مخيمات الشمال حلم البقاء وخشية المجهول

زيتون – أسامة الشامي
بخيام مؤقتة، تؤوي الفارين من صواريخ النظام، ريثما يدحر الثوار هذا النظام، أو توقفه الدول عن استهداف المدنيين العزل، بدأت القصة، كان لسان حالهم يقول “أيام أو شهر أو اثنين ثم نعود إلى منازلنا”، ولكن خابت توقعاتهم، وطال مسلسل معاناتهم، وهم ينتظرون السيناريو الذي رسمته تلك الدول، والإخراج.
المؤلفون والمخرجون لمسلسل المعاناة السوري، لا يكترثون سوى لمصالحهم، وجمع خيرات البلدان، وتجميل وجوه المجرمين تارةً، والتغني التراجيدي على الشعوب المسحوقة وجموع الأطفال الباكين على تلال التشرد والنزوح تارةً أخرى.


على هضاب وتلال “أطمة” و”قاح ” و”حارم” و”سلقين” وغيرها من مناطق الشمال، انتثرت مئات المخيمات للنازحين، لجأوا إلى خيام بسيطة لا تقي حر الصيف ولا برد الشتاء، على مدى سنوات الحرب، حتى صارت مجتمعات جديدة بنسيج مختلط تأقلم فيه الإنسان مع الوجع.
يقول “عبد الله المرزوق” أحد سكان مخيم “الميدان” في تلال قاح لزيتون: “لم أكن أعتقد أن تصبح هذه التلة الصغيرة بلدي الجديد، قبل 4 سنوات لجأت إليها لحماية عائلتي من قصف الطائرات لريف إدلب الجنوبي، وكنت أعتقد حينها أنها ستكون فترةً مؤقتة وقصيرة ومن ثم سأعود إلى قريتي وامتدت السنون بنا هنا”، مضيفاً: “هنا صار لي موطن ثاني، وطبيعة عيش جديدة، هو اغتراب في الوطن نفسه، لكني سعيد وأحمد الله، وأتمنى أن لا يُغدر بالشمال من جديد”.

جمعت هذه المخيمات سوريين من مناطق سورية مختلفة، فصار الحي الواحد يختصر مناطق سورية وأهلها، يجمعهم الفرح والحزن والمعاناة ذاتها، ويتشاركون كل ظروف المعيشة معاً، حتى اعتادوا طبيعة جديدة من الحياة، تكاد تنسيهم حياتهم الأولى من باب التعايش والتأقلم.
“ثائر المصطفى” أحد سكان مخيم “زهرة الجولان” وابن مدينة حلب، تحدث لزيتون عن هذا النسيج الاجتماعي بقوله: “نعيش هنا معا ضمن مساحات ضيقة، فأصبح لنا جيران جدد، وأبناء حي جدد، ومن الطبيعي أن يتعارف الجيران من أبناء المخيم، إذ لم يعد الأمر هنا حلبي وحموي وإدلبي، بل أبناء المخيم، هكذا أصبح لنا مجتمعات جديدة، نعيش فيها ذات التفاصيل، أفرح لفرح جاري الحموي، ويحزن جاري الحلبي معي”.

قواطع
تقسم المخيمات إلى قواطع، تنتشر في التلال على الأطراف الشمالية للمحافظة، والقريبة من الحدود التركية، متخذة أسماء تميزها في حين يضم كل منها عشرات المخيمات.
مدير مخيم “زهرة الجولان” السابق “يحيى النمر” أوضح لزيتون واقع التقسيم الإداري، بقوله: “تنتشر القواطع على ثمان مناطق من شمال إدلب، حيث تضم كل منطقة قاطعاً أو أكثر، وكل قاطع يضم عددا من المخيمات، وتختلف فيما بينها بحسب عدد العائلات، إذ يبلغ عدد العائلات في أصغر مخيم 50 عائلة، بينما يصل عددها إلى 500 عائلة في أكبر مخيم”.
وأضاف “النمر”: “تبدأ القواطع من جهة الشرق من منطقة دير حسان، وتمتد باتجاه كفر لوسين، ثم قاح، وتحتوي كل من هذه المناطق على قاطع واحد، لتصل إلى “أطمة” والتي تضم 5 قواطع، ومن ثم دير بلوط، وفيها قاطع واحد، وإلى الجنوب الغربي قاطع “سرمدا” في منطقة سرمدا، ثم منطقتي حارم وسلقين وفي كل منهما قاطع واحد”.
هذه التقسمية الإدارية تخص المخيمات المنظّمة إدارياً، لكن إلى جانبها تتواجد عشرات المخيمات الصغيرة والعشوائية، وتنتشر بكثرة في بلدات وقرى إدلب، وتقل كثافة انتشارها كلما اتجهنا جنوباً.

مخاوف من تكرار المآساة 
يعاني قاطنو المخيمات في ريف إدلب من مشاكل عديدة، أبرزها قلة الخدمات والدعم الإغاثي، لاسيما في الآونة الأخيرة بعد توقف بعض المنظمات الإنسانية، بالإضافة إلى ضعف التعليم الذي يعاني قطاعه من واقع سيء، فالمدارس المدعومة لا تتجاوز نسبتها ربع أعداد المدارس الموجودة في المخيمات، في حين تعمل بقية المدارس تطوعاً.
سكان هذه المخيمات تأقلموا مع العيش فيها، لكن هاجسهم الوحيد حالياً هو واقع محافظة إدلب ومصيرها المجهول بالنسبة لهم حتى الآن، متأملين ألّا تتكرر معاناتهم مرتين.
“عبد الله العيسى” من سكان أحد مخيمات ريف إدلب قال لزيتون: “رغم معاناة النزوح، إلا أننا نعيش الاستقرار، ونأمل أن تكون كل التخوفات السيئة لمصير إدلب غير واردة، فمن المرعب أن يتم مهاجمة إدلب بعد كل هذه الكثافة السكانية الكبيرة، والتي أصبحت سوريا المصغرة، وعلى تركيا الضامنة أن تعي ذلك”.

ما بين الخيام المتلاصقة، في الشمال السوري، والتي يختنق فيها النظر، يتحول الكوخ الآمن حلماً، بعد تنازلات كبيرة قدمها السوريون عنوة، في نفق ليس ثمة ضوء في أخره.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*