الثوار، ولا نبالغ إذا قلنا أنها لا تعلم بما يحدث في سراديب السياسة، بعد أن أضحت رهينة التجاذبات والتفاهمات الدولية.
أما المطلوب الآن فهو التعامل بواقعية مع ما حدث، والتشبيك والتنسيق مع الضامن التركي، والتعاون معه حتى النهاية، ولكن بالتوازي مع وضع كافة الاحتمالات في الحسبان، وعدم استبعاد قيام النظام وحلفائه بالهجوم على إدلب، وعمل ما يلزم من أجل ذلك، مبتعدين عن لغة التهويل وترهيب الأهالي.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*