الديمقراطية في داخل المؤسسات السياسية في إدلب

خاص زيتون
لم تكن الثورة السورية قليلة الحراك المدني والسياسي، فما أن انطلقت شرارتها حتى ظهرت عشرات التجمعات السياسية والنقابية والأجسام المدنية، وبالرغم مما اتسمت به من ارتجالية وعشوائية وضعف في التأسيس والهيكلة إلا أنها كانت النواة الأولى لما سيثبت مع الأيام جدارته وفاعليته.


وانعكس اضطراب المناطق الخارجة عن سيطرة النظام بما تعرضت له من قصف واقتتال بين الفصائل وعمليات نزوح وتدمير للبنية التحتية وانتشار الفوضى على أداء هذه التجمعات، ما أكسبها بعض من صفات الحالة العامة من ضعف وفوضى، مع وجود مسافة كبيرة ما بين الهدف المعلن والأداء الواقعي.
من أهم تلك الفروقات ما ظهر من ممارسات تتناقض مع توجهات هذه التجمعات، ففي إدلب بقي العمل السياسي دون الارتقاء إلى الحالة الديمقراطية إلا من بعض الاستثناءات التي لا تؤثر على الحالة العامة، وهو ما تتشارك به مع أغلب المؤسسات المدنية والعمل الثوري المنتشر والمتعلق في مختلف مجالات الثورة.
ولعل انتقال السلطة الداخلية في التجمعات وتداولها هو من أبرز المؤشرات على تبني العملية الديمقراطية بشكل عملي من قبل الأحزاب والتكتلات السياسية، فلا يمكن لحزب أو تجمع ما أن يدعي سعيه لإقامة دولة مدنية ديمقراطية تعددية، بينما يكون هو نفسه واقعا تحت هيمنة شخص مؤسسه أو مرهون بإرادة أشخاص محددين، أو دون أن يمارس هذه الديمقراطية في هيكليته وإدارته الداخلية.
ورغم ما تفرضه الأنظمة الداخلية المتوفرة في أغلب التجمعات السياسية من إجراءات تنص على إجراء انتخابات دورية تمكن المنتسبين إليها من اختيار قيادة مختلفة، وانتقال السلطة من كادر قديم إلى كادر جديد يمارس عمله كحلقة في ترسيخ فكر المأسسة والديمقراطية، إلا أن أغلب الأحزاب قد وقعت فيما وقع به المجتمع السوري من اعتبارات اجتماعية ومناطقية وعدم قبول مشاركة الآخر وممارسة النفوذ لديمومة استمرار السلطة، فضلاً عما تركته هذه الأسباب من معوقات في تقدم العمل السياسي في الداخل.

الهيئة السياسية في محافظة إدلب
تعد الهيئة السياسية في إدلب من أفضل الحالات التي تم رصدها في تداول السلطة والمشاركة في اتخاذ القرار، وذلك بالانتخابات التي أجرتها في انتقال رئاستها في أواخر عام 2017. 
تعتمد الهيئة السياسية في بنيتها التنظيمية على سبع دوائر موزعة في مناطق محافظة إدلب، تسمى وفقاً لمناطق توزعها بالإضافة إلى الدائرة الجديدة التي تم استحداثها في الدورة الجديدة وهي خاصة بمدينة إدلب، وذلك بعد طلب من أبناء منطقة إدلب، وتطلّب استحداث الدائرة تعديل النظام الداخلي من قبل المكتب التنفيذي الجديد بما يتناسب بحسب ما صرح به “غانم الخليل” مدير مكتب العلاقات العامة في الهيئة السياسية بإدلب لزيتون.
وأضاف “الخليل”: “يشرف على هذه الدوائر مكتب تنفيذي يتكون من رئيس الهيئة ونائبين اثنين وعشرة أعضاء، يترأسون المكاتب “السياسي، القانوني، التخطيط الاستراتيجي، الإعلامي، المالي، العلاقات العامة، التنظيم والإدارة، التنسيق والمتابعة، المنظمات والدعم الإنساني، الارتباط العسكري”.
وحول ممارسة الهيئة لمبدأ الديمقراطية فيها أوضح رئيس مكتب التنظيم والإدارة في الهيئة السياسية في ادلب “أحمد بكرو”: “نحاول في الهيئة السياسية تأصيل مبدأ الأختيار المسؤول من خلال التصويت على القرارات والمواقف أو اختيار الأعضاء الممثلين سواء بالدوائر السياسية أو المكتب التنفيذي وحتى الرؤية السياسية للهيئة تم التصويت عليها قبل اعتمادها وكذلك النظام الداخلي”.
وأضاف “بكرو”: “أجرينا آخر انتخابات في تشرين الثاني من عام 2017، وذلك مع نهاية ولاية المكتب التنفيذي السابق، وتمت التهيئة للانتخابات وعقد مؤتمر تم فيه انتخاب مكتب تنفيذي ورئيس جديد للهيئة، تفصلنا حاليا أربعة أشهر لانتهاء ولاية للمكتب التنفيذي الحالي وذلك في 31 كانون الأول من العام الحالي”.

التجمع الثوري السوري
ويلخص مؤسس التجمع الثوري السوري “عثمان بديوي” أهداف التجمع بالعمل على وحدة الصف واحترام الحريات العامة والخاصة، وضمان الحقوق وتحقيق العدالة الانتقالية التي تضمن رد الحقوق ومحاسبة المجرمين، والسعي لبناء مجتمع وسطي ومشهد ديني معتدل، وقضاء ثقافي أصيل ومتعدد.
وعن بنية التجمع التنظيمية أوضح رئيس مكتب التنظيم “معين العبد القادر” لزيتون أن للتجمع نظام داخلي مكون من ستة فصول وأربع وثلاثين مادة، يضبط هذا النظام كل برامج عمل وخطوات التجمع، ويقود التجمع مجلس ثوري أعلى، يمثل قيادة التجمع، ويتبع له عدة أفرع في محافظات إدلب، حلب، حماة، ريف دمشق، وحمص.
مضيفاً بأن الهيكلية تبدأ من الأصغر حتى الأكبر، بالخلية الثورية، وهي أصغر تجمع سكاني كالقرية والمزرعة، تليها الوحدة الثورية، وهي عبارة عن تجمع خمس خلايا، ثم الدائرة، وتوجد بكل منطقة من مناطق محافظة إدلب، حيث يوجد ست دوائر بحسب مناطق المحافظة، كما أن للمجلس الثوري الأعلى للتجمع، رئيساً ونائبا له ورؤساء لتسعة مكاتب تدير أعمال التجمع، مدة ولاية المجلس سنة قابلة للتجديد مرة واحدة”.
وفي ممارسة التجمع لثقافة الديمقراطية فيه قال “بديوي” إن أغلب التجمعات السياسية لها نظام داخلي موضوع من قبل الهيئة العامة أو المؤتمر العام، ضمن هذه الأنظمة تحدد الصلاحيات لكل جسم أو مكتب فيه”.
وأضاف “بديوي” أن النظام الداخلي في تجمع سورية الثورة يبين الاجتماعات الدورية ودوريتها التي تناقش فيها المستجدات، ويتم معظم العمل واتخاذ القرارات عن طريق عملية التصويت في داخل التجمع كانتخاب المجلس الثوري وانتخاب الرئيس”.
يعين الرئيس بعد انتخابه المكاتب ويطرحها على المجلس الثوري للتصويت، كما يمكن التصويت من المؤتمر العام أو الغرفة العامة على بعض القرارات التي تحتاج إلى أغلبية، بغض النظر عن الصلاحيات الممنوحة، وذلك بحسب “بديوي” الذي أكد أنهم الآن بصدد التحضير لمؤتمر عام لانتخاب الرئيس والمجلس الثوري، من المتوقع إجراءه خلال أسبوعين.

هيئة الحراك الثوري
“هيئة الحراك الثوري حالة تمثل الحراك الثوري وتمثل المظاهرات وتمثل مطالب الثورة لا تنطوي تنظيمياً تحت أي جهة، هدفها إنجاز مؤتمر عام يمثل الحراك الثوري ذو الانتماء الثوري والوطني، حينها تفرز قيادة ثورة حقيقية تعبر عن الثورة وهنا ينتهي الحراك الثوري” بحسب منسق الهيئة يسار باريش 
منسق فرع ادلب في هيئة الحراك الثوري “رضوان الحسن” أجاب حول الممارسات الديمقراطية في داخل الهيئة بأن الوضع الحالي المفروض لا يسمح بممارسة الديمقراطية وإجراء انتخابات، مما دفعهم لاعتماد المكتب التنفيذي في اختيار المنسق العام.
وأضاف “الحسن” قام المكتب التنفيذي بانتخاب المنسق العام للحراك الثوري عندما توفي المنسق العام السابق “عبد الناصر ملص” وتم التوافق على “يسار باريش” ليشغل منصب المنسق العام، ونعمل على التحضير لمؤتمر عام لقوى الثورة لإعادة تشكيل إدارة جديدة”.
وحول وجود نظام داخلي يوضح عملية انتقال السلطات في الهيئة، أوضح الحسن عدم توفر النظام الداخلي بانتظار الوصولإ إلى المؤتمر العام ليصار إلى وضع التفاصيل بما يخص النظام الداخلي.

حركة نداء سوريا
تعرف حركة نداء سورية نفسها عبر موقعها الإلكتروني بأنها كيان سياسي وطني يخص السّوريين وحدهم ولا يميز بينهم، بالعِرق والدين والجنس والأساس، وتؤمن الحركة بأن السوريين وحدهم من يختار شكل الدولة ونظام الحكم، وباحترام حرية الرأي والرأي الآخر، وتعتبر الحركة أن مؤسسة القضاء هي مؤسسة النقد المستقلة، وهي المرجعية الوحيدة للسوريين، أما أهداف الحركة فهي العدالة والمساواة وحرية الإنسان.
وعن بنية الحركة التنظيمية واستراتيجيتها قال رئيس مكتب أوروبا في حركة نداء سوريا “أحمد المشوّل” لزيتون: “تعتمد الحركة في بنيتها التنظيمية على ثمانية مكاتب فرعية، تسمى وفقا لمناطق توزعها، ويشرف على المكاتب الفرعية مكتب سياسي عام يتكون من رئيس ونائب وأمين سر وثمانية أعضاء، وتحدد مدة ولاية المكتب العام بدورتين انتخابيتين، مدة كل دورة سنة واحدة، وللحركة نظام داخلي ناظم يوضح برنامجها وأهدافها ورؤيتها، ومهامها، والمهام التنظيمية، وشروط الانتساب لها”.
ويوضح رئيس الحركة “سامي الخليل” أن تداول السلطة يتم من خلال مؤتمر عام والمؤتمر أعلى سلطة بالحركة، وما تزال حركة نداء سوريا دون مؤتمر عام لعدم توفر الشروط المناسبة لانعقاده.
ويؤكد “الخليل” أن لا أحد متمسك بموقعه والعمل يقوم على مبدأ التطوع بسبب رفض الحركة لتلقي أي دعم مادي من أي جهة تمسكا باستقلال قرارها، وقد حصل بعض التغيير لدواعي ظروف البعض، ولكن التغيير كان وفق رؤية قانونية.

التجمع الشعبي للحراك الثوري في معرة النعمان
يهدف التجمع إلى العمل على بناء جسم ثوري ينبثق عنه مؤسسات مدنية حقيقية متكاملة، تملأ الفراغ الذي تسببت به حملات النظام من تدمير لجميع المؤسسات المدنية، بالإضافة إلى العمل على بث الوعي الفكري والاجتماعي والحقوقي والإنساني، حتى يحقق الانتقال من دولة الاستبداد والفساد والظلم والطغيان والإجرام إلى بناء دولة مدنية ديمقراطية تعددية، دولة القانون والعدالة والحقوق والحريات المدنية والسياسية.. بهذا يقدم أحد مؤسسي التجمع الشعبي للحراك الثوري “زياد أمنة”.
في حين لم يكن لدى التجمع هيكلية تنظيمية مؤسساتية في الفترة الأولى لتشكيله، فتم الاعتماد في العمل والتنظيم والانتساب على المجموعة التأسيسية الأولى فقط، بحسب “محمد كامل منديل” أحد مؤسسي التجمع الشعبي للحراك الثوري، والذي أضاف: “كنا نؤجل هذه الأمور للمستقبل، ونخطط لترتيبها لاحقاً”.
وكان واضحاً تأثير وفاة مؤسس التجمع “عبد الناصر ملص” على عمل التجمع ودخوله في حالة من الثبات رغم كل المحاولات الجادة من قبل أعضائه لإحيائه.

تجارب الممارسة الديمقراطية في التوحد والاندماج 
مع ترقب مصير إدلب وسط تهديدات النظام بشن عملية عسكرية عليها، أعلنت 9 هيئات سياسية وثورية في المحافظة، اندماجها تحت مسمى “الجبهة الوطنية السورية”.
وذكر بيان صدر في مدينة إدلب، الخميس 16 آب الجاري، أن اجتماعا ضم مسؤولي “الهيئة السياسية في إدلب، تجمع سورية الثورة، المجلس الثوري السوري، اتحاد النقابات المهنية، تجمع سورية الأمل، تجمع ثوار 2011، تجمع طلاب العلم، المقاومة الشعبية، الناشطون المستقلون”، اتفقوا من خلاله على ستة بنود أبرزها الاندماج فيما بينها.
كما اتفق المجتمعون على تشكيل لجنة تحضيرية للتواصل مع كافة المكونات والهيئات الأخرى الراغبة في الاندماج، واعتبار الأشخاص المشاركين في الاجتماع هم أعضاء هذه اللجنة، والتي من مهامها الإعداد للمؤتمر العام.
وأكد البيان أن “الجبهة الوطنية السورية” تقف على مسافة واحدة من جميع القوى الثورية والعسكرية المساهمة في إسقاط النظام، مشيرا إلى أن باب الانضمام للجبهة مفتوح للجميع.
ولكن بعد ساعات من صدور بيان الاندماج، أصدرت الهيئة السياسية في محافظة إدلب بياناً توضيحياً تنصلت فيه من أي التزام، وأوضحت أن ممثلي الأجسام السياسية الأخرى صاغوا بياناً بتشكيل ما أسموه “الجبهة الوطنية السورية”، وسارعوا للتوقيع على ورقة بأسمائهم كموافقة مبدئية على الاندماج، واعتبرت أن ما جاء في الورقة هو قفز فوق مرحلة التشاور.
وأكدت الهيئة السياسية استعدادها لمواصلة التشاور بخصوص توحيد الكتل السياسية، وفق ثوابت واضحة وآليات محددة تراعي التزامات الهيئة السياسية تجاه الثورة.
من جانبها أصدرت المقاومة الشعبية بياناً مماثلاً أكدت فيه أنها لم تكن حاضرة في الاجتماع التشاوري ولم توقع على أي بيان، وأوضحت أنها ليست كياناً أو حزباً أو فصيلاً، وإنما هي حراك ثوري جامع مع كل ما من شأنه وحدة الصف وجمع الكلمة.

وتحاول الفعاليات السياسية والثورية في محافظة إدلب تجميع نفسها، لكن هذه المرة سياسياً وليس عسكرياً، بعد اندماج أغلب الفصائل العسكرية تحت اسم “الجبهة الوطنية للتحرير”.

ويشير الاضطراب الواقع في عدم الاتفاق على البيان الصادر ارتجالية وسرعة مع قلة في التنسيق، كما يشير إلى الصعوبات التي تواجهها تلك التجمعات في اتخاذ القرارات على المستوى الداخلي، وهو ما يعيد تلك التجمعات إلى صقل أنظمتها الداخلية الحاكمة في اتخاذ القرارات والصلاحيات.
سبق هذه الخطوة محاولة لتوحيد بعض التجمعات السياسية سميت “مبادرة الثورة السورية في محافظة إدلب” بعدما أصدرت أربعة تجمعات سياسية في 5 أيار الماضي، قراراً يقضي بتوحدها تحت جسم سياسي واحد، في خطوة هي الأولى من نوعها ضمن جهود مبادرة لتوحيد الخطاب السياسي في المحافظة وتوحيد التجمعات.

وذكر البيان أن المبادرة قد تم إرسالها إلى كلٍّ من: “الهيئة السياسية في محافظة إدلب، تجمع سورية الثورة، المجلس الثوري السوري، تجمع اتحاد النقابات المهنية، تجمع أبناء إدلب، هيئة الحراك الثوري، وشخصيات مستقلة”.
اعتذرت الهيئة السياسية وهيئة الحراك الثوري عن الانضمام فيما لم يصدر عن الجسم المشكل أي قرار واضح فيما بعد، في صورة توحي بأن التوحد لم يكن فعالا.
واعتبر رئيس النقابات والاتحادات المهنية في إدلب “عبد الوهاب الضعيف” في حديث سابق له عن العمل السياسي والنقابي أن نزعة الأنا المنتشرة في العمل الثوري بشكل عام هي سبب الفشل المتلاحق، وإن لم نتخلص من هذه النزعة فلن نتخلص من سمة الفشل التي طبعت مؤسسات الثورة، والحقيقة هي أن الهيئات السياسية لم تصل لمرحلة النضوج السياسي، وما زال البعض يغلبون المصالح الضيقة على مصلحة البلد، وهي أحد أسباب ابتعاد الناس عنهم نوعا ما، على حدّ تعبيره.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*