على وقع الاندماج “الجبهة الوطنية للتحرير”.. آمال وهواجس

زيتون – تيسير المحمد
قبل أيام اندمجت معظم الفصائل العاملة في الشمال السوري تحت مسمى “الجبهة الوطنية للتحرير”، ولا شك أن جمهور الثورة كان ينتظر القيام بهذا الأمر منذ بداية العمل المسلح، وبالذات عندما كانت الظروف المحلية والدولية أفضل من الوضع الراهن بكثير، حيث وصلت في وقت سيطرة المعارضة إلى أكثر من 70% من مساحة سوريا، ليأتيَ هذا التوحد اليوم وفي مثل هذه الظروف، ويطرح العديد من الأسئلة حول جديته وحقيقته وإمكانياته.


من المعلوم لدى الجميع أن ما حصل كان تحت الضغط من الضامن التركي لتجنيب المنطقة ما حصل لباقي المناطق إثر هجوم النظام وحلفائه عليها، وتدميرها وإخضاعها لسلطته وسط صمت وتخاذل عربي ودولي، بالإضافة إلى موافقتهم الضمنية على بقاء الأسد ونظامه على رأس السلطة في سوريا، على الأقل في الفترة الحالية والمقبلة. 
ولكن حتى لو كان الاندماج حقيقياً وعلى أعلى مستوى، تبقى المعضلة الأكبر “هيئة تحرير الشام”، وسيطرتها على مناطق شاسعة من الشمال السوري، ولا سيما أن الهيئة مصنفة كتنظيم إرهابي، وكانت الذريعة التي استخدمها النظام وحلفائه للهجوم على باقي المناطق السورية وحظي بالدعم والتأييد الدولي بتلك الحجة التي استغلها الجميع. 
وبالتأكيد حل هذه الإشكالية سيكون صعباً جداً، وربما يكون الثمن كبيراً، وبشكل خاص إذا كان الحل هو إنهاء الهيئة عسكرياً، وهو أمر غير مستبعد بحسب المعطيات الأولية ورفضها حتى الآن حل نفسها والاندماج مع باقي الفصائل، فضلاً عن المهلة الروسية لتركية -والتي تشارف على الانتهاء-، وذلك بغية إنهاء تواجد تحرير الشام في المنطقة. 
طالب الحقوق “عبد الحميد شاهين” من سكان مدينة إدلب قال لزيتون معلقاً على الاندماج: “وماذا ينفع الاندماج اليوم إذا كان قراره من الخارج وبضغط تركي، وكلنا يعلم أن قرار المعركة يحتاج إلى إذن وإلى توافق دولي، فلا جدوى اليوم لمثل هذه الأمور، فالثورة صدر قرار تصفيتها، وكل ما يحدث الآن هو لتحسين شروط التفاوض فقط لا غير، حيث تسعى كل دولة من الفاعلين في الملف السوري إلى تحصيل أكبر قدر ممكن من المكاسب، وذلك من خلال تحريك أدواتها في الداخل، ولكن في نهاية المطاف سيعود الطفل المدلل بشار الأسد ليحكم سوريا، وهم الآن يتذرعون بوجود تنظيم هيئة تحرير الشام، وجميعنا نعلم أن النظام وحلفائه سيطروا على العديد من المناطق التي لم يكن فيها تواجد للنصرة مثل بلدات جنوب دمشق، أو كان وجودها رمزياً بالنسبة لباقي أعداد الفصائل المصنفة من قبل أمريكا بالـ معتدلة، مثل درعا والقنيطرة”.
أما “راتب البطل” أحد مقاتلي الجيش الحر قال:
“هجرنا من الغوطة إلى إدلب، وكانت الصورة في ذهننا أننا سنجد جيوشاً منظمة لديها عتاد عسكري نوعيٌّ إلى حدٍّ ما مقارنة مع السلاح الذي كان بأيدينا، وسنرى معارك كبيرة وقوية بعد أن كنا نقاتل النظام بأسلحة بدائية في كانتونات صغيرة ومتفرقة، بينما هنا في الشمال مساحات واسعة وشاسعة تستطيع المناورة من خلالها، ولكننا صدمنا بالواقع، ومجموعتنا حتى اللحظة لم تنضم إلى أي فصيل، لعدم ثقتنا بالمشاريع التي تقوم عليها هذه الفصائل وتبعيتها للخارج”.

وأضاف “البطل”: “العجيب في الأمر أن غالب سكان هذه المناطق يحذرون من العمل مع هذه الفصائل “دير بالك الفصائل هون للتجارة والسلطة بس وهمهم الهيمنة على أكبر قدر ممكن من المُقدرات والمساحات”، فهم لم يتوحدوا ولم يتحركوا عندما كان النظام يقضم المنطقة تلو الأخرى، فما الفائدة من اندماجهم في تشكيل واحد قد يكون هدفه القتال الداخلي لتسهيل دخول النظام لهذه المناطق والسيطرة عليها، خصوصاً أن هذه الفصائل مشاربها مختلفة، فصائل إسلامية وجيش حر وغيرها، وتستطيع أن تتأكد بأن الثقة معدومة فيما بينها إذا نظرت لعمل هذه الفصائل وممارساتها خلال السنوات الماضية، ولو أن هذه الفصائل صادقة في هذا الاندماج كان من الأولى أن تذوب في فصيل واحد، أي لا تبقى في نفس هيكليتها التي كانت عليها قبل الاندماج، وتكون كلها لفصيل واحد كعناصر مع وضع إمكاناتها تحت تصرف قيادة التشكيل الجديد”.
من جانبه تساءل الرقيب المنشق “حسن الهاشمي” عن سبب تشاؤم البعض، وتشكيكه باندماج الفصائل الذي تم مؤخراً وقال: “مهما فعلت الفصائل سوف يشكك البعض بها، ويطعنون ولا يعجبهم العجب، والبعض لو رأوا بأم أعينهم الانتصارات من الفصائل سيقولون مؤامرة”، مضيفاً: “حتى ولو كان هذا التوحد تحت ضغط خارجي فهو شيء جيد، وخطوة مهمة على الطريق الصحيح، فهم يقولون أن هذه الفصائل تبعيتها للخارج وتأتمر بأوامرهم، وأقول على فرض صحة هذا الأمر فهذا يعني أن التشكيل الجديد سيحظى بدعم خارجي، وبمن يدافع عنه وعن مصالحه على الساحة الدولية، وسيكون صوته مسموع، وربما لا يعلم البعض أو يتجاهل صعوبة الوضع والموقف الحالي، وأن هذا الاندماج أفضل ما يمكن القيام به في هذه المرحلة، وعندما نقول تشكيل جيش واحد فهو أمر في غاية التعقيد ويتطلب الكثير من العمل والجهد من جميع الثوار وليس من الفصائل لوحدها، وفي الوقت ذاته لا شك أن على التشكيل الجديد القيام بخطوات سريعة، أهمها إبعاد المفسدين عن مراكز القرار والقيادة، والنظر بشمولية لمصلحة الثورة، والبعد عن التحزبات الفصائلية والمناهج التي تفرق الصفوف”. 
وبالطبع إن توحيد الصفوف والعمل المنظم مطلب شعبي منذ بداية الثورة السورية، ولكن لابد من الأخذ بعين الاعتبار فشل التجارب السابقة، ومخاوف وهواجس الحاضنة الشعبية، بعد الانتكاسات المريرة التي مرت بها الثورة السورية، وبعد أن أضحى الشمال السوري الملاذ الوحيد لها، وفي حال سقطت هذه المناطق سيكون المسمار الأخير الذي يُدقُّ في نعش الثورة، ولن نجد مكاناً لها حتى في الكتب، لأن المنتصر هو فقط من يكتب التاريخ.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*