المسابح في إدلب.. ملاذ من الحر ومتنفس للشباب

زيتون – ربيع رزاز 
دفعت درجات الحرارة المرتفعة مع انقطاع الكهرباء بمئات الشباب إلى التوجه نحو المسابح الصيفية المنتشرة بكثرة حالياً في مناطق ريف إدلب، بعد أن حرمتهم الحرب من البحر، بحكم أن المناطق الساحلية تحت سيطرة قوات النظام، فكان من الضروري إيجاد البدائل، والتي عوضتهم عما فقدوه وأصبحت متنفساً لهم.


ونتيجة لذلك شهدت إدلب توجه الكثيرين للاستثمار في المسابح الخاصة وخصوصا بعد تراجع الكثير من المهن والأعمال، وتتفاوت تكاليف إنشاء المسابح بين منطقة وأخرى، ويرجع هذا التفاوت بالدرجة الأولى إلى سعر الأراضي في كل منطقة، والتجهيزات الخاصة التي يقوم صاحب المسبح بتوفيرها.
يقول “عادل المحمد” أحد أصحاب المسابح في مدينة سراقب لزيتون: “تم افتتاح المسبح في الشهر السادس من هذا العام، وبلغت تكلفة إنشائه بحدود 90 ألف دولار، والمردود أقل من المتوقع ولا يتناسب مع التكلفة”.
بينما يقول “إياد الشحادي” صاحب مسبح الوادي في كفروما لزيتون: “تبلغ كلفة إنشاء المسبح مع كامل تجهيزاته ما بين 30 إلى 35 ألف دولار”.
وفي مدينة إدلب تتروح تكلفة إنشاء المسبح بين 50 و 55 ألف دولار، وتختلف باختلاف المنطقة، فلكل منطقة سعر، وتكون عائدات المسبح جيدة إذا تمت إدارته بشكل جيد، بحسب “أسعد عفارة” أحد أصحاب مسبح قصر اللوتس في المدينة.

نظافة المسابح
يتفق أصحاب المسابح التي التقت معهم زيتون على الكلفة العالية لاستبدال مياه المسابح، مما جعلهم يلجأون إلى فلترة المياه وتعقيمها كحل مناسب لتخفيض التكاليف، وذلك على الرغم من اتفاقهم أيضاً على أن فلترة المياه ونظافة المسبح هي إحدى أكبر الصعوبات التي تواجه القائمين على المسابح، إلا أنهم اختلفوا في المدة التي يقوم بها كل مسبح بعملية الفلترة.
إذ يقول “المحمد”: “نقوم بتنظيف المسبح يومياً من الساعة 8 حتى 11 صباحاً، ونقوم بإضافة المواد المعقمة للحد من انتشار الأمراض، وبسبب التكلفة العالية لا نقوم بتغيير المياه وإنما فلترتها 12 ساعة، أي مرتين يومياً، في حين نواجه صعوبة لعدم التزام الشبان بارتداء ملابس السباحة، وعدم تقبلهم لأجهزة الفلترة، والمحافظة على نظافة المسبح والمعدات الموجودة في الحمامات والمشالح”.
في حين يقوم مسبح الجبل في نهاية كل فترة سباحة، والبالغة 4- 5 ساعات بعملية فلترة المياه لضمان سباحة صحية وآمنة، على حد تعبير صاحب المسبح، والذي أكد أنهم يواجهون صعوبة في الفلترة، والتي تعد أمراً ضرورياً للمياه، وذلك نتيجةً لعدم التقيد باللباس الخاص بالسباحة، وارتداء ملابس قطنية من قبل البعض، وهذه الملابس تتسبب بتعطيل محركات المسبح في بعض الأحيان. 
بينما يوضح “عفارة” أن معظم المسابح لا تقوم بتغيير المياه وإنما فلترتها، وأنهم في مسبح قصر اللوتس يلجأون في تعقيم مياه المسبح لاستخدام أقراص الكلور وقليلاً من روح الملح ومواد التعقيم.
من جانبه نوه أحد المهندسين الكيميائيين إلى أن التعقيم بمادة الكلور يسبب الكثير من المشاكل الصحية والأمراض بالنسبة لمرتادي المسابح، خاصة وأن كميات الكلور التي يضعها أصحاب المسابح تكون بشكل عشوائي ودون معرفة بمقدار احتياج المسبح الذي تحدده سعة المسبح وعمقه، مما قد يكون سبباً في الكثير من الأمراض الجلدية.
وهو ما يؤكده “محمد العلي” أحد الشبان المرتادين للمسابح بريف إدلب بقوله: “عادةً تكون نظافة المسابح جيدة، ولكن في أيام الجمعة تسود الفوضى نظراً للازدحام الكبير”، مضيفاً: “لم ألاحظ أي إصابات بأمراض جلدية بسبب مياه المسابح، ولم يشكو أصدقائي من أي مرض جلدي، ولكنني أصبت بإلتهاب قصبات حاد جراء وجود كمية مركزة من الكلور في أحد المسابح”.
بينما اشتكى الشاب “مجد سليمان” من تحسس في العين، نتيجة إضافة الكلور لمياه المسابح لتعقيمها، مبيناً أن نظافة المسابح في ريف إدلب جيدة.
ومن المعروف أن مادة الكلور تستخدم في كافة أنحاء العالم لتعقيم مياه المسابح، إلا أن انتشار المسابح حديثاً في ريف إدلب، وبعد سنوات من توقفها، وعدم وجود خبرة كافية ربما بالنسب اللازمة لها تأثيرها المحدود حتى الآن.

خدمات إضافية في المسابح
ليست فقط أماكن للسباحة، بل لقطف لحظات سعيدة من الحياة، يرتاد بعض الشباب المسابح برفقة أصدقائهم للسهر وشرب الأركيلة لما وجدوا فيها من الراحة النفسية، ففي هذه المسابح تشاهد حلقات من الشباب مجتمعين حول الأراكيل والمشروبات في أجواء خاصة.
أحد أصحاب المسابح في سراقب قال لزيتون: “نقدم في المسبح المشروبات الساخنة والباردة والمأكولات، ويمكن استمرار الجلسات حتى وقت متأخر من الليل وأثناء كأس العالم قمنا بتجهيز شاشات لمتابعة المباريات”.
بينما قام مسبح الجبل بعد أول موسم للمسبح في كفروما بإضافة تعديلات للمسبح، كإضافة شاليه للجلوس على مرتفع فوق المياه للراحة بعد السباحة، وتأمين كراج للدراجات النارية والسيارات، ووضع مراقبة دقيقة على الكراج لمنع السرقات، وتخصيص مكان لإيداع الأغراض الخاصة، وتسليم الشخص المودع سواراً عليه رقم الأغراض الخاصة به للحد من السرقات، وذلك إلى جانب توفير المشروبات الساخنة والباردة، بحسب صاحب المسبح.
أما بالنسبة لمسبح قصر اللوتس فالأمر مختلف، إذ يرى أن من الضروري وجود مطعم في المسبح يقدم المأكولات والمشروبات، وإتاحة المجال للسهرات، إلا أنه لا يوفر هذه الخدمات لأنه مسبح خاص، ولكل مستأجر حرية التصرف، وفقاً لصاحب المسبح.

المنقذون والمسابح
لكل شيء ضريبة، وضريبة السباحة في هذه المسابح تبدأ بالازدحام، وتنتهي بمخاطر انتشار الأمراض بفعل تعقيمها بشكل خاطئ، بالإضافة لعدم تواجد منقذين في بعض المسابح، وما ينتج عنه من حوادث مأساوية، كما حصل في 14 تموز الماضي، حيث وجد طفل غريقاً في أحد مسابح مدينة معرة النعمان بريف إدلب الجنوبي.
يقول “عادل المحمد” أحد أصحاب المسابح في مدينة سراقب: “أغلب زوار المسبح من فئة الشباب من عمر 18- 25 سنة، ويوجد لدينا منقذ واحد في الأيام العادية، أما يوم الجمعة فيتواجد 3 منقذين بسبب الازدحام، وحرصاً منا على سلامة رواد المسبح”.
أما “محمد المغلاج” صاحب مسبح الجبل في كفروما فيقول: “وضعنا منقذين في محيط المسبح من أجل تفادي خطر الغرق، ونرى أن المنقذين من أهم دواعي الأمان للزبائن، ونقوم بتأمين كل ما يلزم لراحتهم فهي من أولى أولوياتنا”، مضيفاً: “نقوم الآن بمحاولة تأمين المواد اللازمة لافتتاح مسبح شتوي، ولكننا وجدنا أن الأمر ليس سهلاً”.
بينما يرى “أسعد عفارة” صاحب مسبح قصر اللوتس في مدينة إدلب أنه من غير الضروري تواجد المنقذين في مسبح خاص كمسبحهم، ويقول: “نقوم بتأجير مسبحنا بشكل خاص، فمن غير المعقول أن يكون المنقذ موجوداً مع العائلات، إضافة إلى أن المستأجرين الشباب لا يرغبون بوجود شخص غريب بينهم، ومن لا يعرف السباحة جيداً بإمكانه التعلم في أماكن أقل عمقاً”.

آراء وأسعار
يرى معظم الشبان أن رسم دخول هذه المسابح مقبولا، لا سيما إذا ما قورن بأسعار المواد في الوقت الراهن، بالإضافة إلى مقارنة المبلغ المدفوع بما يحصلون عليه من راحة وترفيه في ارتيادهم لهذه المسابح.
“محمد العلي” أحد الشبان المرتادين للمسابح بريف إدلب قال لزيتون: “أذهب إلى المسبح مرة واحدة في الأسبوع للسباحة، أمضي فيه بحدود 3 ساعات كل مرة، وأغلب الأوقات أذهب لمشاهدة المباريات وشرب الأراكيل، رسم الدخول 500 ليرة سورية، ولكن لست مضطراً لدفعها إذا لم أكن أنوي السباحة، وهي مقبولة نوعاً ما، ويضيف مازحاً: “بدنا ننبسط وبدنا نعيش أيامنا”.
وعن الخدمات المقدمة في المسبح قال “العلي”: “يشعر بالجوع من يسبح لساعات طويلة، لذلك وجود الوجبات الخفيفة أمر ضروري، ويمكننا شراء المشروبات وتناول الوجبات الخفيفة في المسبح، ويوجد أراكيل وشاشات لمشاهدة المباريات، والجيد أيضاً أن المسبح قريب من المدينة ما يسهل عملية الوصول إليه”.
أما “محمد الخطيب” فيذهب إلى المسبح أكثر من مرة في الأسبوع، بسبب حر الصيف، وجودة الخدمة، بحسب تعبيره، مضيفاً: “رسم دخول المسبح عادي جداً بالنسبة لغلاء الأسعار وجودة الخدمات، وأرى أن بعد المسبح عن المدينة مناسب لعدم إزعاج الأهالي أو تشكيل خطر لقصف التجمعات”.
في حين يقوم “مجد سليمان” أحد رواد المسابح من مدينة إدلب باستئجار أحد المسابح مع أصدقائه مرتين أسبوعياً، بتكلفة 20 ألف ليرة سورية لمدة 12 ساعة، ويرى أن السعر مناسب إذا كان عدد الأشخاص كبير، ولكنه يفضل المسابح القريبة من مدينته إدلب، وذلك نظراً للأوضاع الأمنية التي تمر فيها المدينة والمحافظة بشكل عام.
وتستقبل معظم المسابح الذكور فقط، ولكن للعائلات مسابح خاصة، وبإمكان أي عائلة استئجار المسبح، وتصل أجرة حجزه إلى 20 ألف ليرة لمدة 12 ساعة، و40 ألف ليرة لـ 24 ساعة.
“أبو حسن” رب لأسرة مؤلفة من 8 أشخاص، تفاجأ عند سماعه تكلفة حجز المسبح، وقال: “هالمبلغ بعيشنا نص الشهر، بروح أنا وولادي عالمسبح العام، وبراضي بقية العيلة”.

مع توقف القصف وعودة الحياة إلى طبيعتها بشكل تدريجي، تنتعش محافظة إدلب يوماً بعد يوم، ويحاول معظم الأهالي استعادة ما خسروه خلال السنوات الماضية، وارتياد المسابح واحدة من أهم هذه المشاهد.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*