شهادات الوفاة.. حل النظام للتخلص من ملف المعتقلين

خاص زيتون 
كان بند المعتقلين حاضراً في كل اتفاقية، ولكن دون تطبيق أو التزام من قبل النظام، ودون أي محاولة من قبل الراعيين لهذه الاتفاقيات لإلزامه، وفي حال طُبقَ على نطاق ضيق كان النظام يعمد إلى المراوغة عبر اعتقال بعض المارة في الشوارع أو الحواجز بمناطق سيطرته وإطلاق سراحهم في ما يدعي هو ورُعاته أنه تطبيق لبنود الاتفاقية، بينما هو في الواقع أبعد ما يكون عن التطبيق، إذ كان الشرط المشترك في كافة الاتفاقيات أن يكون المفرج عنهم من المعتقلين القدامى وبناءاً على قوائم تقدمها الأطراف الممثلة للمعارضة، وهو ما كان النظام يرفضه مراراً، بعد رفض سابق للبند جملةً وتفصيلاً، ربما كان رعاة هذه الاتفاقيات خلف فكرة المراوغة وطريقة التطبيق التي اتبعها النظام طيلة السنوات السابقة، علماً أن النظام لا ينقصه الخبث والإجرام.


وفي ظل الظروف الراهنة، وبعد سيطرة النظام على كافة المناطق الثائرة باستثناء المناطق المحررة في الشمال السوري، وبضعة مناطق شرق سوريا، ومع إصرار العالم أجمع على إبقاء ذلك النظام المجرم ودعمه حتى اللحظة الأخيرة، واقتراب نيتهم إعلان سوريا آمنة على حد تعبيرهم، قرر نظام الأسد ومن خلفه الأصابع الدولية المتحكمة بالشأن السوري التخلص من ذلك البند الذي أرّق الجميع.
ومع علمهم بالجرائم المرتكبة ضد المعتقلين في سجون النظام، وإثبات صحتها، كان الحل الوحيد لمبتدع الفكرة هو منح شهادات وفاة للشهداء الذين سقطوا تحت التعذيب في سجون النظام، على أنها حالات وفاة طبيعية، على الرغم من أن الكثير الكثير من هذه الأسماء موثقة منذ سنوات لدى الأمم المتحدة والعديد من المنظمات الدولية على أن أصحابها معتقلون في فترات مختلفة لدى نظام الأسد، ولكن لا يهم، فمن شاهد صور ما يقارب الـ 11 ألف شهيداً سقطوا تحت التعذيب، سرّبها “قيصر” قبل 5 أعوام وغضّ الجميع الطرف عنها، لن يأبه بمثلهم أو أكثر اليوم، وهو يسعى جاهداً لشرعنة بقاء الأسد ودعمه اقتصادياً وليس فقط سياسياً، ومشاركته في إعادة إعمار حتى ملاعب سورية التي استشهد المئات ممن كانوا يلعبون على أرضها في سجونه، والآلاف ممن كانوا يجلسون على مدرجاتها.

في تموز الماضي، بدأ نظام الأسد بإرسال قوائم بأسماء الشهداء الذين سقطوا تحت التعذيب في سجونه، وذلك لإبلاغ ذوي الشهداء بوفاة أبنائهم ومنحهم شهادات ووثائق تثبت وفاتهم، وبدأ الأمر بإبلاغ 300 عائلة في حماة بوفاة أبنائها، ليمتد منها إلى عدة مدن ومحافظات، ضمن سلسلة من القوائم الأولية، من المتوقع أن تعقبها قائمة أو أكثر لكل منطقة، كما ستشمل كافة المدن والمحافظات السورية.

وأفادت مصادر حقوقية وإعلامية بأن الفروع الأمنية التابعة لنظام الأسد سلمت خلال الفترة الماضية قوائم مماثلة لقائمة حماة، لدوائر السجل المدني في عدة مدن تضمنت أعداداً مختلفة من أسماء الشهداء الذين قضوا في سجون النظام، إذ تضمنت قائمة “داريا” 1000 اسماً، “الحسكة” 750 اسماً، “حلب” 550 اسماً، “دير الزور” 500 اسماً، “حمص” 300 اسماً، من بينهم 12 فلسطينيًا من مخيم العائدين بمدينة حمص، وفقاً لمجموعة “العمل من أجل فلسطينيي سوريا”، بالإضافة إلى 150 اسماً في “معضمية الشام”، 30 اسماً في “يبرود”، ومثلها تقريباً في “خان شيخون”، جميعهم قضى تحت التعذيب.

وأشارت منظمات حقوقية وقانونية سورية، إلى أن جميع الحالات التي يتم فيها تسليم ذوي الشهداء شهادة وفاة من قبل دوائر السجل المدني، هي حالات استشهاد المعتقل تحت التعذيب، في حين يرجع النظام أسباب الوفاة ضمن الشهادات التي يقوم بتسليمها للأهالي إلى وفاة طبيعية أو أمراض مختلفة مثل أمراض القلب والربو والجلطات وغيرها، ودون إيراد مكان الوفاة أو سببها الحقيقي.

في حين تؤكد العديد من المصادر أنه في حالات الإعدام الميداني التي تمت بحق المعتقلين لا يتم فيها تسليم شهادة وفاة لأسرة المعتقل، وما على الأسرة فعله للتأكد من مصير ابنها المعتقل، هو استخراج ورقة “لا حكم عليه”، بالإضافة إلى احتمال أن يكون اسم ابنها في قوائم لاحقة، لذا على أهالي المعتقل مراجعة الدوائر المختصة عدة مرات. 

وفي الوقت الذي قامت فيه دائرة النفوس في مدينة معضمية الشام بنشر الأسماء التي تسلمتها من أفرع النظام الأمنية ضمن أوراق مطبوعة، تم تعليقها على جدران الدائرة، مطالبةً أهالي المدينة بالتعرف على الأسماء المنشورة لتوثيق وفاتهم وتسجيلها لدى الدائرة، تجري دوائر أخرى اتصالاتها مع الأهالي لتبليغهم، في حين تعمل بعض المنظمات الحقوقية والقانونية السورية على توثيق الحالات التي حصلت على شهادة وفاة رسمية من النظام.

كما يطالب ناشطون عبر صفحاتهم الشخصية في مواقع التواصل الاجتماعي، أهالي المعتقلين بمراجعة دوائر السجل المدني التابعين لها، على مبدأ “وإن كانت الحقيقة بشعة، لا بد من أن نعرفها ونواجهها، فمن حقنا أن نعرف، ومن واجبنا أن نواجه” على حد تعبير الناشطة الحقوقية والمحامية “نورا غازي الصفدي”، زوجة الناشط “باسل الصفدي”، والذي استشهد تحت التعذيب في سجون النظام وتم إبلاغ عائلته مؤخراً. 

ونشرت “الصفدي” على صفحتها الشخصية في فيس بوك توضيحاً لأهالي المعتقلين وكل المهتمين بشأن التطورات الأخيرة حول قوائم المعتقلين المتوفين، قالت فيه: “يرجى مراجعة دوائر النفوس والبحث في القوائم، ويفضل استخراج قيد مدني فردي للشخص المعتقل، في حال عدم وجود اسم المعتقل كمتوفي، يرجى مراجعة الشرطة العسكرية، وإن عدم وجود اسم المعتقل كمتوفي في النفوس والشرطة العسكرية لا يعني بالضرورة وللأسف أنه لا زال على قيد الحياة، حيث لا زال النظام يصدر القوائم تدريجياً، لذلك يرجى تكرار المراجعة كل فترة، كما أنه في حال تسلم الأهل شهادة وفاة سابقة من الشرطة العسكرية، فمن المحتمل جداً أن لا يرد الاسم في القوائم الحالية”.
كما أوضحت الناشطة الحقوقية والمحامية التي أبدت استعدادها الدائم لتقديم أي مساعدة أو استشارة حول الموضوع، بأن هناك نوعين للمعلومات عن الوفاة، الأولى حالة من يقتل تحت التعذيب أو بسبب المرض، و يصدر فيها النظام شهادة وفاة له، ويطلب من الأهل القيام بإجراءات الوفاة، وتفرض غرامة مالية على الأهل في حال التأخر، بينما لا يقوم النظام بإصدار شهادات وفاة في حالة الإعدامات، ويكون هناك مراسلات سرية بين المحكمة الميدانية ودوائر النفوس تتضمن أمراً بتوفية الشخص الذي تم إعدامه، ويكون المعيار الوحيد للتفريق بين من ينفذ بحقه حكم إعدام وبين من يقتل بسبب التعذيب أو المرض هو الحصول على شهادة وفاة.

وكان رئيس الهيئة الوطنية السورية للدفاع عن المعتقلين “ياسر الفرحان” قد أكد في بيان نشر على مواقع التواصل الاجتماعي في 13 تموز الماضي، أن عمليات التصفية التي نفذها النظام السوري بحق المعتقلين، وأرسل قوائم بأسمائهم، تشكل جرائم حرب وإبادة وجرائم ضد الإنسانية، مطالباً الأمم المتحدة بفتح تحقيق بخصوص تلك العمليات التي وصفها بأنها “عار يلاحق العالم”.
وأشار “الفرحان” في بيانه، إلى أن إرسال قوائم بأسماء المعتقلين المتوفين، دون تسليم الجثث، ودون فتح تحقيقات محايدة ونزيهة بشأنهم، يؤكد أن ما حدث هو عمليات تصفية جماعية وقتل تحت التعذيب وليس كما يدعي النظام أنها “أزمات قلبية”، مؤكداً أن المسؤولية المباشرة تقع على عاتق الأفراد المنفذين لهذه الجرائم والقيادات التي تعطي الأوامر بارتكابها، أو التي تسكت عنها.
وطالب المجتمع الدولي بإلزام النظام بفتح السجون ومراكز الاحتجاز أمام الجهات الدولية المختصة للكشف عليها وتقييم أوضاعها، وشدد على وجوب فتح تحقيق أممي بما يجري بحق المعتقلين في سجون النظام، وإطلاق سراح من تبقى، ومنع تنفيذ أعمال اعتقال جديدة خارج القانون، وفق ما جاء في القرارات الدولية وعلى رأسها بيان جنيف والقرار2254.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*