السماق موسم اقتصادي في جبال إدلب

زيتون – أسامة الشامي
مذاقه حمضي، أوراقه ريشيّة الشكل، ذات تقابل متناسق ومظهر جميل، وثماره من ذوات البذرة الواحدة، تتجمع فيها على شكل عناقيدٍ تغطّيها شعيرات كثيفة، يعيش في الجبال والهضاب الوعرة وحول البساتين، وعلى حواف الأنهار والوديان، على شكل شجرة صغيرة الحجم أو شجيرة من الفصيلة البطمية، قليلة التفرّع، يتراوح ارتفاعها من متر إلى ثلاثة أمتار، وله قدرة جيدة على التأقلم مع معظم البيئات، كما أن له مكانة ضمن التوابل والبهارات، ويشكل موسماً زراعياً جيداً في غالبية المناطق التي ينتشر فيها ويتم رعايته بها، وذلك لكونه لا يحتاج لأية تكاليف.


لعل لإدلب الخضراء نصيب من كل خضرة، فلا يقف الأمر عند زيتونها أو فاكهتها، بل يتعداها إلى الشجيرات البرية المهمة والمثمرة كالسماق، والذي تنتشر شجرته وزراعته في مناطق واسعة من جبال وهضاب إدلب، مثل جبال حارم وسلقين والزاوية والتركمان غربي جسر الشغور، حتى أن هناك جبلاً يسمى باسمه “جبل السماق”، والذي يقع شرق جنوب حارم، كما يقال أنه الاسم القديم لجبل الزاوية.
“هيثم الديب” أحد أبناء جبل السماق تحدث لزيتون عن خصائص السماق من ناحية الزراعة بقوله: “السماق في الأصل شجرة حراجية برية، إلا أن الأهالي عمدوا فيما بعد إلى زراعة هذه الشجرة في عدة مناطق، وذلك للاستفادة من الأماكن الوعرة والغير صالحة للزراعة، إذ أن شجرة السماق تُزرع في الأماكن التي لا يمكن لغيرها من الأشجار أن تعيش فيها، فضلاً عن أنها شجرة مفيدة ولا تحتاج لأي رعاية”.
وعن طريقة جنيه قال “الديب”: “ينضج محصول السماق في شهري آب وأيلول، ويتم قطاف ثمار السماق التي تكون على شكل عناقيد بعد نضجها، أي عندما تصبح ذات لونٍ أحمر قاني، وبعد القطاف يتم نشرها وتعريضها لأشعة الشمس، حتى يسهل استخلاص حبوب السماق من أعوادها عبر طرقها بالعصي، ومن ثم يتم تعبئة الناتج وبيعه”.

وتتراوح الفائدة الاقتصادية من هذا الموسم من منطقة لأخرى حسب الاهتمام به، وحتى من شخص لآخر حسب عدد الأشجار التي يمتلكها الشخص سواء البرية أو التي تم تشجيرها، حتى يغدو موسما هاما في بعض المناطق ولدى بعض المزارعين.
وعن ذلك قال تاجر السماق “عبد القادر جيلو” لزيتون: “يعتبر موسم السماق الحالي الموسم الزراعي الثاني أو الثالث في جبالنا، وهناك بعض المزارعين الذين قاموا بزراعته لأول مرة هذا العام، وذلك لأن مردوده الاقتصادي لا بأس فيه، ويعادل مردود أي نوع من الأشجار المثمرة، بل ينافسها من حيث التكلفة، بالإضافة إلى أن الشجرة الواحدة منه تنتج ما بين 2 إلى 5 كيلوغرامات بحسب حجمها، لذا قام الكثير من المزارعين بزراعة السماق بكثافة”، مضيفاً:
“كأي مادة أخرى السوق عرض وطلب، والأسعار تختلف من عام لآخر، حيث تراوح سعر الكيلوغرام الواحد منه في العام الماضي ما بين 1000 و 1100 ليرة سورية، في حين نشتريه من المزارعين هذا العام بمبلغ 400 إلى 600 ليرة سورية، وكونه يدخل في صنف التوابل والبهوريات وليس الأشجار المثمرة، يكون الطلب عليه أكبر، وأسعاره أعلى، حيث يصل سعر الطن الواحد منه أحياناً إلى 2400 دولار أمريكي، أي ما يعادل المليون وثمانمائة ألف ليرة سورية”.

وتعد جبال إدلب الغربية كجبال حارم وسلقين وجسر الشغور الأكثر استفادةً من مواسم السماق، وتزداد فاعلية الموسم كلما اتجهنا غرباً، حيث يلاحظ الاهتمام فيها بهذا الموسم أكثر من جبل الزاوية، والتي لايعد السماق فيه موسما، رغم وجوده.

ويفسر “خالد مطر” أحد أبناء جبل الزاوية ذلك، بأن السماق يؤثر على شجر الكرز كونه كثير الإنبات ويتشعب، مما يجعل المزارعين يقتلعون شجيرات السماق باستمرار، إلا أنها تعود وتنبت من جديد، ولهذا السبب تكون عمليات بيع السماق محدودة في جبل الزاوية، وتقتصر على استخدامه من قبل الأهالي لاحتياجات المنزل فقط، بحسب “مطر”.
وعلى الرغم من انتعاش هذه الزراعة في جبال إدلب الغربية مقارنةً بغيرها من جبال المحافظة، إلا أن ذلك لا يمنع من وجود عوامل أثرت سلباً على زراعة السماق، كما لا يمنع أن تلقَ هذه الزراعة نصيبها من تأثيرات الحرب كباقي الزراعات، حيث يشكو أهالي “جبل باريشا” في منطقة حارم، من تعرض السماق كشجرة حراجية برية لعمليات قطع كبيرة، بعد غلاء المحروقات في ظل الحرب، مما أثر سلباً على هذا الموسم، كما تأثرت أسواق تصريفه أيضاً بظروف الحرب وصعوبة التبادل التجاري، ولاسيما بعد انقطاع حلب عن ريف إدلب، والتي يتواجد بها “سوق البهوريات” في حلب القديمة، الذي كان يعد أهم أسواق السماق لأهالي إدلب.

استخدامات السماق وفوائده
يستخدم السماق بسبب طعمه الحامض كمنكِّه يضاف إلى الطعام، وفي بعض الصناعات الغذائية كصناعة الزعتر والتي يكون السماق أساسياً فيها، كما يستخدم في الصباغة ودبغ الجلود، نظراً لاحتوائه على كميّة كبيرة من المواد العفصية الدابغة. 
أما من الناحية الطبية فيستخدم السماق لعلاج الفطريات التي قد تظهر على السطح الخارجيّ من الجلد، وفي علاج التهاب اللثة وبعض الجروح والحروق، كما يستخرج حمض “الجاليك” من السماق، وهو أحد مركبات المواد العفصية الموجودة فيه، والذي يعد مضاداً جيداً للبكتيريا، مما يجعل السماق مصدراً لعلاج العديد من الأمراض التي تسببها البكتيريا.
إدلب الخضراء لكل شجر فيها نصيبٌ، ولو تربع الزيتون على تلالها، لكن له زركشات بكل أنواع الفواكه، فكرز جبل الزاوية يرصعه كالياقوتٍ، وتلونه فواكه دركوش وجسر الشغور بشتى الألوان، ولابد لعناقيد السماق الحمراء من أن تتواجد ضمن نسيج الخضراء الجميل، ليمسي تاجاً أخضراً مرصعاً بكل ألوان الحلي.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*