240 مريض بالسل في إدلب.. والأدوية المنتهية الصلاحية تفاقم المرض

في الماضي كان مرض السل وباءً، ولكن سرعان ما غدا مع بدايات القرن الماضي، مرضاً غير مستعصٍ، بعد اكتشاف أنواع مختلفة من الأدوية لمعالجته.
شهدت سوريا في مرحلة الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، حملة كبيرة لمعالجة هذا المرض، ومنذ تلك الفترة، باتت حالات الإصابة به محدودة.
اليوم مع تدهور الأوضاع الصحية في سوريا بعد الحرب، وسوء التغذية، أخذ هذا المرض يغزو أجساد السوريين من جديد، وبنسبة عالية.


وتعد محافظة إدلب من أكثر المناطق التي تعاني من هذا المرض اليوم، ورغم محاولات التوعية بأخطار المرض والوقاية الصحية، ومحاولة توفير علاج للمصابين، فإن حالات الوفاة جراء هذا المرض في ازدياد.
ويعزو بعض الأطباء عدم نجاعة حلولهم الطبية، إلى كون الأدوية المستخدمة في بعض المراكز، قد انتهت فاعليتها منذ عدة أشهر، لذلك غالباً ما يؤدي إعطاؤها للمريض في ظل عدم توفر بدائل، إلى تحول مرض السل من مرض مؤقت إلى مرض مزمن صعب المعالجة.
عن أسباب عودة مرض السل وأعراضه يقول الطبيب “زياد سعيد”: “وصل مرض السل إلى مرحلة الكمون في سوريا، وقبل الثورة كنا نادراً ما نواجه حالة مرض بالسل، أما الآن وبسبب الظروف الاجتماعية السيئة كالازدحام في التجمعات والفقر والرطوبة والإجهاد بسبب العمل لساعات طويلة، فقد ارتفعت حالات الإصابة كثيراً بمرض السل، والذي يعد مرضاً جرثومياً سريع العدوى، تسببه العصية السلية، وينتشر عن طريق السعال والعطاس والبلغم، ويترافق بأعراض كثيرة منها: ارتفاع الحرارة والسعال والتعرق الليلي والآلام المفصلية ونقص الوزن وقلة الشهية، كما يترافق أحياناً بالسعال الدموي”.

ويضيف “سعيد”: “يبدأ تشخيص المرض في مراكز السل، ويمكن علاجه في المنزل، إلا في بعض الحالات المتقدمة فيجب علاجها في المشافي، ويجب مراقبته أسبوعياً وإعطاءه العلاج، ويحتاج المريض إلى العلاج لفترة من 6 إلى 9 أشهر”.
تتحمل منظمة الصحة العالمية والمنظمات الأهلية المنتشرة في الداخل السوري مسؤولية انتشار هذا المرض، ويجب وضع برامج لمكافحته، ولن تنفع الجهود الفردية في حل هذه المشكلة لأن المرض ينتشر بشكل كبير.
وللوقاية من مرض السل يجب أن لا يتم مشاركة المريض حاجياته الشخصية ويجب عليه وضع كمامة وعزله ما أمكن في المنزل.


ويقول الطبيب “مأمون سيد عيسى” الباحث في الشؤون الطبية في الداخل السوري: “نعاني من مشاكل كبيرة في الداخل السوري لأنه لا توجد دراسات للواقع الصحي، ولا توجد قاعدة معلومات للأمراض الشائعة، وخلال زيارتي لمركز السل في إدلب قالوا إن لديهم 240 مريضاً، و 15 مريضاً كل شهر، والمشكلة أننا لم نعرف العدد الحقيقي لمرضى السل، بسبب فقدان الأدوية في مركز السل في إدلب، ما يجبر المرضى على مراجعة العيادات الخاصة، أو اللجوء للعلاج في تركيا، والمفروض على المرضى مراجعة المركز كل شهر، كما يجب متابعة أسرة المريض لاحتمال نقل العدوى لهم”.
إن قلة التوعية وعدم وجود مراقبة لهؤلاء المرضى هي إحدى الثغرات التي يعاني منها مركز السل في إدلب، ولكن كادر مركز إدلب المكون من طبيبين وعدد من العاملين الصحيين يحاول تجاوز هذه الثغرة، ويبذل جهوده حالياً في توعية الأهالي من هذا المرض وطرق انتشاره، ولكن ضعف الإمكانيات يعيقهم، بحسب “سيد عيسى”، والذي أضاف:

“يوجد في مدينة إدلب مركز للسل، كما يوجد في ريف حلب في بلدة أورم ومارع ويتم إنشاء مركز جديد في عفرين، وهذه المراكز تعاني من نقص في الأدوية وانتهاء فاعليتها، أدوية مرض السل هي خمس أنواع، ولقد لاحظت في مركز إدلب أدوية منتهية الصلاحية منذ عام 2016، وهذا ما سيؤدي إلى مشاكل كبيرة، وتحوّل المرض إلى مرحلة المرض المعند، وتصبح الجرثومة مقاومة لهذه الأدوية”.

يوجد تقصير كبير من مديريات الصحة التي تتبع لها هذه المراكز، فهي فقيرة مادياً، ولا يوجد لديها القدرة على شراء الأدوية، ومنظمات الصحة العالمية مثل اليونيسيف و WHO لم تهتم بهذا المرض، ولكن منذ عدة أيام قامت منظمة WHO بطرح الموضوع، وهناك احتمال بقيام المنظمة بعمل مشروع لم يحدد موعده بعد، وذلك لمكافحة السل، الباحث في الشؤون الطبية في الداخل السوري.
وتابع “سيد عيسى” قوله: “مراكز مكافحة السل بحاجة فورية لأدوية لمعالجة المرض، ريثما يبدأ مشروع منظمة WHO، وكما نعرف مشاريع المنظمات طويلة الأمد، وتأخذ وقت طويل لإنجازها، بينما لم تقدم مؤسسات المعارضة ممثلة بالحكومة المؤقتة والائتلاف الوطني وحكومة الإنقاذ، أي شيء على المستوى الصحي، وكانت المنظمات الطبية هي الفاعلة في هذا المجال”.
شيء مؤسف أن يكون لدينا حكومة مؤقتة وائتلاف وطني وحكومة إنقاذ والعديد من المنظمات الطبية، وأن يكون لدينا فقط 240 مريضاً، ولا نستطيع تأمين العلاج لهم، وأن يتم إهمال موضوع خطير بهذا الشكل، على حد تعبير الباحث في الشؤون الطبية في الداخل السوري.

من جانبه قال أحد أطباء مركز السل في إدلب “عبدالرحمن طريفي” عن وضع الأدوية في المركز: “دواء ريفا ودواء ستريبتوميسين انتهت فعاليتهما في الشهر الماضي، أما البيرازون فهو يستعمل رغم انتهائه منذ عام 2016، وكذلك الايتامبوتول والايزونازيد انتهت فاعليتهما في 2017، ورغم ذلك تقدم هذه الأدوية للمرضى”، مضيفاً:
“المشكلة الكبيرة هي أنه عند إعطاء مريض السل دواء منتهي الفاعلية، لن يشفى مريض السل بل سيتحول إلى مرض سل مزمن تصعب معالجته، والأسوأ من ذلك نشوء جراثيم مقاومة للعلاج ستنتقل عن طريق العدوى لمرضى آخرين، أي أن المريض الجديد سيصبح لديه مرض سل مقاوم للعلاج من أول يوم يتلقى العدوى بهذا المرض، والمصيبة الأكبر أن يكون المريض المصاب يعيش في المخيمات، وهي بيئة شديدة الاكتظاظ وتسهل العدوى فيها”.

الجدير بالذكر أن مديرية صحة إدلب شاركت في الدورة التدريبية التي أقامتها منظمة الصحة العالمية في مدينة غازي عنتاب التركية، في الفترة ما بين 7-11 آب الحالي، بحضور مديرية صحة حلب وبعض المنظمات الشريكة، وكان هدف الدورة هو إعادة تفعيل برنامج مكافحة مرض السل، ورفد المراكز التخصصية بأجهزة استقصاء حديثة، وخطة إمداد دوائي منتظم.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*