“المصالحة” صداقة الجلاد والضحية

زيتون – تيسير المحمد
يروي “أحمد زيدان” أحد مقاتلي الجيش الحر في الغوطة الشرقية والذي خاض أشرس المعارك، أنه حين ساءت الأحوال وكان قرار التهجير، ومع بدء مجموعته تهيئة نفسها للرحيل، جاءهم رجل مسن كان يسكن بجوارهم، طالباً منهم أن يصطحبوه معهم إلى الشمال، ولدى سؤاله بدهشة عن سبب رغبته بالرحيل رغم مرضه وعدم حمله للسلاح وسلامة منزله من الدمار، ومحاولة بإقناعه بالبقاء، رفض البقاء وأصرّ على الرحيل، مجيبا بأنه لن يسامحهم إن تركوه، فهو لا يستطيع العيش مع من قتل أبناء بلدته وأهله واغتصب نساءهم، ما دفعهم لاصطحابه معهم.

 
يصف “زيدان” عمليات المصالحة ومن يوافق عليها أو يسعى إليها بـ “المسخرة” مؤكداً: “كنا نسمع في الروايات أن الذئب قد يصبح صديقاً للخراف، وهو ما حاول نظام الأسد تمثيله شكلاً، فلا يمكن لعاقل أن يصدق أي أمر يصدر عن هذا النظام، فكما قيل “نظام البعث يكذب حتى في النشرة الجوية”، فما بالك إذا كان الهدف الحفاظ على سلطته، التي دمر سوريا وقتل واعتقل مئات الآلاف من أجلها”.
ويكمل “زيدان”: “ما زلنا حتى هذه اللحظات نسمع عن اعتقالات وإعدامات ميدانية بحق الشباب الذين بقوا وصدقوا كذبة المصالحة، وحتى النساء لم تسلم، والعجب ممن ما زال يصدق أكاذيب نظام البراميل، ويروج لما يسمى “المصالحة” أو “العودة لحضن الوطن” فهم كالخراف الضّالة، وكما قال أحد الحكماء “مجتمع الخراف ستحكمه عاجلاً أو آجلاً حكومة الذئاب”.

تكررت دعوة نظام الأسد لسكان إدلب وريفها للانخراط بما سماه مشروع “المصالحة الوطنية” على غرار باقي المناطق، وتنوعت أساليبه للدعوة لذلك عبر الترويج من خلال إعلامه أن الأهالي يطالبون بعودة سلطته، أو من خلال بعض عملائه الذين يصورون قصاصات ورقية يحملونها في أماكن معينة، مضمونها أنهم مع الأسد ومع العودة لـ “حضن الوطن”، ومؤخراً ألقى طيران النظام مناشير ورقية يدعو فيها السكان إلى الوقوف في وجه “المسلحين” وطردهم من مناطقهم.
بدأ مشروع “المصالحة” في نهاية عام 2013 مع تمكن نظام الأسد من حصار بعض المناطق وقطع طرق الإمداد عنها، ما تسبب لهذه المناطق بكوارث للمحاصرين على معظم المستويات، من نقص في الكوادر والمواد الطبية والغذائية الأمر الذي أدى إلى تنازل الثوار عن العديد من الأمور التي كانت خطوطاً حمراء بالنسبة إليهم ودفعهم للقبول بما يسمى “المصالحة”، وفي ذلك الوقت لم يطبق الأمر كما يحصل الآن بل كانت الغاية منها إعلامية بالدرجة الأولى، لتحييد هذه المناطق عن القتال الدائر في مناطق أخرى، وجر ما تبقى منها للسير في الاتجاه ذاته.


“بشار السالم” من مهجري ريف دمشق قال لزيتون عن رأيه بالمصالحة التي يطرحها النظام: “تعودنا خلال سنوات الثورة أن نسمع جملاً ومفرداتٍ من نظام الأسد وأدواته تستخدم بعكس معناها، فالمصالحة بالمعنى الحقيقي هي لقاء بين طرفين متخاصمين تُسوى من خلاله الخلافات، وتُرد الحقوق لأصحابها ما أمكن ذلك بالتوافق بين الطرفين، وعلى الأقل يعترف المذنب بذنبه وبعدها تكون المصالحة، ولكن في عُرف نظام الأسد يجب على الضحية تقديم الاعتذار، والاعتراف بذنبها لأنها طالبت بحقها ودافعت عن نفسها بمواجهة القتل، ليتم بعدها “تسوية وضعك”، ومع ذلك لا يعني أن سجلك قد أصبح نظيفاً، بل ما زالت هناك إشارة على اسمك، وستكتشف ذلك عند أول فرصة للنظام، وستعلم أنك مطلوب للأفرع الأمنية، وكلنا يعلم ماذا يعني ذلك، وفي حال كان حظك جيداً ستساق للقتال ضد الثوار في المناطق الساخنة”. 
وبالرغم من كل ممارسات النظام وحلفائه من قتل وتدمير واعتقال وغيرها، إلا أن ما يسمى بـ “المصالحة” كان ولا يزال الخطر الأكبر على الثورة السورية، حيث استطاع النظام من خلالها قضم مناطق الثوار وزرع الخلاف والشقاق بينهم، وتحييد مناطق واسعة عن المشاركة في الكفاح المسلح ضده، الأمر الذي سمح له الانفراد بكل منطقة على حدىً، فضلاً عن أنه جعل هذا المشروع مسوغاً لتحسين صورته أمام المجتمع الدولي، وما فتئت روسيا تستخدم هذا الأمر في المحافل الدولية لتجميل صورة النظام، وتعلن عودة المنطقة تلو الأخرى بالمصالحة لكنف “الدولة الشرعية في البلاد”، على حدّ تعبيرها. 
يذكر أن فصائل المعارضة في الشمال السوري شنّت مؤخراً حملة اعتقالات لكل من يدعو أو يروج للمصالحة مع النظام، شملت العديد من المناطق المحررة، وأبدى ما يعرف بمركز المصالحة الروسية التابع لوزارة الدفاع الروسية غضبه من الحملة، واصفاً إياها بأنها ترمي إلى تقويض التسوية وتطبيع الوضع في منطقة إدلب لخفض التصعيد، وإفشال جهود المصالحة بين أطراف النزاع السوري هناك، ودعا المركز إلى التخلي عن الاستفزازات المسلحة، والتحول إلى مسار التسوية السلمية في المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة.
الرد الروسي وحده يبين أهمية مشروع المصالحة بالنسبة لكل من روسيا والنظام السوري، واللذان بذلا جهوداً غير عادية من أجل بقائه والاستمرار فيه، وما زالا يأملان في تطبيقه على المناطق الخارجة عن سيطرتهما في إدلب وغيرها.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*